يمرُّ التعليم العالي برمته بمنعطف مهم، تتبدى علاماته في إشكالية البناء المؤسسي والهدف من وراء مجمل مؤسساته التي كانت نشأتها منذ البداية للإسهام في التنمية، ولكنها اليوم تتدثَّر بدثار المحليَّة وإضعاف هوامش الاستقلاليَّة التي استحقتها، وتمكُّن الجهويات ورغائب النفوذ من قبل مجلس التَّعليم العالي على الجامعات التي لا زالت في بدايات تأسيسها.
ولكي يمرَّ التَّعليم العالي من أزماته سليماً معافىً، لا بدَّ له من جراحة عميقة تؤسس لمرحلة جديدة وتعيد إليه ألقه، وتضع مؤسساته في مصاف الجامعات العالمية، وأولى تلك الخطوات، تكمُنُ في التأسيس لمسار واضحٍ يتمثَّلُ في الاختيار الأمثل لرئيس الجامعة، وفي حفظ استقلاليتها بعيداً عن مظلات التأثير والتَّدخل المباشر وغير المباشر في المؤسسة الجامعيَّة، ومع أنَّ مؤشرات الاستقرار والتَّقدم في مؤسسات التَّعليم تخضع لكافة المؤثرات التي تمرُّ بها الدَّولة، ولا يمكنُ فصلها عنها، إلا أنَّه بات من المهم أنْ تتكئَ الأُسس التي يتمُّ فيها اختيار رؤساء الجامعات على طرقٍ غير تلك التي كانت تتمُّ في الماضي.
ولعلَّ مبادرة وزير التَّعليم العالي الحاليَّة، بتشكيلِ لجنةٍ لاختيار رئيسٍ للجامعة الألمانيَّة، تعدُّ خطوةً في الاتجاه الصحيح نحو تأطير اختيار رؤساء الجامعات، وربطها بمؤسسيَّةٍ غير خاضعةٍ للمزاجيَّة والجهويَّة والمحاصصة التي ذهبت بجامعاتنا نحو طريق مجهول، لا نستطيع الخروج منه إلا بالعمل الجادِّ والمخلص للوطن وللأجيال القادمة.
إنَّ الطريقة المعتادة لاختيار المناصب العليا وعلى رأسها جامعاتنا التي تعدُّ بيوت خبرة وطنيَّة، والمورد الحقيقيِّ لتخريج طبقة التكنوقراط والبيروقراطية الوطنيَّة، جعلت جامعاتنا في حالة من القصور في الـتَّأثير وفي التَّغيير والبناء، ولعلَّ ما تشهدُه اليوم من عنف جامعي قد تجاوز المسَّ بسمعتها، بل أسهم في تأخيرها، وأضعف حضورها، وتدنَّت مستويات الثِّقة بها، فمات البحث العلميُّ، وأصبحت الشَّهادات للتَّعليق على الحائط، لا تُغني أصحابها، ولا تُسمنهم من جوعٍ وبطالةٍ.
إنَّ خطوة الوزير تلك تحتاج الدَّعم والمباركة من أصحاب القرار في الدَّولة الأردنيَّة، ولكي يكتب لها النَّجاح والدَّيمومة في وقت نسعى فيه للشَّفافيَّة والمصارحة، لا بدَّ لها من أُسسٍ تقومُ عليها وترتكز إليها وأهمها:
1. أنْ يُستثنى من تلك المنافسة على منصب رئيس الجامعة، أيّ وزير تعليم عالٍ تولى منصبه قبل أقلَ من ثلاثِ سنوات، أو أمين عام الوزارة بالمدَّة ذاتها، وأعضاء مجلس التَّعليم العالي العاملين وقت الاختيار المعلن، وذلك لتطبيق أسس الحياد الوظيفيِّ التي وضحتها أوراق الملك النِّقاشية، وهذا الأمر يجب تطبيقه على رئاسة الجامعات الخاصَّة أيضا.
2. تطبيق مبدأ حظر تضارب المصالح في عضويَّة مجلس التَّعليم العالي، ورئاسة أي جامعة، إلا بعد انقضاء المدَّة المُشار إليها أعلاه، لتأكيد مبادئ الشَّفافيَّة، وتحيد استخدام النُّفوذ والسُّلطة الوظيفيَّة في غير سياقها الصَّحيح، كما هو معمول به في قانون هيئة اعتماد الجامعات الواردة في المادة (10)، والقائلة بعدم جواز أنْ يكون الرئيس أو نائبه أو أيٍّ من أعضاء المجلس مالكاً أو مُساهما أو له منفعة في أيِّ مؤسسة من مؤسسات التَّعليم العالي بصورة مباشرة أو غير مباشرة طيلة مُدَّة رئاسته أو عضويته في المجلس ولمدة ثلاث سنوات بعد تاريخ الرِّئاسة أو العضويَّة في الهيئة، وكذلك المادة (77) من نظام موظفي هيئة تنظيم قطاع الاتصالات، والمادة (29)، من قانون البنوك الأردنيَّة، والخاصَّة بتوظيف موظفي البنك المركزيِّ لديها.
3. أن يتمَّ اختيار رؤساء الجامعات على أساس الخبرة الأكاديميَّة والإداريَّة، وأنْ يتمَّ ترشيح الأسماء لمجلس الأمناء، ثم يقوم المتقدِّمون بإعطاء محاضرةً أمام مجلس الأمناء، ثمَّ يتمُّ ترشيح الأسماء للمجلس لتتمَّ عملية الاختيار.
4. أن يقدِّم الرَّئيس المرشح رؤيته وخطَّته القابلة للتَّنفيذ، وتتمَّ محاسبة وتقييم أدائه بناءً على خطَّته، وأنْ تكون الخُطَّة يحكمها سقف زمني، وأولويات أكاديميَّة وطلابيَّة ومجتمعيَّة.
من غير ذلك، تبدو المبادرة تلك منقوصة، وتعيدنا إلى المربع الأوَّل لاختيار الرُّؤساء، القائمة على المعارف والصَّداقات والمحسوبيَّة والوساطة، التي لا تخدم الوطن ولا تُسهم في نهوضه وتطوره.
أ.د اخليف الطراونة