نبدأ بقرار الحكومة، وهو قرار حتما سيوافق عليه الوزراء كونهم أتوا في عملية "تنفيع" لحكومة انتقالية ومؤقتة عمرها لن يتجاوز الخريف القادم (إلا إذا كانت هنالك نية مبيتة بعدم إجراء الانتخابات النيابية) كان يلزم أن تكون رشيقة، تحديدا في ظل الظروف الاقتصادية الحالية بحيث تعيد بضعة وزراء قديرين مجربين توكل لهم أكثر من حقيبة. وهذا أكثر من منطقي في ضوء تكرار إدارة الوزارات من قبل أمنائها العامين عند استقالة مفاجئة لحكومة أو إقالة مرتجلة لها.
وأيضا بالنسبة لحكومة يعلن رئيسها أنه لا يسعى لشعبية (والحقيقة أنه لا يطمح لها وجرى رفضه شعبيا فور تكليفه) فيما ثقة مجلس الـ "111" مضمونة لأي رئيس، فإن إتيانها بثلاثين وزيرا يكسر حتى قعر التوقعات الشعبية الهابطة لتشكيلتها ودورها. ولكننا نتوقف هنا عند "التنفيع" فقط كونه وثيق الصلة بما تحاول الحكومة تسويقه من "تضحية" يقوم بها وزراؤها من جيبهم لصالح الخزينة، تمهيدا لقرارات ستمد فيها الحكومة يدها عميقا جدا في جيوب المواطنين، وتأمل أن تتمكن من أن تحمّل على ظهورهم عبئا جديدا لمديونية جديدة فاتحتها ما سربت الحكومة أنها طلبته من صندوق النقد الدولي، وهو مليارا دولار تضاف لمدونية خرقت كل الخطوط الحمراء.
ونتوقف عند "تضحية" الوزراء هذه لنبين، أولا، أن أغلب العشرين وزيرا سابقا المستعادين في هذه الحكومة المؤقتة، ستزيد رواتبهم وبالتالي تقاعداتهم بنسبة تفوق هذا الخصم المزعوم، هذا إن قبلنا أن تنفيع حلقة السلطة والمال ذاتها تقف عند الرواتب. أما العشرة المتبقية فوزراء جدد جيء بهم لبضعة أشهر يرثون بعدها تقاعد وامتيازات وزير سابق، ومن بعدهم عائلاتهم وصولا لتخرج أبنائهم الذين لم يولدوا بعد من الجامعات، فيما تستمر في وراثة التقاعد زوجاتهم وأيضا بناتهم طالما هن عزباوات وتعود لهن المنافع إن وكلما طلقن أو ترمّلن.. كلفة يمكن بأقل منها بكثير استقدام أكبر عشرة عقول مخططة ومنفذة في العالم كله، بل واستقدام فرق تخطيط وتنفيذ.
أما ما أعلنه رئيس هيئة الأركان المشتركة من أن كل لواء (والأرجح ما فوق) سيضحي به من راتبه لستة أشهر لدعم الخزينة (أي للعمر الافتراضي للحكومة الحالية) فهو يشبه حكاية الوزراء في أمر واحد ويختلف عنه في عدة أمور. أبرز وجوه الاختلاف: أولا، ما نرجّحه من كون قرار التبرع لم يحظ بموافقة "من قلب"كل المتبرعين. فأغلب هؤلاء "الألوية" بحاجة لكل دينار من رواتبهم التي هي ليست عالية، ولا نستبعد أن يتظلم بعضهم فرادى وسرا وتجاب تظلماتهم سرا للإبقاء على مفعول "القدوة". وثانيا، أن رواتب هؤلاء الألوية استحقوها لعمل سنوات طويلة في خدمة هي الأصعب والأخطر لطبيعتها العسكرية، ولم تأتهم تنفيعا ومقابل التمتع بمزايا وزير عامل لبضعة أشهر، ثم بمزايا وزير سابق.وهذا يقودنا للفارق الثالث، وهو أن موقع "عسكري سابق" يكاد يخلو من المزايا إن لم يثقل بنكسة نفسية واجتماعية إثر استرداد الزي والرتبة، ويقتصر على الفخر الذي يبقى فرديا وبالقدر الضيق المتاح ضمن التزام العسكري بأوامر عليا في كل ما يفعل وما لا يفعل.
يبقى وجه التشابه بين الوزراء والعسكر، وهو أن كلفة العسكري أيضا لم تبقى محصورة في الرواتب والتقاعدات. فتكريس فكرة "المكارم" بديلا للحقوق طالت الجيش في صور عدة منها السيارات بدون جمرك، وهو إجراء غير دستوري وغير قانوني يحرم الخزينة من دخل هائل. وهذه أعطيات واسعة تشمل رتبا أقل بكثير من رتبة لواء. ولكون غالبية الضباط لا يقدرون على ثمن سيارة فارهة، يتم تحويل(بيع) الإعفاء لأغنياء في صفقة يذهب فيها أغلب قيمة الإعفاء الجمركي ليموّل رفاه ثري.. وهذه عينة من حلقة تنفيعات تفقر الخزينة، وخراجها يدوّر ليعود لذات حلقة المال والنفوذ.