مصطفى ياغي يتابع كيف نحمي اقتصادنا ونعزز استثماراتنا (حماية السوق تبدأ من إعادة الثقة)
مصطفى ياغي
أخبار البلد - في المقال السابق تحدثنا عن «أبو قرش» باعتباره نموذجاً لعقلية استثمارية تبحث عن الربح السريع، وتتعامل مع السهم باعتباره فرصة لاقتناص قرش من هنا وقرش من هناك، لا باعتباره حصة في شركة ومستقبلاً يمكن أن ينمو ويكبر ويصنع قيمة للاقتصاد، واليوم لا بد أن نذهب خطوة أبعد، لأن السؤال لم يعد من هو «أبو قرش» ولا هل المضاربة جائزة أم غير جائزة، فالمضاربة جزء طبيعي من أي سوق مالي، وإنما السؤال الحقيقي هو: كيف نحمي اقتصادنا من أن تصبح عقلية «أبو قرش» هي العقلية الأكثر حضوراً وتأثيراً في سوق رأس المال؟ والحقيقة أن الإجابة لا تكون بمحاربة المضاربين ولا بإغلاق أبواب التداول ولا بوضع القيود أمام المستثمر الذي يريد أن يشتري ويبيع، لأن ذلك سيكون معالجة خاطئة لمشكلة أكبر، فالمشكلة ليست في المستثمر الذي يحقق ربحاً سريعاً، وإنما في البيئة التي تجعل الربح السريع أكثر إغراءً من الاستثمار طويل الأجل، وتجعل المستثمر يسأل عن حركة السهم غداً أكثر مما يسأل عن مستقبل الشركة بعد خمس سنوات. وهنا يجب أن نكون صريحين، لأن تحميل «أبو قرش» وحده مسؤولية ضعف السوق سيكون هروباً من أصل المشكلة، فالمستثمر لا يعيش في فراغ، وهو يتخذ قراره وفق ما يراه أمامه، فإذا وجد شركة قوية، وإدارة مقنعة، ونتائج مالية جيدة، وإفصاحاً واضحاً، وحوكمة حقيقية، وخططاً للتوسع، وعائداً يبرر الاحتفاظ بالسهم، فسيكون لديه سبب حقيقي للبقاء، أما إذا وجد شركة لا تمنحه هذه الأسباب، فلا يمكن أن نطلب منه أن يتحول فجأة إلى مستثمر طويل الأجل لأننا نريد ذلك. الاستثمار طويل الأجل لا يُفرض على الناس بالتعليمات، بل تصنعه الثقة، والثقة لا تأتي من الكلام وإنما من أداء الشركات ومن عدالة السوق ومن وضوح المعلومات ومن تطبيق القانون على الجميع. وهنا تبدأ المسؤولية الحقيقية للشركات المدرجة قبل أن تبدأ مسؤولية المستثمر، فإذا كانت الشركة تريد مساهمين مستقرين فعليها أن تقدم لهم ما يجعل الاستقرار منطقياً، وإذا كانت تريد أن ينظر إليها المستثمر باعتبارها فرصة استثمارية لا مجرد سهم يتحرك على الشاشة، فعليها أن تثبت قدرتها على النمو وتحقيق النتائج وحماية حقوق المساهمين وتقديم معلومات واضحة عن مستقبلها. وفي المقابل، فإن الجهات الرقابية أمام مسؤولية لا تقل أهمية، لأن المستثمر عندما يضع أمواله في السوق يريد أن يعرف أن قواعد اللعبة واضحة وأن المعلومات متاحة بعدالة وأن التلاعب لن يكون أقوى من القانون، وأن الإشاعة لن تكون أسرع من المعلومة الرسمية، وأن من يمتلك معلومة داخلية لن يستطيع تحويلها إلى أرباح على حساب الآخرين، وأن حركة السهم لن تكون نتيجة ممارسات مصطنعة لا علاقة لها بالقيمة الحقيقية للشركة. الأردن لديه تشريعات وهيئات رقابية تنظم سوق رأس المال وتحظر ممارسات مثل استغلال المعلومات الداخلية والتلاعب والتضليل ونشر الشائعات المؤثرة على الأسعار، لكن قوة أي تشريع لا تقاس فقط بما هو مكتوب على الورق، وإنما بمدى سرعة اكتشاف المخالفة، ووضوح الإجراءات، وحزم التطبيق، وقدرة الرقابة على مواكبة تطور أساليب التداول. والسوق القوي ليس السوق الذي يمنع المستثمر من الحركة، بل السوق الذي يجعل الحركة عادلة، وليس السوق الذي يخيف المضارب، بل السوق الذي يمنع التلاعب، وليس السوق الذي يفرض على الناس الاحتفاظ بأسهمهم، بل السوق الذي يعطيهم أسباباً حقيقية للاحتفاظ بها. ومن هنا يجب أن نعيد النظر في مفهوم نجاح بورصة عمّان، فليس من المنطقي أن نقيس قوة السوق فقط بعدد الصفقات أو قيمة التداول أو عدد الأسهم التي انتقلت من يد إلى أخرى، لأن كثرة الحركة لا تعني بالضرورة خلق قيمة اقتصادية، فقد يتحرك السهم عشرات المرات في اليوم بينما لا يدخل دينار واحد إلى خزينة الشركة ولا يُقام مصنع جديد ولا توسع الشركة أعمالها ولا يتم خلق فرصة عمل واحدة، وفي المقابل قد يكون هناك استثمار طويل الأجل أقل صخباً لكنه أكثر فائدة للاقتصاد لأنه يضع رأس المال في شركة قادرة على النمو والتوسع والإنتاج. لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست مع «أبو قرش»، وإنما مع المعادلة التي تجعل المضاربة السريعة أكثر جاذبية من الاستثمار الحقيقي، وهنا يجب أن نفكر بطريقة مختلفة: لماذا لا تكون هناك أدوات وحوافز تشجع المستثمر على الاحتفاظ بالأسهم لفترات أطول؟ لماذا لا نعزز الاستثمار المؤسسي؟ لماذا لا نوسع قاعدة صناديق الاستثمار؟ لماذا لا نجعل الإفصاح أكثر وضوحاً وسهولة للمستثمر العادي؟ لماذا لا تكون هناك بيئة تجعل المواطن الذي يملك مدخرات محدودة قادراً على الاستثمار بطريقة واعية بدلاً من أن يقع فريسة للإشاعة والتوصية والربح السريع؟ هذه ليست أسئلة موجهة إلى جهة واحدة، وإنما إلى منظومة كاملة تريد أن تجعل سوق رأس المال جزءاً من الاقتصاد الوطني لا مجرد شاشة تتحرك عليها الأسعار. والأهم من كل ذلك أن علينا أن نعترف بأن المستثمر الأردني لا يحتاج إلى من يلقنه درساً في الوطنية حتى يحتفظ بأمواله في السوق، فهو يريد عائداً ويريد حماية لرأس ماله ويريد معلومات ويريد عدالة، وهذه حقوق طبيعية وليست مطالب إضافية، فإذا وفرنا له البيئة المناسبة سيصبح الاستثمار طويل الأجل نتيجة طبيعية، أما إذا لم نوفرها فلا يجوز أن نغضب عندما يختار المستثمر الخروج عند أول فرصة أو البحث عن قرش سريع. ولذلك فإن حماية الاقتصاد تبدأ من حماية المستثمر الجاد، وحماية المستثمر الجاد تبدأ من حماية الثقة، والثقة تبدأ من الشركات نفسها ومن الإدارة والحوكمة والإفصاح، ثم من الرقابة والقانون، ثم من وجود فرص استثمارية حقيقية تجعل رأس المال يريد البقاء. نحن لا نريد بورصة بلا مضاربين، ولا نريد سوقاً ساكناً لا تتحرك فيه الأسعار، ولا نريد أن تتحول الرقابة إلى أداة تخنق التداول، لكننا في الوقت نفسه لا نريد سوقاً يصبح فيه الربح السريع هو الغاية الوحيدة، ولا نريد أن تتحول السيولة المحلية إلى أموال تدخل وتخرج دون أن تترك أثراً اقتصادياً حقيقياً. نريد سوقاً يستطيع فيه المضارب أن يمارس نشاطه ضمن القانون، ويستطيع فيه المستثمر أن يضع أمواله لسنوات وهو مطمئن، وتستطيع فيه الشركات أن تحصل على التمويل وتكبر وتوسع أعمالها، ويشعر فيه المواطن أن سوق المال ليس لعبة مغلقة بين مجموعة من المتداولين، وإنما مؤسسة اقتصادية يستطيع أن يكون جزءاً منها ويفهمها ويثق بها. وهنا تحديداً يجب أن نتوقف عند كلمة «حماية»، لأن حماية الاقتصاد لا تعني حماية السوق من التداول، بل حمايته من التلاعب، ولا تعني حماية الشركات من المستثمر، بل حماية المساهم من سوء الإدارة، ولا تعني حماية المستثمر من الخسارة الطبيعية، بل حمايته من الغش والتضليل والمعلومات غير العادلة. أما الخسارة الناتجة عن قرار استثماري مدروس، فهي جزء من طبيعة الاستثمار ولا يمكن لأي جهة أن تلغيها. وإذا أردنا أن نخرج من دائرة «أبو قرش»، فعلينا أن نصنع اقتصاداً يستطيع أن يقدم للمستثمر شيئاً أكبر من قرش، وأن نصنع شركات تجعل المستثمر يرى في السهم قيمة مستقبلية لا فرصة بيع سريعة، وأن نجعل رأس المال يبحث عن النمو لا عن الفارق السعري فقط. عندها لن نحتاج إلى إعلان الحرب على «أبو قرش»، لأن السوق نفسه سيكون قد أنتج نموذجاً أقوى منه: مستثمراً يدخل لأنه يؤمن بشركة، ويبقى لأنه يرى نمواً، ويزيد استثماره لأنه يرى نتائج، ويخرج عندما تتغير القناعة الاستثمارية، لا عندما يتحرك السهم قرشاً واحداً. وفي النهاية، الاقتصاد الوطني لا يحتاج إلى رأس مال سريع بقدر ما يحتاج إلى رأس مال واثق، ولا يحتاج إلى آلاف الصفقات بقدر ما يحتاج إلى شركات تنمو، ولا يحتاج إلى أموال تتحرك على الشاشة فقط، وإنما إلى أموال تتحول إلى إنتاج وتوسع وفرص عمل وقيمة مضافة، ولذلك فإن مواجهة «أبو قرش» لا تبدأ من المتداول وتنتهي عنده، وإنما تبدأ من سؤال أكبر بكثير: هل نجحنا في بناء سوق يجعل الاستثمار الحقيقي أكثر جاذبية من الربح السريع؟ إذا كانت الإجابة لا تزال غير مكتملة، فهذه هي المعركة التي يجب أن نخوضها.

