في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعانيها الأردنيون من شرائح مختلفة؛ خصوصا ذوي الدخل المحدود، ومع استمرار التأثيرات السلبية لظاهرتي البطالة والفقر على المجتمع، تظهر جلياً أهمية برامج المسؤولية الاجتماعية لشركات القطاع الخاص التي تنفذها منفردة أو بالشراكة مع القطاع العام، خصوصاً أن هذا المفهوم نشأ أصلاً لملامسة وتغطية احتياجات المجتمعات المحلية ومشاركة الشركات لهموم الناس ومشاكلهم.
وعلى الشركات أن لا تتبنّى برامج المسؤولية الاجتماعية للمجتمع وكأنها عبء عليها، بل يجب أن تنظر إليها كواجب يمليه عليها واجبها في المساهمة في التنمية الاقتصادية وكشكل من أشكال ردّ الجميل للمجتمع الذي أسهم في تطور أعمالها وتشكيل أرباحها.
ومن جهة أخرى، يجب أن تركّز شركات القطاع الخاص بمختلف أطيافها على المبادرات والمشاريع التي تحدث تأثيراً طويل المدى في المجتمع أو حياة الفرد الاجتماعية والاقتصادية، فليس أفضل من أن تمس برامج المسؤولية الاجتماعية قضايا البطالة والفقر والمساعدة على تحويل المشاريع الريادية الى إنتاجية، فضلاً عن أهميتها في دخولها قطاعات التعليم والصحة وتوفير المسكن.
"الغد" تحاول في زاوية جديدة أن تتناول حالات لبرامج، أو تعدّ تقارير إخبارية ومقابلات تتضمّن المفاهيم الحقيقية للمسؤولية الاجتماعية لشركات من قطاعات اقتصادية مختلفة تعمل في السوق المحلية.
بين صفحات يزيد عددها على الـ 100 صفحة، يدخلك إليها غلاف يحمل رسما لـ"عجلة" تشعرك وترسم أمامك مفاهيم الاستمرارية والاستدامة والتقدّم والتطوّر الى الأمام،... ، يجد القارئ لتقرير "البنك العربي" - الخاص بالاستدامة 2012 - نفسه أمام باقة متنوعة من القضايا والمحاور الاقتصادية والاجتماعية، وخلطة من "الاقتصاد والاجتماعيات"..
ذلك ما تلمسه عندما تضعك صفحات التقرير - الذي صدر قبل أسبوعين وللسنة الثالثة على التوالي - أمام عرض متكامل لخلطة متكاملة من العمليات والمبادرات والمشاريع والبرامج التي قام بها البنك العام الماضي مع موظفيه، مساهميه، البيئة الداخلية، البيئة الخارجية، العملاء والمجتمعات المحلية،...
فبعد أن تطالع مؤشرات اقتصادية خاصة بعمليات البنك ومنتجاته وخدماته، تصل الى صفحات تصلك بالبيئة الداخلية والخارجية، حيث تتعلّم أشياء تتعلق بأهمية الحفاظ على محيطنا بموارده الطبيعية البسيطة،.. ومن البيئة تنقلك مجموعة من صفحات التقرير من البيئة الى الإنسان عندما تجد نفسك تقرأ عن الفقر والبطالة، وكيف يمكن لمؤسسة مثل البنك العربي أن تدعم جهودا منفردة أو مشتركة مع غيرها من الجهات لمحاربة هاتين الظاهرتين المؤلمتين،..، ثم تتعلّم شيئاً عن دعم الأيتام، وأشياء عن دعم الشباب وتطوير مهارتهم،..، تدرك أهمية الشفافية الكثير الكثير يعلمك به التقرير عندما يعرض كل عملياته ذات العلاقة بكل ما يحيط به ويرتبط من أطراف في هذا المجتمع وهذا النظام الاقتصادي.
وفي الخلاصة يقدّم البنك تقريره للاستدامة "سجلاً مفصلاً لعمليات البنك في مختلف مجالات الاستدامة انسجاماً مع سياسة الشفافيّة التي يتّبعها البنك منذ تأسيسه، وانطلاقاً من حرصه على التواصل الفعال مع كافة الجهات ذات العلاقة، جرى تقييم هذا التقرير بمستوى (A) من قبل مبادرة التقارير العالمية (GRI) وهو أعلى مستوى تقييم تمنحه هذه الجهة العالمية متخطياً بذلك درجة التقييم التي منحت لتقارير البنك في الأعوام السابقة. ويقول البنك العربي في ردّه على اسئلة لـ"الغد" إن التزامه بإصدار هذا التقرير للسنة الثالثة على التوالي يأتي تجسيداً لاستراتيجية البنك الرامية إلى تفعيل ودمج مفهوم الاستدامة بمعناها الشامل ضمن أعمال البنك وأنشطته وممارساته اليومية.
ويقول نائب رئيس أول مدير إدارة "البراندنج" في البنك العربي طارق الحاج حسن: "إن البنك العربي هو أول بنك في الأردن يصدر تقريراً للاستدامة حسب المعايير العالمية وهو من ضمن عدد محدود من بنوك المنطقة التي تصدر مثل هذه التقارير، مؤكدا أن تقرير الاستدامة الثالث يستعرض إنجازات العام 2012 بشمولية أكبر من سابقه، كما أنه يغطي مجموعة أكبر من مؤشرات الاستدامة المطلوبة وفق المعايير العالمية ومن هنا جاء حصول التقرير على تقييم أعلى هذا العام.
وتؤكّد الرئيس التنفيذي والمؤسس لشركة "سكيما" لاستشارات الاستدامة معالي قاسم خضر، أن إصدار تقارير الاستدامة والمسؤولية المجتعية أو المؤسسية هو ممارسة آخذة بالنمو نظراً لأهمية هذه التقارير في التواصل مع أصحاب المصلحة ولتحقيق نوع من المساءلة حول استدامة استثمارات الشركات والتزاماتها، مشيرة الى أن هذه الممارسات بالغة الأهمية لعكس مدى نضج الأسواق العاملة فيها الشركات، بالإضافة الى مدى تقدير تلك الشركات لاهتمامات وحقوق المستهلكين والعملاء.
وتشجّع خضر المزيد من الشركات على إصدار تقارير الاستدامة والمسؤولية المؤسسية أو الاجتماعية التي تساعد الشركات على تجميع نشاطاتهم وجهودهم بهدف توضيح وإدارة تأثيرات هذه الجهود على المدى القصير والمتوسط والطويل.
وتوضح خضر أن هذه التقارير لا تعكس فقط الأداء المالي والبيئي للشركات، بل أيضا الجهود المستثمرة في مجال التنمية المجتمعية المستدامة. وبالتالي، فإن الإفصاح عن مثل هذه المعلومات مهم جداً للمساهمة في عملية التغيير والنمو في الأردن لخلق المزيد من التعاون تجاه التغيير. وسط ما يواجهه الأردن من تحديات مجتمعية، حيث سيساعد إصدار مثل هذه التقارير في تحقيق التغيير والتطور المجتمعي المستدام.
ويرى الأكاديمي الدكتور عبدالغفور الصيدي الخبير في إدارة الأعمال، أن "الاستدامة هي الشغل الشاغل للعالم المتقدّم اليوم، وذلك لأنها تقود الى التنمية الاقتصادية والمجتمعية على المدى الطويل، وتساعد على ضمان مستقبل الأجيال"، مشجعاً كل شركات القطاع الخاص وحتى الحكومية منها أو مؤسسات المجتمع المدني، صغيرة، متوسطة، أو كبيرة، لتبني ممارسة إصدار تقارير استدامة كونها تعكس "التزاما أخلاقيا مستداما، وشفافية في التعامل مع كل ما يكوّن النظام الاقتصادي والاجتماعي في المجتمع".
ويرى البنك العربي أن الكثير من الفوائد يمكن أن تفيد أطرافا كثيرة من إصدار تقارير الاستدامة: حيث يستفيد البنك من المساعدة في تطوير رؤية واستراتيجية الاستدامة، المساهمة في تطوير وتحسين الأداء والنظم الداخلية والنظم الإدارية، المساهمة في إدماج الدوائر المختلفة وتشجيع الابتكار وتنفيذ مبادرات جديدة، المساهمة في تحقيق الميزة التنافسية والريادة، المساهمة في استقطاب الكفاءات والمحافظة عليها، كما يستفيد البنك من المساهمة في رفع مستوى الوعي لدى الموظفين، والتركيز مجدداً على قيم وأهداف البنك.
وبالنسبة للفوائد الخارجية يقول البنك العربي إنها تتلخص في: المساهمة في تعزيز ثقة واحترام العملاء، المساهمة في جذب المستثمرين، المساهمة في تعزيز الشفافية والحوار مع الجهات ذات العلاقة، المساهمة في إظهار القدرة على المشاركة وتعزيز التواجد في السوق التنافسي، مواصلة الالتزام بالتنمية المستدامة، تعزيز القدرة على قياس ومقارنة الأداء، والمساهمة في تعزيز صورة البنك وريادته.
ويوضح الحاج حسن أن التقرير يسلط الضوء بشكل مفصل على البرامج الداخلية التي يتبناها البنك مثل دمج عدد من المعايير البيئية والاجتماعية في عملية إقراض المشاريع وتنفيذ عدد من المبادرات لتقليل نسبة انبعاثات الغازات الدفيئة وزيادة الوعي الداخلي بمفهوم الاستدامة، إضافة إلى المساهمات المجتمعية والتي تتجاوز توفير الدعم المالي لتشمل تقديم خدمات خاصة تمكن العملاء من التبرع لعدد من المؤسسات غير الهادفة للربح وإشراك الموظفين في نشاطات تطوعية وبناء قدرات المؤسسات غير الهادفة للربح لضمان استمرارية أعمالها.
ومن أبرز الإنجازات والمؤشرات التي شملها التقرير في مضمار البيئة ما يلي: بلغ مقدار التمويل لمشاريع البنية التحتيّة الصديقة للبيئة بلغ العام الماضي 12.6 مليون دينار، فيما بلغ إجمالي انبعاث الغازات الدفيئة لكل موظف (طن/ موظف): 5.7، كما حرص البنك على تخفيض نسبة استهلاك الورق بمقدار 19.5 % ونسبة استهلاك البلاستيك بمقدار 52 %.
وفي مجال الموظفين كانت أبرز إنجازات البنك ما يلي: كانت تكلفة دعم تعليم أبناء الموظّفين في الجامعات الأردنيّة، بالدينار الأردني 70284 دينارا، بلغ إجمالي عدد الفرص التدريبيّة التي تمّ تقديمها للموظّفين 8343 فرصة.
وذكر أن أبرز الإنجازات خلال العام في مجال المجتمع كانت ما يلي: ارتفاع نسبة الاستثمارات المجتمعيّة للبنك بنسبة 21.5 % وبقيمة تجاوزت 11 مليون دينار، ارتفعت نسبة التبرعات المقدمة من العملاء للمؤسسات غير الهادفة للربح المشاركة في برنامج "معاً" بنسبة
21 % مقارنة مع العام الماضي، إطلاق البنك برنامج بناء القدرات لتنمية قدرات المؤسسات غير الهادفة للربح.
وعلى صعيد المبادرات التطوعية ذكر التقرير أنه قام بتنفيذ 32 مبادرة تطوّعيّة بعدد ساعات تطوعية وصلت إلى 166 ساعة، حيث تمكن البنك من خلالها من الوصول إلى حوالي 13342 مستفيدا، كما زاد عدد الموظفين المشاركين في المبادرات والأنشطة التطوعية بنسبة 13 % في العام 2012 مقارنة مع نسبة 11 % العام 2011.
وعن المجال الاقتصادي قال التقرير إن أبرز المؤشرات تتمثل فيما يلي: بلغ إجمالي محفظة القروض للشركات الصغيرة والمتوسّطة أكثر من 447 مليون دينار، وبلغ عدد المشاريع الصغيرة التي تمّ دعمها 147 مشروعاً.