بين الكاميرات… المواطن في المنتصف!

بين الكاميرات… المواطن في المنتصف!
منار الزواهرة
أخبار البلد -  
في مشهد لا يخلو من العبقرية الممزوجة بالتوتر، قررت الدولة أن تُدخلنا عصر "الكاميرات الذكية” — كاميرات لا تكتفي بتصويرك عند تجاوز السرعة، بل تحسب الزمن الذي استغرقته بين نقطتين في الطريق!

يعني الكاميرا الأولى تبتسم لك وتقول: "أهلًا وسهلًا يا بطل”، والثانية تستقبلك ببرود: "تأخرت وإلا استعجلت؟ خلينا نحسبها!”. وفي النهاية، الكمبيوتر يقرر مصيرك المالي وكأنك مش سائق… بل متسابق في الأولمبياد المروري!

تخيل مواطنًا بسيطًا، خارج من دوامه المرهق، يحاول يوصل بيته قبل أن تبرد وجبة العشاء. يمرّ من أمام لوحة مكتوب عليها ": انتباه! مراقبة السرعة بالزمن بين الكاميرتين.” يتجمد قلبه!  يبدأ بحساب المسافة والزمن وكأنه في اختبار فيزياء.
"المسافة عشرة كيلومتر، السرعة المسموحة 100، الزمن المتوقع 6 دقائق… طيب لو وصلت بخمس دقائق ونص؟ أعتبر مخالف؟ وإلا أرسل استئناف؟”   ،  في تلك اللحظة، المواطن ما عاد يفكر في الطريق، ولا في السلامة… صار يفكر في المعادلات الرياضية أكثر من طالب توجيهي قبل الامتحان... وطبعاً، لو وصل أسرع من اللازم، تصله رسالة نصية تقول: " تم رصدك بين الكاميرتين بزمن غير مقبول… الرجاء الدفع فورًا!”
الدولة تراقب الزمن، والمواطن يراقب رصيده في البنك وهو ينخفض بهدوء.

    والأطرف من ذلك، تخيّل لو كان المواطن في حالة طارئة — طفل مريض في الخلف، أو أحد أفراد عائلته يحتاج مستشفى عاجلًا. بين الكاميرتين، لا أحد يسألك "ليش استعجلت؟”، بل فقط "كم ثانية خالفت؟”. في نظر النظام، أنت لست أباً قلقاً أو إنساناً مضطراً ...   أنت مجرد رقم في معادلة  زمنية خالدة لا تعترف بالعذر ولا بالظروف.
يعني لو أن أحدهم وصل المستشفى قبل الكارثة  بدقيقتين،  سيُحاسب على "تجاوزه الإنساني" قبل أن يُكافأ على إنقاذ  حياة!  يا  لسخرية القدر… المواطن دائماً  في المنتصف، لا يُسمح له بالسرعة لإنقاذ أحد، ولا بالتأخر عن دفع الغرامة!.

الجهات الرسمية هنا تقول: الهدف السلامة المرورية، والناس  تردّ:  طيب  يا جماعة، إحنا مش ضد السلامة… بس ضد تحويل السلامة إلى مصدر دخل!. "مع إنه كلنا صرنا مع السلامة.”

يعني  بدل ما تُصلّحوا الطرق، وتبتكروا  نقل عام  يحترم الإنسان ، وتزيلوا الحفر اللي بتكبر مع الوقت كأنها  مشاريع  استثمارية ،  قررتوا  تزرعوا كاميرات؟  الطريق مليان مطبات ، والإشارات بعضها  ما  بتشتغل، والمواطن  يسير كأنه في لعبة  " تحدي البقاء على  قيد العجلة”.

لكن لا تقلق… أهم شيء أنك لو وصلت بسرعة أقل من المسموح، النظام  جاهز ليدقّ عليك بالرسالة السحرية: " مخالفة جديدة!" تخيل  معي المشهد  داخل غرفة المراقبة:
موظف يجلس في مكتب  مكّيف،  يشرب قهوة  فاخرة، وعلى الشاشة  أمامه  تظهر سيارات تمرّ بين الكاميرتين . كل سيارة  تتأخر أو تسبق ثانية  واحدة… تظهر مخالفة! الإنجازات  تُقاس بعدد الرسائل النصية المرسلة، أما المواطن  في الجهة  الأخرى،  يتساءل  إذا  كان لا بد أن يركّب ساعة  توقيت على الزجاج  الأمامي علشان  يضبط الزمن بالثانية!.
وفي زاوية أخرى من المشهد ،  يظهر "صاحب عطاء الكاميرات” مبتسمًا  بفخر، يقول وهو يصفق لنفسه :  " يا جماعة، مش أي حد بقدر يخلّي الكاميرات تشتغل 24/7 وتجيب دخل أحسن من النفط !  الكاميرات عندي مش  بس تراقب، الكاميرات  تربّي!” .
ومنها بنسد المديونية  ...ثم يضيف بثقة، وهو يرتشف قهوته :  " نحن في عصر العدالة  البصرية… الكاميرا  لا تنام ، ولا ترحم ، ولا تتفاوض!” ليصفق له الموظف  بحماس: " فعلاً… مشروع  وطني ناجح !  المواطن  يدفع  والدولة  بتطمن!”  وصيتك يا صاحب العطاء بعلّي فوق . 

لم يعد  المواطن يعرف أن  يفرّق بين "الرقابة  لأجل السلامة” و”الرقابة لأجل التحصيل”. كل شيء محسوب عليه:  سرعته ، وقوفه ،  تنفّسه ،  وحتى زمن وصوله.
بينما من الجهة الثانية ، الطرق نفسها غير محسوبة… التأخيرات  في المشاريع  غير محسوبة… الأسعار غير محسوبة!  كأن الدولة  تقول: "إحنا بنحاسبك بالثواني، بس سامحنا على السنين اللي تأخرنا فيها!”

لو كانت هناك كاميرا تقيس معدل صبر المواطن  بدل  سرعته ، لكانت الدولة كلها موقوفة عن العمل  من أول  أسبوع.
ولو كانت  هناك كاميرا تراقب تأخر المسؤولين في  تنفيذ  المشاريع، لامتلأت الشاشات بالمخالفات الحمراء.

لكن  للأسف، التكنولوجيا  عندنا  تعرف  المواطن أكثر مما تعرف  الفساد.  تعرف رقم لوحته ،  وتوقيته ،  وحتى لون سيارته ، وكمان شو لابس  ... لكنها لا تعرف شيئًا عن حجم القهر في صدره وهو يدفع  مخالفة  جديدة  بإسم "السلامة”.

أيضًا هي لا تعرف ما يحدث في سيارته !  بالطبع  لا !  إنها لا تهتم  إذا كنت  تتحدث مع طفلك أو تبحث عن عذر لتأخير الغرامة.

باختصار، الكاميرات  أصبحت  مثل  الجار الفضولي :  يعرف كل تحركاتك ويكتب تقارير عنها، ولا يترك لك  لحظة  خاصة  واحدة! 

وفي النهاية، سيبقى المواطن يسير بحذر — ليس خوفًا من الحوادث… بل خوفًا من أن يصل  قبل  الموعد  المحدد  بثانيتين !
لأنه  في  زمن  الكاميرات  الذكية ، السرعة جريمة… والتأخر أيضًا جريمة… والمواطن هو المتهم الدائم.
وكلنا مع السلامة.
شريط الأخبار اختراق إلكتروني يكشف بيانات 41 ألف موظف في الأمن الداخلي الأميركي القوات المسلحة تعلن أسماء مستحقي قروض الإسكان العسكري ومواعيد مراجعة البنوك دار الدواء تواصل في تحقيق ارقام قياسية .. نمو في الارباح والايرادات والربح التشغيلي والعائد على السهم انخفاض أسعار الذهب محليا إلى 82.50 دينارا للغرام البنك المركزي يقرر تثبيت أسعار الفائدة على جميع أدوات السياسة النقدية أوغندا.. القبض على شخص بتهمة قتل 38 شخصا وأكل لحومهم السير تحذر من القيادة بعكس الاتجاه .. مخالفة 250 دينارا وحجز 14 يوما إعلان هام جدا لطلبة المنح في جامعات الجنوب إثيوبيا.. توقيف مشتبه بهم بتسميم رجل أعمال إسرائيلي عثر عليه جثة في مطعم بأديس أبابا مناهجنا تعاني من "الحشو الزائد" لنيل المكافآت المادية.. شكاوى الأهل الحالية تفضح ما كشفه وزير التعليم سابقاً! خمسة سيناريوهات لتشكيل الحكومة وسط مأزق نتنياهو وأيزنكوت تايسون و"أرطغرل" يصلان إلى الأردن للمشاركة في أسبوع الفنون القتالية الأردن التفاصيل طقس لطيف الحرارة اليوم واحتمال هطول أمطار خفيفة شمالي المملكة الملك يفتتح الدورة العادية الـ 3 لمجلس الأمة بخطاب العرش السامي.. الاثنين بدء فرز الأصوات المتبقية في انتخابات الكنيست .. وترقب للنتائج النهائية وفيات الخميس 29-10-2026 الهلسة: ترحيل ذوي الإرهابيين درءاً للتوترات الطيبي يضع أصوات العرب في معادلة إسقاط نتنياهو الفيدرالي الأميركي يثبت أسعار الفائدة في اجتماعه قبل الأخير للعام الحالي الخارجية السورية: استدعاء السفير الأردني وتسليمه مذكرة احتجاج على قصف مواقع في محافظة درعا