Nzaro22@hotmail.com
)ما يزال "مؤتمر هرتسليا"يستقطب منذ انعقاده للمرة الأولى عام 2000 اهتماماً واسعاً لدى مختلف الأوساط المحلية والإقليمية والدولية، المهتمة والمتابعة للشأن الإسرائيلي ولملف الصراع العربي-الصهيوني.
وتنبع الاهمية الفائقة للمؤتمر من نوعية المشاركين فيه اولا ثم من طبيعة المحاور والقضايا الاستراتيجية التي يتناولها ويغطيها ، يضاف اليها الافكار والمقترحات والتوصيات التي يتقدم بها المشاركون فيه وهم عادة نخبة النخبة من المفكرين والباحثين الاستراتيجيين والاكاديميين ونخبة من كبار الجنرالات والساسة الاسرائيليين) .
=====================
الجدل السياسي والاستراتيجي الاسرائيلي حول ملفات وآفاق الصراع في فلسطين من جهة، وحول ملفات وآفاق الصراع مع الامة العربية من جهة ثانية، وحول التحديات والتهديدات الاستراتيجية والوجودية التي تواجهها "الدولة الصهيونية" وسبل التصدي لها من جهة ثالثة، لا يتوقف ابدا، وكل المؤسسات السياسية والامنية / العسكرية والاستراتيجية الاسرائيلية تنخرط في هذا الجدل بشكل او بآخر.. وكل المفكرين والباحثين الاستراتيجيين وكبار الجنرالات والعلماء يتفاعلون في صميم ذلك الجدل..
وصل ذلك الجدل منذ اندلاع انتفاضة الاقصى ايلول / 2000 ذروة لم يعرفها على مدى عمر "الدولة العبرية" وذلك خلال ما عرف بـ "مؤتمرات هرتسليا" التي عقد الاول منها لاول مرة تحت اسم "ميزان المناعة والامن القومي - اتجاهات السياسة عامة" وذلك في الفترة ما بين 19 و21 كانون الاول / 2000، وصدرت عنه وثيقة جرى تعميمها في اواسط اذار / 2001 ضمن كراسة خاصة .
حسب المصادر الاسرائيلية نفسها فان ذلك المؤتمر فتح عهدا جديدا في الجدل السياسي والاستراتيجي الاسرائيلي المتعلق بمستقبل "اسرائيل"، لدرجة دعت د. عوزي اراد رئيس المؤتمر وروحه النابضة للقول على سبيل المثال: "ان الذي لم يتواجد هناك كأنه غير محسوب في عداد القيادة الاسرائيلية العليا " .
وما بين مؤتمر هرتسليا الاول / 2000 ومؤتمرها الثالث والعشرين الذي انتهى يوم الثلاثاء الموافق 23/5/2023 الذي عقد تحت عنوان"رؤية واستراتيجيا في عصر اللا يقين"اجمعت اوراق العمل الاستراتيجية المختلفة التي قدمت على "الخطوط الرئيسية والاستراتيجية للدولة الاسرائيلية تجاه الملفات الساخنة وفي مقدمتها المواجهات المستمرة مع الفلسطينيين وسبل احتوائها والسيطرة عليها وفق الرؤى والاشتراطات الاسرائيلية وكذلك في الملفات الكبيرة " .
وان كان مؤتمر هرتسليا الاول قد ركز الى حد كبير على سبيل المثال على ما اسموه انذاك "التهديد الديموغرافي العربي" و"الدلالة الامنية الخطيرة التي ينطوي عليها التكاثر السكاني العربي" ما دعا عددا من المتحدثين المنظرين الاستراتيجيين الى الدعوة الصريحة الى تنفيذ حملة "ترانسفير" ترحيل جديدة ضد العرب" و"الاعلان عن حالة طوارىء امنية في اسرائيل" فان المؤتمرات اللاحقة انما اكدت على المضامين الاساسية التي وردت في اوراق المؤتمر الاول وعلى نحو حصري ما يتعلق ب "القنبلة الديموغرافية العربية " وكيفية تفكيكها .
وما بين المؤتمرات السابقة والمؤتمر العشرين، وصولا الى أدبيات الإبادة الجماعية المقترفة في غزة 2023/2024 تطورات استراتيجية مفصلية وقعت، ورغم أنّ التحديات الرئيسية في الكيان الصهيوني بقيت على حالها تقريبًا في عناصرها الأساسية، إلا أنّ انعقاد المؤتمر الاخير في ظل جائحة كورونا التي تضرب الكيان بعنف، والحملة التطبيعية المتنامية لدول عربية مع الكيان، يضفي أهمية إضافية إلى هذا المؤتمر. ومما قاله مدير المؤتمر الجنرال احتياط عموس جلعاد في مقدمته للوثيقة، الصادرة عن المؤتمر، أنّ المؤتمر ينعقد على خلفية الأحداث الدراماتيكية التي مرت بها "إسرائيل"، ويقوم على ركيزتين: التهديدات والتحديات الاستراتيجية الأمنية التي تواجه الكيان في المنطقة والمخاطر التي تهدد "الصمود الوطني من الداخل-ورأى كما هم وارد في الوثيقة أنّ الأهم في المستقبل المنظور: التهديد الإيراني، التحدي الفلسطيني في الداخل-وهنا بالمعنى الشامل وعلى نحو خاص بالمعنى الديموغرافي-، ومكانة الكيان في المنطقة والعلاقات معه، وعصر الاضطرابات في الشرق الأوسط- بوابة الهدف - الجمعة 16 أكتوبر 2020 ".
وان كان ذلك المؤتمر الاول قد ركز ايضا على احتواء الانتفاضة الفلسطينية واعلان الحرب الشاملة على الشعب الفلسطيني تحت ذريعة "الارهاب" و"عدم وجود شريك فلسطيني للمفاوضات مع اسرائيل"، فان شارون رئيس الحكومة الاسرائيلية آنذاك الذي اعتبر انه يمثل خلاصة الفكر والمشروع الصهيوني، نجح خلال مؤتمري هرتسليا الرابع / 2003 والخامس / 2004 باعادة صياغة مرتكزات السياسة والاستراتيجية الاسرائيلية، واعادة صياغة المشروع الصهيوني برمته ، الامر الذي تبناه ايضا ايهود اولمرت خليفة شارون في "كديما " ورئاسة الحكومة الاسرائيلية القادمة وفقا للمؤشرات الاسرائيلية، والتزمت به الحكومات السابقة وصولا الى الراهن الاسرائيلي .
بل يمكننا القول استنادا الى المضامين الحقيقية لاوراق العمل الاستراتيجية التي قدمت في المؤتمر الخامس مثلا "ان شارون اعاد انتاج المشروع الصهيوني" ، كما "جدد وكرس لاءاته وشروطه واشتراطاته فيما يتعلق بآفاق المواجهة او التسوية مع الفلسطينيين"، فيما رسم بوضوح - حدود التسوية التسوية النهائية مع ابومازن عبر اعلانه الصريح والحاسم "ان لا عودة لحدود حزيران / 1967" و"ان لا تقسيم للقدس الموحدة" و"ان لا عودة للاجئين الفلسطينيين" و"ان تكتلات المستوطنات سوف تضم الى السيادة الاسرائيلية" وان كل ذلك بالاتفاق والتفاهم مع الادارة الامريكية، وما بين شارون واليوم نجد ايضا ان نتنياهو يتبنى نفس الشروط واللاءات الشارونية . وحسب المحلل السياسي لصحيفة "هآرتس" العبرية الوف بن مثلا فان "اوراق العمل التي قدمت في هرتسليا جددت صيغة "السلام مقابل السلام" على حساب صيغة "الارض مقابل السلام"، وهي نفس الصيغة التي نجح نتنياهو/2020 في فرضها على العرب المتهافتين على التطبيع. وأكد "الوف بن" ان الرسالة التي ركز عليها معظم المتحدثين في المؤتمر كانت متشابهة ومفادها: "ان اسرائيل قوية، والفلسطينيين ايتام والسوريين معزولون، والعالم كله مع اسرائيل" .
ولذلك نوثق: إن كانت الأدبيات اليهودية التوراتية التاريخية-المزعومة قد تحدثت في الجوهر عن "دولة يهودية على أرض اسرائيل الممتدة من النيل إلى الفرات" " ...وان كانت الأدبيات السياسية للحركة الصهيونية قد تحدثت منذ مؤتمرها الأول (في بازل 1897) بقيادة نبيهم هرتسل عن "اقامة الوطن اليهودي ـ الدولة العبرية النقية في أرض اسرائيل"، فإن كل الأدبيات اليهودية المتراكمة منذ عهد هرتسل والمترجمة ترجمة مكثفة في البرامج الارهابية للتنظيمات السرية اليهودية قبل قيام الدولة العبرية، ثم في البرامج السياسية للأحزاب والحركات والمؤتمرات الاسرائيلية التي قامت واستمرت بعد قيام الدولة العبرية وصولا إلى اللحظة الراهنة... كلها تتحدث عن "الدولة اليهودية النقية" بـ "أقل عدد ممكن من العرب.. وبأكثر مساحة ممكنة من الأرض".
فمنذ ذلك العهد الهرتسلي، مرورا بالجابوتنسكية والبن غوريونية والبيغنية والمئيرية والرابينية والشاميرية والباراكية والشارونية ثم النتنياهوية ، فإن المعادلة الرئيسية المحورية في السياسة الاسرائيلية تجاه فلسطين وأهلها هي "العلاقة الجدلية ما بين الديمغرافيا ـ السكان ـ والجغرافيا"، وكيف يمكن الموازنة بينهما...؟، وكيف يمكن تغليب الديمغرافيا اليهودية على العربية..؟!، وبالتالي بناء وتكريس الدولة اليهودية النقية على انقاض السكان العرب أهل البلاد...؟؟!
ومنذ هرتسل إلى هرتسليا وصولا الى الإابادة الجارية في غزة اليوم أيضا تكرس الهاجس الصهيوني المتعلق بالأرض أولا، وبالوجود والتكاثر السكاني العربي ثانيا، ولذلك ليس عبثا أن أعتبر كبار الاستراتيجيين الاسرائيليين في مؤتمرات هرتسليا "ان هناك تهديدين استراتيجيين مباشرين للدولة العبرية هما الدولة الفلسطينية المستقلة السيادية.. والمشكلة الديمغرافية ـ السكانية ـ العربية"، ولذلك بنيت السياسات الاسرائيلية الرسمية وغير الرسمية وفي كافة المجالات على ركائز محورية متكاملة هي مصادرة وتهويد المزيد والمزيد من الأراضي العربية في فلسطين واستقدام وتوطين أكبر عدد من اليهود القادمين من بقاع العالم في أكبر عدد من المستعمرات والبؤر الاستيطانية المنتشرة سرطانيا في أنحاء الأرض الفلسطينية.. وتهجير ـ ترحيل أكبر عدد ممكن من السكان العرب بكافة أشكال الترغيب والترهيب... وقبل وخلال وفوق كل ذلك بناء قوة عسكرية ضاربة متفوقة لحماية التطبيقات العملية للمشروع الصهيوني على الأرض الفلسطينية...
ولذلك نقرأ في خطابات هرتسليا الممتدة حتى الساعة/2020 وصولا طبعا الى ادبياتهم الإبادية التي تم الافصاح عنها بابشع صورة في الحرب الإبادية على غزة كافة الأفكار والعناوين الصهيونية التي تكرس المضامين الجوهرية للمشروع الصهيوني على حساب الغاء وشطب الآخر العربي الفلسطيني شطبا كاملا.
هذا هو المشروع الصهيوني في مضامينه الجوهرية والاستراتيجية من هرتسل الى هرتسليا/2020 الى غزة ومن بروتوكولات حكماء صهيون الى بروتوكولات حكماء هرتسليا الى ادبيات الإبادة في غزة .
تتطلع الشعوب العربية وفي مقدمتها الشعب العربي الفلسطيني الى يقظة وطنية وقومية تحررية حقيقية والى اطلاق الارادة السياسية التحررية العربية المقموعة والمعتقلة منذ النكبة الاولى.. وصولا الى نكبة الاجتياحات والجدار والتسوية المخادعة المحتملة عبر خريطة الطريق او سواها من الخرائط والوثائق المتلاحقة واقربها واخطرها صفقة القرن الترامبية.
فخطاب هرتسليا الصهيوني لا يعطله سوى خطاب عربي جديد على المستوى الشعبي خاصة وارادة سياسية عربية مغايرة جادة وحقيقية.. ...!




