«من حبر الوفاء» لمايا إبراهيم: حين تصبح الكتابة فعلَ إنقاذٍ من النسيان

«من حبر الوفاء» لمايا إبراهيم: حين تصبح الكتابة فعلَ إنقاذٍ من النسيان
أخبار البلد -  


ثمة كتب تُكتب لأن صاحبها يريد أن يقول شيئًا، وكتب أخرى تُكتب لأن في القلب شيئًا لا يحتمل أن يبقى بلا كلمات. «من حبر الوفاء» لمايا إبراهيم ينتمي بوضوح إلى النوع الثاني؛ فهو لا يقدّم نفسه كسيرة ذاتية تقليدية، ولا كمجموعة مقالات صحافية، بل كرحلة وجدانية في الذاكرة، تبحث عن الإنسان خلف الاسم، وعن الحكاية خلف الصورة، وعن الأثر الذي يبقى بعدما يمضي أصحابُه. وهذا ما تؤكده الكاتبة نفسها حين تقول إن الكتاب ليس «سيرة ذاتية بالمعنى التقليدي»، بل رحلة إنسانية بدأت بطفلة آمنت بقوة الخيال وانتهت بكاتبة اكتشفت أن أجمل ما يتركه الإنسان هو أثره في الآخرين. 

من هنا، لا يبدو عنوان الكتاب مجرد اختيار شاعري جميل. «الحبر» و«الوفاء» هما مفتاحا القراءة معًا. الحبر هو الأداة التي تقاوم المحو، والوفاء هو الدافع إلى الكتابة. وما تفعله إبراهيم هو تحويل القلم من وسيلة للتعبير إلى وسيلة لحفظ الأشخاص والأمكنة والأصوات والتفاصيل التي يخشى الإنسان أن يأخذها الزمن معه.

يبدأ الكتاب من الطفولة، من الألعاب والخيال والعوالم التي كانت الكاتبة تصنعها لنفسها، ثم ينتقل إلى المدرسة والجامعة، حيث بدأت علاقتها بالكلمات تتبلور، قبل أن يتحول الخيال تدريجيًا إلى كتابة. في هذه الرحلة لا تقدّم إبراهيم نفسها بوصفها «كاتبة وُلدت مكتملة»، بل ترصد تشكّل الكاتبة داخلها خطوةً خطوة.

وهنا تكمن إحدى أجمل طبقات الكتاب: الطفولة لا تختفي عندما تبدأ الكتابة؛ بل تتحول إلى مصدر لها. فاللعب يصبح خيالًا، والخيال يصبح قلمًا، والقلم يصبح رسالة. وتختصر الكاتبة هذه الرحلة بعبارة شديدة الدلالة: «تحولت الألعاب إلى ألقاب ، والخيال إلى قلم، والحلم إلى رسالة». 

إنها ليست سيرة إنجازات، بقدر ما هي سيرة تشكّل داخلي.

من أكثر الأفكار حضورًا في الكتاب تلك النظرة إلى الكتابة باعتبارها مسؤولية أخلاقية تجاه الأشخاص الذين تكتب عنهم. فالكاتبة لا تريد أن تستعيد الأسماء لمجرد استعادة شهرتها، بل تقول بوضوح إنها تبحث «عن الإنسان خلف الصورة»، وعن التفاصيل الصغيرة التي تكشف الجانب الإنساني خلف الاسم المعروف. 

وهذه الفكرة تمنح الكتاب خصوصيته، فحين تكتب مايا عن الفنانين، لا تتوقف عند أعمالهم أو شهرتهم، بل تحاول أن ترى ما وراء النجاح: التعب، البدايات، الإصرار، العلاقات، واللحظات التي لا تظهر أمام الكاميرا. وفي فصل «شهادات ضوء لأسماء لا تطفأ» تحديدًا، تقول إن علاقتها ببعض الفنانين لم تكن مجرد علاقة صحافية، بل تحولت مع السنوات إلى جسور من الثقة والمودة، وأن كتابتها عنهم كانت محاولة لرؤية الإنسان خلف الاسم والرحلة خلف النجاح. 

وهنا ينتقل الكتاب من الصحافة إلى الأدب. لعل الفصل الأكثر دلالة على مشروع الكتاب هو «بين الضوء والظل». فالكاتبة تنطلق من حقيقة بسيطة: الجمهور يرى الضوء، لكنه لا يرى دائمًا الطريق الذي قطعه صاحبه للوصول إليه.

وتكتب عن الوجوه التي تقف أمام الكاميرا، وعن الحياة التي توجد خلف تلك الوجوه، لتصل إلى فكرة أن الجمال الحقيقي للإنسان لا يكمن بالضرورة في الصورة المثالية التي يقدمها للعالم، بل في التفاصيل التي تجعله قريبًا وحقيقيًا. 

هذه النظرة تتكرر أيضًا في حديثها عن الفن والأصوات. فالفن، في تصور إبراهيم، لا يعيش في زمنه فقط؛ بل ينتقل من جيل إلى آخر عبر الذاكرة. أغنية قديمة يمكن أن تعيد إنسانًا إلى طفولته، ومشهد سينمائي يمكن أن يستحضر قصة شخصية، وصوت فنان يمكن أن يصبح جزءًا من السيرة الخاصة لمن سمعه.

وهنا تصبح الذاكرة الشخصية امتدادًا للذاكرة الجماعية.

لا يحصر الكتاب الوفاء في الأشخاص. فهو يتسع تدريجيًا ليشمل الأصوات والأمكنة والكلمات والأشياء الصغيرة.

في «أصوات من الزمن الجميل»، تتحول الأصوات إلى مفاتيح للذاكرة؛ وفي «أماكن تسكننا» لا يعود المكان مجرد جغرافيا، بل يصبح جزءًا من الروح. تقول الكاتبة إن بعض الأماكن لا نسكنها فقط، بل «تسكن جزءًا من أرواحنا»، وإننا قد لا نعود إليها جسديًا، لكننا نحملها في داخلنا أينما ذهبنا. 

ثم يأتي فصل «كلمات لم تُقل» ليمنح الصمت حضوره أيضًا. فثمة كلمات لا تصل إلى أصحابها، واعتذارات تتأخر، ومشاعر لا تجد طريقها إلى التعبير. وهنا تصبح الكتابة، مرة أخرى، تعويضًا عن الكلام الذي عجزنا عن قوله في وقته.

إنها ثيمة ذكية في بناء الكتاب:
ما لا نستطيع قوله بالصوت، قد نستطيع أن نقوله بالحبر... 
في «وجع يصنع القوة» تنتقل إبراهيم من الذاكرة إلى التجربة الإنسانية. الجرح هنا ليس نهاية، بل مادة لإعادة اكتشاف الذات. وتذهب إلى أن بعض التجارب لا تأتي لتأخذ منا شيئًا فقط، وإنما لتكشف لنا قوة لم نكن نعرف أنها موجودة فينا. 

لكن اللافت أنها لا تقدم الوجع باعتباره بطولة رومانسية، بل بوصفه تجربة تعيد تشكيل الإنسان. فالإنسان لا يصبح أقوى لأنه لم يتألم، بل لأنه تعلّم كيف يحمل ألمه ويواصل الطريق.

وهذه الفكرة، وإن كانت مألوفة في الأدب التأملي، تكتسب قوتها هنا من انسجامها مع المشروع العام للكتاب: الألم أيضًا جزء من الذاكرة، وبالتالي يستحق أن يُكتب.

قوة الكتاب في صدقه… وحدوده في تكراره

من الناحية النقدية، يمتلك «من حبر الوفاء» ميزة واضحة: الصدق الوجداني. القارئ يشعر أن الكاتبة لا تكتب من موقع المتفرج، وإنما من موقع من عاش وتأثر وتعلّق واحتفظ.


«من حبر الوفاء» لا يستقر تمامًا في جنس أدبي واحد. هو أقرب إلى النص الوجداني المفتوح الذي يتداخل فيه المقال مع الخاطرة والسيرة الشخصية والكتابة الصحافية.

حتى فهرس الكتاب يكشف هذا التدرج: «بداية الحكاية»، «من حبر الوفاء»، «وجوه لا تغيب»، «حين تصبح الكتابة ذاكرة»، «شهادات ضوء لأسماء لا تطفأ»، «بين الضوء والظل»، «أصوات من الزمن الجميل»، «أماكن تسكننا»، «كلمات لم تقل»، «وجع يصنع القوة»، «الأشياء الصغيرة التي تبقى»، وصولًا إلى «ما يتركه الإنسان خلفه». 

وهذا البناء ليس سردًا خطيًا، بل يشبه حركة الذاكرة نفسها: شخص يقود إلى صوت، والصوت إلى مكان، والمكان إلى كلمة، والكلمة إلى جرح، والجرح إلى أثر.

ومن هذه الزاوية تحديدًا، يصبح غياب الحبكة التقليدية مفهومًا؛ فالكتاب لا يريد أن يحكي «ماذا حدث؟» بقدر ما يريد أن يسأل: ماذا بقي مما حدث؟

ربما يصل الكتاب إلى أكثر لحظاته إنسانية في الفصل الذي يحمل عنوان «الأشياء الصغيرة التي تبقى». هنا تتخلى الكاتبة عن الأسماء الكبيرة والنجاحات والإنجازات لتعود إلى التفاصيل: ابتسامة، كلمة طيبة، أغنية، مكان قديم، فنجان قهوة، لقاء قصير.

وهذه التفاصيل، بحسب رؤية الكتاب، قد تكون أكثر قدرة على صناعة الذاكرة من الأحداث الكبرى نفسها. 

إنها فكرة بسيطة، لكنها تحمل جوهر الكتاب كله:

الإنسان لا يعيش فقط ما كان كبيرًا في حياته، بل ما كان عميقًا فيها.


في الصفحات الأخيرة، تخرج مايا إبراهيم من الحديث عن نفسها وعن الشخصيات التي كتبت عنها، وتتوجه مباشرة إلى القارئ. تقول إن الصفحات قد يجد فيها القارئ شيئًا يشبهه، أو ذكرى تعود إليه، أو إحساسًا يظنه خاصًا به، لتؤكد أن الكتابة في جوهرها ليست حديث الكاتب إلى قارئ مجهول، بل لقاء بين قلبين تجمعهما كلمة صادقة. 

وهنا يكتمل مشروع الكتاب.

فالكتاب الذي بدأ بطفلة تحمل الألعاب وتنشئ عوالمها الخاصة، ينتهي بكاتبة تحمل القلم وتفتح عالمها للقارئ.

وبين البداية والنهاية، تتغير الأدوات، لكن لا يتغير الجوهر: الرغبة في صناعة أثر.

«من حبر الوفاء» ليس كتابًا عن الماضي بقدر ما هو كتاب عن مقاومة النسيان.

مايا إبراهيم لا تدّعي أنها قادرة على إيقاف الزمن، وهي تعرف أن الصور تتغير والأصوات تخفت والأشخاص يغيبون. لكنها تؤمن بأن الكتابة تستطيع أن تمنح بعض الأشياء حياة ثانية.

وهنا تكمن القيمة الأدبية والإنسانية الأوضح في العمل: أن الكاتبة لا تنظر إلى الوفاء بوصفه حزنًا على من غابوا، بل بوصفه حفظًا للأثر الجميل الذي تركوه فينا.

قد لا يكون الكتاب بحثًا نقديًا في الفن، ولا سيرة تفصيلية للشخصيات التي يضيء عليها، ولا عملًا سرديًا بالمعنى التقليدي؛ لكنه ينجح في شيء آخر أكثر حميمية: أن يحوّل الذاكرة الخاصة إلى مساحة مشتركة بين الكاتبة والقارئ.

ولعل أجمل ما يمكن قوله في «من حبر الوفاء» هو أن مايا إبراهيم لم تحاول أن تكتب كتابًا عن الذين تركوا أثرًا في حياتها فقط؛ بل حاولت أن تجعل كتابها نفسه أثرًا جديدًا يتركه أولئك الذين كتبت عنهم في حياة القارئ.

وفي النهاية، عندما تنتهي الصفحات، يبقى السؤال الذي يطرحه الكتاب علينا جميعًا:

ماذا سيبقى منّا حين نمضي؟

لا تجيب مايا إبراهيم إجابة مباشرة، لكنها تضع أمامنا جوابها الأجمل:
سيبقى ما تركناه في قلوب الآخرين. وسيبقى ما كتبناه بصدق.

#خدوني_ع_قد_عقلاتي

د. روي ج. حرب
شريط الأخبار ‏شركات تأمين بصدد مقاضاة نقيب ومجلس نقابة الأطباء داعية إسلامي محذرا من الهتاف لصلاح: أوقفوا ذلك فورا، ستجلبون علينا غضب الله! لماذا تُقصى الملاكمة من أجندة اتحاد الجامعات الأردنية الرياضي؟ إرادة ملكية بالموافقة على تعيين عدي محمد خير سفيراً للأردن لدى النرويج قبل ذروة الإنفلونزا.. المركز الوطني للأوبئة يتحرك لإدراج المطعوم ضمن التأمين المجلس القضائي الشرعي يقرر تنقلات تشمل 100 قاض شرعي الحوثيون يعلنون استهداف وزارة الدفاع بالرياض وأرامكو ينبع ومطاري فهد وأبها بـ4 عمليات عسكرية نوعية الأمن العام يوضح ملابسات تحطيم زجاج مركبة شخص من جنسية عربية في الأزرق سوليدرتي الأولى للتأمين: سجلّنا في سداد مستحقات الأطباء يتحدث عن نفسه.. ولن نسمح باستهدافنا في خلاف مع قطاع التأمين بأكمله، ومن يراهن على ضعفنا أخطأ التقدير سوليدرتي الأولى للتأمين: سجلّنا في سداد مستحقات الأطباء يتحدث عن نفسه.. ولن نسمح باستهدافنا في خلاف مع قطاع التأمين بأكمله، ومن يراهن على ضعفنا أخطأ التقدير إغلاق باب الترشح لانتخابات مجالس إدارة الغرف التجارية 2026 السفير الفرنسي يكرّم الطالبة لمار الراميني لتفوّقها في امتحان DELF بمستوى B2 210 عدد المترشحين للغرف التجارية بينهم 22 للقطاعات التجارية العشرة حمزة الحلايقة يعلن ترشحه لانتخابات غرفة تجارة الاردن عن قطاع المواد الغذائية نبذة عن السير الذاتية لأعضاء كتلة التاجر برئاسة الحاج توفيق 19.1 مليون دينار حجم التداول في بورصة عمان ابو علي ينعى وفاة الزميل عمار أبو سويلم من ضريبة الدخل والمبيعات تعديل دوام جسر الملك حسين الأحد وإغلاق كامل يوم السبت المياه ضبط ٦ اعتداءات جديدة في سحاب مصري يثير ضجة بمطار أميركي.. في حقيبته "ملوخية وحمام ومانجو"