أخبار البلد - في مدينة هيوستن الأميركية، لم يكن
لاعبو Bloom يركضون خلف كرة فحسب، كانوا يحملون على أكتافهم صورة الأردن، وحقا إنسانيا أصيلا في أن يُرى الأشخاص ذوو الإعاقة بوصفهم أصحاب قدرة وإنجاز، لا موضوعا للتعاطف، وحين دخلوا الملعب أمام عشرات الفرق القادمة من أنحاء العالم، أثبتوا أن الطريق إلى المنصات الدولية لا يبدأ دائما من وفرة الإمكانات، بل قد يبدأ أحيانا من إيمان أسرة، وصبر مدرب، وإصرار لاعب لم يسمح للحواجز بأن تحدد سقف أحلامه.
أُقيمت بطولة Genuine Cup Houston 2026 في جامعة رايس خلال الفترة من 27 تموز إلى الأول من آب، وشارك فيها أكثر من ألف رياضي من ذوي الإعاقات الذهنية والنمائية والتوحّد، وتؤكد المصادر المنظمة والمستضيفة مشاركة 53 فريقا في نسخة وُصفت بأنها الأوسع منذ انطلاق البطولة عام 2024.
وسط هذا الحضور العالمي، مثّل Bloom الأردن رسميا، بعد تنسيق وتعاون مع مؤسسة اتحاد غرب آسيا لكرة القدم، ضمن جهود توسيع فرص كرة القدم أمام الأشخاص ذوي الإعاقة في المنطقة، والفريق هو امتداد لمنظمة أردنية غير ربحية تستخدم كرة القدم لخلق فرص الدمج والتطور، وتوفر برامج للأطفال ذوي متلازمة داون ولشباب من مجتمعات أقل حظا، إلى جانب إعداد مدربين شباب.
وبحسب القائمين على الفريق، أنهى Bloom مشاركته في المركز السادس وفق التصنيف الذي اعتمدته البطولة، وهي نتيجة متقدمة تمنح الأردن سببا حقيقيا للفخر، وتبرهن أن اللاعبين الأردنيين قادرون على المنافسة متى أُتيحت لهم المساحة والفرصة، كما تُظهر منشورات البطولة الرسمية وصول الفريق إلى الأدوار النهائية ضمن أحد مسارات المنافسة.
لكن خلف صورة الإنجاز تقف حكاية أخرى، أشد إيلاما من نتيجة أي مباراة، فوفقا لإفادات القائمين على Bloom، لم تقتصر مسؤوليتهم على إعداد اللاعبين وترتيب متطلبات السفر والمشاركة ومواجهة ضغط المنافسة، بل اضطروا إلى شراء أعلام الأردن والشماغ والمطرزات والهدايا التذكارية من أموالهم الخاصة،أي إن أبسط أدوات تمثيل الهوية الوطنية في محفل دولي بقيت معلقة على الجهد الشخصي.
هؤلاء اللاعبون لا يطلبون امتيازا ولا تعاطفا ، إنهم يطلبون فرصة عادلة، ومؤسسات تقف إلى جانبهم قبل الإنجاز لا بعده، ومن المؤلم أن يضطر من يحمل عَلَم الوطن في الملعب إلى شراء ذلك العَلَم من جيبه.
لا يمكن اختزال القضية في كلفة علم أو هدية تذكارية، المسألة هي: كيف يستقبل الأردن المبادرات التي تحمل اسمه إلى العالم؟ وهل يكفي أن نصفق لها بعد عودتها، أم أن الواجب يبدأ قبل السفر، حين تكون الحاجة الفعلية إلى التمويل والتجهيز والتغطية الإعلامية والدعم اللوجستي؟
والإنصاف يقتضي الاعتراف بما قُدّم للفريق، فقد أسهمت مؤسسة اتحاد غرب آسيا لكرة القدم في تنسيق المشاركة، وتشير المعلومات المقدمة إلى أدوار داعمة للجنة البارالمبية الأردنية ومنظمي البطولة ومتطوعين وشركاء آمنوا بالتجربة، غير أن تقدير هذه الجهود لا يلغي السؤال الأكبر: لماذا لا توجد مظلة وطنية واضحة تضمن ألا تبقى مشاركة دولية من هذا المستوى رهينة المبادرات الفردية والبحث المتأخر عن ممول؟
في الأردن، لا ينبغي النظر إلى دعم الرياضة الدامجة بوصفه تفضلا أو بابا من أبواب الإحسان، فقانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 20 لسنة 2017 جعل توفير الترتيبات التيسيرية وإمكانية الوصول من المتطلبات الضرورية لممارسة الحقوق والحريات، فيما يتولى المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رسم السياسات ومتابعة تنفيذها وتقديم الدعم الفني للجهات التنفيذية، ومن ثم فإن مساندة فريق مثل Bloom ليست استجابة عاطفية مؤقتة، بل ترجمة عملية لمبدأ تكافؤ الفرص وكرامة الإنسان.
لعل أكثر ما يؤلم في هذه القصة أن اللاعبين أدوا ما عليهم كاملا، تدربوا، وسافروا، وواجهوا فرقا أكثر خبرة وإمكانا، ورفعوا اسم الأردن في بطولة عالمية، لم يسألوا عن الأعذار، ولم ينتظروا اكتمال الظروف، ولم يسمحوا للإعاقة بأن تتحول إلى حكم مسبق على قدرتهم، أما التقصير، إن بقي بلا معالجة، فسيكون في الجهة المقابلة من الصورة: في مؤسسات ترى الإنجاز بعد وقوعه، لكنها لا تبني الطريق المؤدي إليه.
الجمهور الأردني الذي يتعاطف مع قصص هؤلاء اللاعبين مدعو اليوم إلى تحويل التعاطف إلى موقف واعٍ: متابعة إنجازاتهم، دعم برامجهم، وتشجيع الشركات على رعايتهم ضمن مسؤوليتها المجتمعية، والشركات الوطنية مدعوة إلى النظر إلى هذه الفرق بوصفها شريكا يحمل اسم الأردن وقيمه، لا حالة موسمية تصلح لصورة أو منشور، أما الجهات الرسمية المعنية بالشباب والرياضة وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، فالمطلوب منها مسار معلن يبدأ بالتأهيل والرعاية، ويمر بتسهيل السفر والتجهيز، وينتهي باستثمار النتائج وتوسيع قاعدة المشاركة.
إن قصة Bloom لا تحتاج إلى مزيد من التعاطف ، تحتاج إلى إنصاف، فالأشخاص ذوو الإعاقة لا يريدون أن يبقوا على هامش المشهد، ولا أن يُستدَعوا فقط في المناسبات والشعارات،إنهم يريدون حقهم الطبيعي في التدريب والمنافسة والتمثيل، وفي أن يجدوا خلفهم وطنا يحتضن الإنجاز قبل أن يطلب منهم صناعته وحدهم.
لقد فعل لاعبو Bloom ما يستطيع الأبطال فعله: صنعوا من الفرصة المحدودة حضورا أردنيا كبيرا، والكرة الآن في ملعب المؤسسات والقطاع الخاص والمجتمع، فهل تتحول هذه النتيجة إلى بداية مشروع وطني مستدام للرياضة الدامجة، أم يبقى الإنجاز أردنيًا… والدعم مؤجلًا؟
Bloom حملوا الأردن إلى هيوستن… ولم يجدوا من يحمل عنهم الكُلفة