' زخم اللحظة الراهنة منع المهتمين من إلتقاط عبارة مهمة وقصيرة وردت في الرسالة التي خاطب بها المعارض الأردني البارز ليث الشبيلات مدير الأمن العام الجنرال حسين المجالي قبل نحو أسبوعين.
العبارة تتعلق بالأزمة الإقتصادية والمالية الراهنة والمتوقعة وتلمح إلى إحتمالية تخفيض سعر الدينار.
طبعا الشبيلات ليس إقتصاديا لكنه على الأرجح يستمع لخبراء إقتصاديين وتتوفر لديه حصيلة معلومات من أصحاب قرار.
كذلك المجالي ليس الطرف المعني بالإستماع لملاحظات إقتصادية فالرجل يواجه أصلا فعاليات الحراك الشعبي ويحرسها ويؤمنها بميزانية منخفضة.
لكن الأهم أن هذه الملاحظة تسلط الضوء ضمنيا على الملف الذي لا يحب المسؤولون في عمان التطرق إليه وإن كان وزير المالية سليمان الحافظ يكثر بين الحين والاخر من إشاعة التشاؤم قصدا حتى لا يتهم مستقبلا بأي شيء.
وزير إقتصادي سابق تحدث لـ'القدس العربي' مفضلا تجنب ذكر إسمه في هذه المرحلة كما قال عبر عن قلقه الشديد لإان الطاقم الوزاري الحالي لا يوجد فيه خبراء ماليون أو خبراء في إدارة المفاوضات المالية، وقال بأن وضع الميزانية المرهق والمتعب والمقلق قد يضع البلاد امام إستحقاق حساس وحرج قريبا.
الإستحقاق المقصود ألمح له شبيلات وتحدث عنه كثيرون خلف الستارة ويتعلق بإجراءات إضطرارية قد تؤدي إلى تخفيض سعر الدينار الأردني كخيار أخير إذا لم تتحرك 'المساعدات' الخليجية والدولية تحت عنوان الدفع السياسي.عمليا لا يتحدث خبراء الحكومة عن الأمر وتبذل محاولات جدية لإبقاء سعر الدينار معزولا عن سياق العجز المالي قدر الإمكان لكن في أوساط البنك المركزي والقيادة المالية يتحدث وزراء ومسؤولون عن 'غموض' يحيط بالإتجاه المالي لإدارة الدولة إعتبارا من مطلع العام المقبل.
لماذا العام المقبل تحديدا؟.. تصريحات وزير المالية العلنية تقول بان الأردن يتجه بعد شهور قليلة لإتخاذ الخطوة الأكثر صعوبة وحساسية وهي 'رفع الدعم' تماما عن جميع الخدمات والسلع، الأمر الذي يعتقد أنه من بين أسباب أخرى تدفع القصر الملكي للإصرار على إجراء إنتخابات وتشكيل حكومة برلمانية تتحمل مسؤولية لحظة صعبة من هذا النوع.
يعني ذلك عمليا أن المواطن الأردني سينتخب قريبا برلمانا ولاحقا وزارة سترفع الدعم الرسمي عن جميع السلع والخدمات بالضرورة في مفارقة محلية بإمتياز يتجاهلها كثيرون فيما يتم التمهيد بوضوح للأمر عبر الحديث مبكرا عن إبداع آليات جديدة لإيصال الدعم إلى مستحقيه من ذوي الدخول المحدودة والفقراء.
وبالنسبة لمصادر مطلعة ثمة دلائل تؤشر على ضيق دائرة الخيارات أمام صانع القرار الإقتصادي فمؤسسة أمريكية من طراز وكالة الإنماء لديها مشاريع مسجلة في الأردن بقيمة تزيد عن 700 مليون دولار.
لكن الجانب الأردني لا يقوم بواجبه في متابعة هذه المشاريع كما فهمت القدس العربي من مصدر دبلوماسي أمريكي حيث لا تظهر وزارة التخطيط القدرة اللازمة على متابعة الأمر فيما ورثت حكومة الدكتور عبدلله النسور الطاقم الإقتصادي نفسه عن حكومة الرئيس فايز الطراونة.
ويبدو أن الضعف في جبهة التخطيط هنا مرده الإنشغال الرسمي الكامل بأولويات الأمن وحراكات الشارع والأجندات السياسية.
وقد لا يقف الأمر عند هذا الحد فمؤخرا بدأ وزير المالية سليمان الحافظ يشتكي من 'سيرك الحيرة' الذي ظهر على سطح الأحداث بعدما قررت دول النادي الخليجي إرهاق الأردن بطريقة غير مسبوقة قبل تسليمه أي دفعة من المبالغ التي تقررت من منظومة مجلس التعاون.
هنا ثمة تفاصيل مرهقة جدا فدول الخليج تتصرف على نحو منفرد عبر تشكيل لجان توفد إلى عمان للبحث عن مشاريع 'إنتاجية' يقدم لها الدعم الخليجي مما يعني أن مال المساعدات الخليجي لن يقدم مباشرة للحكومة الأردنية بل عبر مشاريع تشرف عليها لجان خليجية.
حصل ذلك مع الإماراتيين ومع القطريين الذين قرروا الدفعه بالقطعة ويبدو أنه في طريقه للحصول مع الكويتيين فقد قررت دول الخليج منفردة تحديد الطريقة التي ستدفع فيها حصتها من مساعدات مقررة للأردن بوسائل تبدو مرهقة لإن الحكومة الأردنية ليست صاحبة القرار في إختيار المشروع الذي ستحول لتشغيله الأموال الخليجية.
هذه الأوضاع تبدو ضاغطة تماما على الجانب الأردني رغم قناعة أوساط القرار بأن المال الخليجي قادم لا محالة حتى وإن تأخر.