عندما تبلغ العقد السادس من العمر، وتبدأ علبة الأدوية تزاحم مفاتيحك على الطاولة، وتصبح المراجعات الدورية للطبيب جزءاً من جدولك المعتاد، تدرك أن فصلاً جديداً قد بدأ… فصلاً لا يشبه ما سبقه، ولا ينبغي له أن يشبهه.
في هذه المرحلة، لعمرك عليك حق.
الأمور التي كانت تستنزف جلّ تفكيرك، وتستفز أعصابك، وتدفعك للركض خلفها لاهثاً، لم تعد تستحق كل ذلك العناء. ما كان يبدو معركة مصيرية في الأربعين، يصبح في الستين مجرد تفصيل عابر. وما كان يشغل بالك ليلاً، تتجاوزه الآن بابتسامة هادئة أو صمت حكيم.
حتى في النشاط والعمل الجسدي، لم تعد ذاك الشاب اليافع الذي يتباهى بقدرته على إنجاز كل شيء، تحت شعار: "ما زلت شاباً”.
هنا… توقف يا صاحبي.
خذ نفساً عميقاً.
وانظر في المرآة لا لترى الشيب، بل لترى الرحلة.
الشيب المرسوم بدقة ليس عيباً يُخفى، بل وسام تجربة.
وتجاعيد الوجه ليست خطوط تعب، بل خرائط لأفراح وأحزان، لانتصارات وانكسارات، لليالٍ طويلة من التفكير، ولسنوات من العطاء والصبر. تقاسيم وجهك تحكي قصة حياة كاملة، بكل ما فيها من قسوة ونضج وتحوّل.
العقد السادس ليس إعلان انسحاب من الحياة، بل دعوة لإعادة ترتيبها.
أن تختار هدوء البال على صخب الجدال،
أن تنتقي معاركك بعناية،
أن تمنح صحتك أولوية لم تمنحها من قبل،
وأن تصالح نفسك على ما فات، دون جلد أو ندم.
جميل أن نعيش أيامنا وفق طبيعة العمر، بشيء من الرضا، وكثير من السكينة.
أن نبتعد عما ينغص الحياة، ونقترب أكثر ممن يمنحونها معنى.
أن نقلل من الضجيج حولنا، وننصت أكثر لصوت قلوبنا.
وفي خضم هذه الرحلة، لا ننسى دعاء من سبقونا، أولئك الذين غادروا إلى خالقهم، وكان سؤالهم لخالقهم أن يرتقوا وهم بأحسن حال.
فالستون تذكير لطيف بأن الطريق مهما طال… له نهاية، وأن أجمل ما نرجوه ليس طول العمر فقط، بل حسن الختام.
العقد السادس ليس نهاية الشباب، بل بداية الحكمة.
هو مرحلة يتخفف فيها الإنسان من الأثقال، ويحتفظ فقط بما يستحق أن يحمله قلبه حتى آخر الطريق.

