يقول أستاذ علم النفس بالجامعات الفلسطينية والمتخصّص بالصحة النفسية، محمود البراغيتي، إنّ العيش لسنوات وسط الركام والدمار لا يعني فقط أن الإنسان فقد منزله أو المكان الذي اعتاد العيش فيه، بل يعني أنه يعيش في بيئة تذكّره بصورة مستمرة بالفقد والخطر وعدم الاستقرار، فالمنزل ليس مجرد جدران وسقف، وإنما يمثل الأمان والخصوصية والذكريات والانتماء والشعور بالاستقرار الأسري والاجتماعي.
متكئاً على عصا خشبية، يتنقل إبراهيم صادق (52 عاماً) بين ركام منزله في منطقة وسط البلد بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، محاولاً العثور على ما تبقى من أخشاب يستصلحها للبيع، كانت مدفونة في غرفة نومه، قبل أن تُحيل آلة الحرب الإسرائيلية منزله إلى ركام متناثر.
ومنذ عودة صادق إلى وسط المدينة، بعد رحلة نزوح قاربت العام ونصف العام في منطقة المواصي، وإقامة خيمة بجانب أنقاض منزله، بات يمضي يومه بين ركام الشوارع والبيوت والمحال التجارية والمدارس، التي كانت في يوم من الأيام تمثّل قلب المدينة النابض.
بحسرة تملأ ملامح وجهه، يستذكر صادق كيف كان شارع جمال عبدالناصر شريان الحياة لمدينة لا تنام، لكنه اليوم بات ساكناً يغطيه الرماد والغبار لتتحول معه ملامح الحياة إلى أطلال خاوية.
يقول صادق لـ”درج”: العيش وسط كل هذا الخراب مع غياب مقومات الحياة، أشبه بمعجزة حقيقية، تبدأ من مشقّة الحصول على بعض أرغفة الخبز في طوابير طويلة، مروراً بمعركة تعبئة غالونات المياه، وليس انتهاءً بتأمين بطارية مشحونة يضيء بها خيمته المتواضعة.
وعلى رغم ما يعانيه صادق من ألم نفسي بسبب معيشته وسط أطنان الكتل الإسمنتية وأسياخ الحديد الصدئة المتدلّية من عمارات آيلة للسقوط، إلا أنه يفضّلها على العودة إلى منطقة المواصي، التي تكدّست بالنازحين من مدينتي رفح وخان يونس.
يضيف صادق قائلاً: "مع كل خبر نسمعه بسقوط مبانٍ جديدة، وارتقاء ضحايا وجرحى ومفقودين تحت الأنقاض، نخشى فعلاً من أي كارثة قد تحلّ بنا فجأة”.
يتابع الأب المكلوم: "صحيح أنني لا أسكن في منزل آيل للسقوط، لكن حول خيمتي بيوت مدمرة ومحروقة، وقد سقطت منها بالفعل أعمدة أو أنقاض في أوقات سابقة، وأخشى أن يتكرر ذلك، بخاصة مع قرب حلول الشتاء وهبوب الرياح”.
بقلب يقطر أسى، يلخّص صادق حاله وحال جيرانه، ويقول: "إحنا عايشين هنا من قلة الموت… مش لأنو في حياة، بل لأن الموت صار أرحم، ويا ريت حدّ سائل فينا”.
أن يصبح غير الطبيعي هو الطبيعي الجديد
ومثل صادق، يعيش أيضاً نادر فروانة (42 عاماً) على ما تبقى من أطلال منزله، بعدما أصابته قذائف الآليات الإسرائيلية خلال اجتياحها البري للمدينة، لكنه بعد عام ونيّف، استصلح بعضاً منه في مساحات تؤويه مع خمسة من أفراد أسرته.
يقول فروانة لـ”درج”: "في بداية رجوعي للبيت كنت كغالبية الناس أحدّق ملياً في الركام من حولي، وأتساءل مستغرباً: كيف سنعيش وسط كل هذا الخراب؟ لكن مع مرور الوقت، وفتح الشوارع الرئيسية وإزالة بعض الركام بجهود ذاتية، بتنا نسير من جانبه ونقضي حوائجنا متنقلين من فوقه وكأن ذلك هو العادي”.
فروانة، الذي اعتاد الذهاب إلى بسطته لبيع الملابس، يمر من بين المحال التي كان يتردد عليها باستمرار؛ أبو عبدو للحمص، وعكيلة للفلافل، ومخبز السنيّة، وبقالة صوالي وغيرها من المحال التي لا تُمحى من ذاكرته. يصمت لبرهة ثم يتابع: الحرب أتت على كل هذا وجعلته ذكرى أليمة قد لا تعود.
داخل الغرفة التي استصلحها فروانة بالطين وبعض الحجارة، يهتزّ سقفها وجدرانها مع كل استهداف إسرائيلي على مقربة منها، داقاً ناقوس الخطر المحتمل، إلا أن الرجل الذي فرغت حياته من الخيارات، لا يجد بُداً سوى البقاء في غابة من الكتل الإسمنتية المتصدعة على رغم الأخطار المحدقة من حوله.
ولعلّ هذا الركام الذي غيّر وجه القطاع برمته، لم يكن مجرد مشهد خلّفته الحرب وراءها، بل بات جزءاً من تفاصيل حياة الغزيين اليومية وذاكرتهم ومشاعرهم، وأعاد تشكيل علاقاتهم ببعضهم البعض.
يقول صادق: "حينما نستيقظ يومياً على مشهد الركام نطارد فيه شاحنات المياه وتأمين أساسيات الحياة، يصبح أقل موقف قابلاً للشجار مع الآخرين، حتى داخل الخيمة أو الغرفة الضيقة تصبح أي نظرة من الزوجين مدعاة للشجار والاختلاف”.
كما أن طول أمد العيش بين الأنقاض، لا يُبقي أثر الحرب ملتصقاً بالجدران وحدها، ولا يغير علاقات الناس ببعضهم فحسب، بل إنه يتسلل ليغيّر نظرتهم الجمعية نحو المستقبل الذي يرونه ضبابياً.
يقول فروانة: قبل الحرب كنت أسعى إلى توسعة عملي في تجارة الملابس وفتح أفرع ومعارض جديدة، لكن مع كل هذا الدمار وعدم وجود أي بارقة أمل لإعادة الإعمار أو وقف الحرب كلياً، لا أسعى اليوم سوى إلى توفير قوت يوم لي ولأولادي”.
يستدرك متسائلاً: منذ سنوات نعيش في حروب متتالية وتصعيد بين حين وآخر، حتى أتت هذه الحرب والإبادة وقضت على كل شيء، وفي حال إعادة الإعمار من يضمن ألا تهدم إسرائيل كل شيء مجدداً؟
هذا التساؤل لا يطرحه فروانة فحسب، فهو يساور معظم الغزيين في أحاديثهم ونقاشاتهم داخل المخيمات وفي مراكز الإيواء، وهو ما يؤشر باعتقادهم إلى أن حياتهم ستظل عالقة بين الركام لسنوات.
بحر من الركام
تشير تقديرات دولية أن الحرب أغرقت القطاع في بحر من الركام سيصعب التعامل معه مستقبلاً. ونقلت صحيفة الغارديان البريطانية في تموز/ يوليو المنصرم، عن الممثل الخاص لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) في فلسطين، جاكو سيلييرز، قوله: "إن التقدير الإجمالي لكمية الركام في غزة يبلغ 61 مليون طن. وهذا يعادل نحو 20 ضعف كمية الركام الناتجة من جميع الحروب في أنحاء العالم خلال السنوات الـ18 الماضية”.
وتقدّر الأمم المتحدة أن إزالة الجزء الأكبر من الركام في غزة قد تستغرق ما لا يقل عن 7 إلى 10 سنوات، بتكلفة تبلغ مليارات الدولارات.