قد تبدأ المسألة بقرار بسيط بمشاهدة حلقة واحدة قبل النوم، لكن زر "الحلقة التالية" قد يحوّل دقائق من الترفيه إلى ساعات تُقتطع من النوم، لتظهر آثارها في صباح اليوم التالي على التركيز والذاكرة والمزاج.
ومع انتشار منصات البث التي تتيح مشاهدة الحلقات تباعًا من دون فواصل، أصبح السهر أمام المسلسلات عادة مألوفة لدى كثيرين، إلا أن أطباء يحذرون من أن المشكلة لا تكمن في مشاهدة حلقة إضافية بين حين وآخر، وإنما في تحول تأخير النوم إلى سلوك يومي.
وأوضح طبيب الأعصاب جيريش ناير أن النوم لا يمثل مجرد فترة يتوقف فيها الدماغ عن العمل، بل يشهد سلسلة من العمليات الضرورية للذاكرة والتعلم والانتباه وتنظيم المشاعر وعمل الشبكات العصبية.
وقال، في حديث لمجلة "HT Lifestyle"، إن تقليص ساعات النوم أو تقطعها بصورة متكررة قد ينعكس سريعًا في اليوم التالي، من خلال تراجع القدرة على التركيز وبطء التفكير وانخفاض اليقظة وضعف الذاكرة وزيادة التهيج.
المسلسل ينتهي.. والدماغ لا ينام
ولا ترتبط المشكلة فقط بالوقت الذي يقضيه الشخص أمام الشاشة، إذ يمكن لطبيعة المحتوى نفسه أن تجعل الانتقال إلى النوم أكثر صعوبة.
فالمسلسلات المشوقة، خصوصًا تلك التي تنتهي أحداثها عند لحظة مثيرة، تُبقي الدماغ في حالة من الانخراط الذهني والعاطفي، مع استمرار الترقب والرغبة في معرفة ما سيحدث في الحلقة التالية.
ويضاف إلى ذلك التعرض للضوء خلال ساعات المساء، الذي يمكن أن يؤثر في الساعة البيولوجية وإفراز هرمون الميلاتونين المرتبط بتنظيم النوم.
كما أن منصات البث الحديثة أزالت إلى حد كبير "نقطة التوقف" التي كانت موجودة مع التلفزيون التقليدي، إذ تبدأ الحلقة التالية تلقائيًا أو تصبح متاحة بضغطة واحدة، ما يجعل الاستمرار في المشاهدة أسهل وتأجيل النوم أكثر احتمالًا.
وبحسب ناير، قد يجد الشخص نفسه بعد إغلاق الشاشة مستلقيًا في السرير، بينما لا يزال دماغه في حالة نشاط وتأهب، رغم أن الجسم يحتاج إلى الانتقال تدريجيًا من اليقظة إلى النوم.
ماذا يحدث في اليوم التالي؟
ليلة واحدة من السهر قد تعني شعورًا بالتعب والنعاس في الصباح، لكن تكرار الأمر هو ما يثير القلق بصورة أكبر.
ويشير طبيب الأعصاب إلى أن النوم يؤدي دورًا مهمًا في تثبيت الذكريات وتنظيم الروابط العصبية، بينما ترتبط اضطرابات النوم المزمنة وتدني جودته وعدم انتظام مدته بأداء معرفي أضعف.
كما وجدت دراسات طويلة الأمد ارتباطًا بين اضطرابات النوم المزمنة وزيادة خطر التدهور المعرفي والخرف، إلا أن ذلك لا يعني أن مشاهدة المسلسلات ليلًا تسبب الخرف بصورة مباشرة.
فالحديث هنا عن ارتباط بين مشكلات النوم المزمنة وصحة الدماغ، وليس دليلًا على أن مشاهدة التلفزيون أو منصات البث في الليل تقود بحد ذاتها إلى الإصابة بالخرف.
30 دقيقة قد تصنع الفارق
ولا يرى ناير أن الحل يتمثل بالضرورة في منع استخدام الشاشات بالكامل خلال الليل، وإنما في وضع حدود تمنع الترفيه من اقتطاع ساعات النوم.
وينصح بتخصيص آخر 30 إلى 60 دقيقة قبل موعد النوم للاسترخاء، بدلًا من الانتقال مباشرة من حلقة مشوقة إلى السرير.
كما يوصي بعدم ترك نهاية الحلقة هي التي تحدد موعد النوم، وتقليل الإشعارات والإضاءة الساطعة خلال الفترة الأخيرة من المساء، إلى جانب محاولة الالتزام بمواعيد نوم واستيقاظ منتظمة قدر الإمكان.
أما إذا تحولت المشاهدة الليلية إلى سبب دائم لقلة النوم، أو صاحبها نعاس مفرط خلال النهار وصعوبة في التركيز، أو أصبح الشخص غير قادر على النوم دون قضاء وقت طويل أمام الشاشة، فقد يكون من الضروري البحث عن مشكلة النوم نفسها ومناقشتها مع الطبيب.