ماذا يفعل المثقف في بلد للجدران فيه آذان وعيون

ماذا يفعل المثقف في بلد للجدران فيه آذان وعيون
علي قاسم
أخبار البلد -   في سوريا، كانت للجدران آذان. وكان الحديث حول أيّ أمر يتعلق بالسلطة من بعيد أو من قريب محرمًا. خلال ستين عامًا، سمعت عبارة للحيطان آذان تتردد أمامي عشرات المرات، خاصة من والدتي التي لا تقرأ ولا تكتب. وكان الناس حريصين على أن يصونوا لسانهم عن الكلام حتى لا يودي بهم إلى بيت خالتهم .

والمقصود بـ بيت الخالة في سوريا التهلكة، وهو كناية أو لقب يفترض أنه سرّي، ولكن الجميع كان يعرف أن المعني به جهاز الأمن والمخابرات.

رغم كل التحذيرات، ورغم حرص الناس على ألا تنصت الجدران إلى الأحاديث التي يتداولونها فيما بينهم، كان مصير عدد كبير منهم البعض يقول إنه عشرات أو مئات الآلاف الموت في السجون تحت التعذيب، وكل ذلك بسبب لسانهم الذي لم يصونوه.

قسم كبير من السوريين فضّل النزوح عن سوريا إلى مخيمات في دول الجوار، المحظوظ منهم وصل إلى أوروبا، حيث أصبح بإمكانه التحدث دون أن تصغي الجدران لما يقوله ويبوح به في جلسات خاصة. في أوروبا، لا تمتلك الجدران آذانًا. رغم ذلك، ومن خلال متابعاتي لما يجري هناك، وجدت أن قسمًا كبيرًا من اللاجئين السوريين استمروا في حذرهم، لأنهم كانوا يخشون تعرض أقربائهم وأهلهم الذين تركوهم خلفهم للملاحقة لينتهي الأمر بهم في بيت خالتهم .

معظم المهن يمكن القيام بها دون الاضطرار للحديث، أو الكلام فيها يقتصر على مصطلحات ومفردات تتعلق بالمهنة، لكن ماذا يفعل مثقف أو فنان وسيلته الوحيدة للتواصل القلم أو الكلمة

هذه المقدمة المطولة للوصول إلى هذا السؤال: ماذا يفعل المثقف في بلد تمتلك فيه الجدران آذانًا؟ ماذا يفعل مثقف وفنان مهنته الحديث والكتابة، وكيف يسلم إن فعل ذلك وهو يعمل في حقل مزروع بالألغام؟

منذ اللحظة الأولى كان واضحًا أن المثقف في سوريا أمام ثلاثة خيارات: أن يرحل عن سوريا، وهذا ما فعله عدد كبير منهم، أو ينافق السلطات ليأمن شرها، أو ينتظر زوار الليل والنهار ليرموا به في بيت خالته .

قدر المثقف الذي يختار المواجهة أن يلقى العقاب الذي أنزله كبير آلهة الإغريق زيوس بـ بروميثيوس الذي تجرأ وسرق النار وأعطاها للبشر، بتقييده إلى صخرة وسلّط عليه نسرا يأتيه كل يوم ليلتهم كبده. العقاب كان يتجدد كل ليلة ليعاني من نفس العذاب في اليوم التالي.

وقد يكون ما جاء على لسان النبي محمد (توفي عام 632 ميلادي) من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ، أفضل ما يعبّر بإيجاز كبير عن إشكالية المثقف مع السلطة.

في سوريا، من حاول تغيير منكر السلطة بيده ألصقت به تهمة الإرهاب، ومن اختار تغييرها بلسانه، إما غادر خارج البلاد، أو انتهى الأمر به في حبس انفرادي. أما من كتموا الغضب والغيظ في قلوبهم، فقد تحملوا الاتهامات بأنهم عملاء للسلطة. والآن بعد سقوط النظام، يلقب الذين قاوموها بقلوبهم بـ المكوعين .

محاولة تصنيف البشر ممارسة عنصرية بشعة، وهي أشد بشاعة عندما تطبق على المثقف والفنان. الحكم على المثقف من خلال موقفه من السلطة، عدا أنه موقف جبان، هو موقف انتهازي غالبًا.. المثقف يدينه أو يتوّجه عمله فقط.

في سوريا، من حاول تغيير "منكر" السلطة بيده ألصقت به تهمة الإرهاب، ومن اختار تغييرها بلسانه، إما غادر خارج البلاد، أو انتهى الأمر به في حبس انفرادي

أتمنى ألا يقع المثقفون والفنانون في سوريا في فخ التصنيفات، وألا يضطر فنانون ومثقفون كبار للدفاع عن مواقفهم وتقديم تفسيرات لها، وألا يسارع من دخل السجون منهم أو غادر البلاد لانتهاز الموقف والمطالبة بنياشين تعلق على صدره.

شعرت بألم لا يقل عن مشاعر الألم التي انتابتني وأنا أراقب المشهد من داخل الزنازين، عندما شاهدت صدفة الفنان الكبير كبير رغم أنوفنا جميعًا دريد لحام، يقول ما أراد أن يقوله على مدى 60 عامًا فروع المخابرات في سوريا كانت أكثر من المدارس، وأن أكبر سجن في سوريا كان لأصحاب الرأي.

أريد أن أختم بمقولة تنسب إلى المؤرخ وعالم الاجتماع التونسي ابن خلدون (لا بد من الإشارة إلى أن نسبها إليه مشكوك فيه حيث لم يتم العثور على ذكر لها في أي من أعماله) المقولة هي: إذا دخلت أفريقية (تونس) وافق أو نافق أو غادر البلاد.

في سوريا، هناك مثقفون وفنانون نافقوا، وآخرون اختاروا مغادرة البلاد.. لكن، بالتأكيد لا يوجد مثقف حقيقي واحد أو فنان حقيقي واحد وافق على ما جرى داخل سوريا على مدى 54 عامًا.

معظم المهن يمكن القيام بها دون الاضطرار للحديث، أو الكلام فيها يقتصر على مصطلحات ومفردات تتعلق بالمهنة. لكن، ماذا يفعل مثقف أو فنان وسيلته الوحيدة للتواصل مع البشر القلم أو الكلمة المنطوقة.. ماذا يفعل في بلد للجدران فيه آذان وعيون؟
شريط الأخبار الإحصاءات تكشف أسباب تأخر الإعلان عن أرقام خط الفقر ومعدله في الأردن أسلحة نووية مملوءة بالماء بدل الوقود.. الفساد يضع الصين في مأزق وزير الاستثمار: إنشاء منطقة حرة في مطاري الملكة علياء وعمّان يعزز تنافسية "الملكية الأردنية" تحذيرات بشأن تطورات المنخفض الجوي القادم إلى الأردن المستقلة للانتخاب: أمين سجل الأحزاب يلتقي ممثلا عن جبهة العمل الإسلامي الثلاثاء المصري: حل جذري لأراضي المخيمات بعد تعطلها 78 عاما وبمبدأ التعويض العادل تجارتا عمّان ودمشق توقّعان اتفاقية توأمة لتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين الجانبين فتح ملف مجمع مصانع الفرسان العالمي للسيراميك والبورسلان.. تجاوزات مالية بالجملة إعلان حالة الطوارئ "قصوى مياه" اعتبارًا من الثلاثاء القضاة: الأردن وسوريا يمتلكان فرصا حقيقية لبناء شراكة اقتصادية ماذا قال الصفدي لنظيره الايراني ضبط بيع مياه منزلية مخالفة بصهاريج في ايدون معركة الـ 1% بين المستشفيات الخاصة ونقابة الأطباء .. مشروعية أم تغول قضية للنقاش العام مستقلة الانتخاب تطلب من حزب العمل الاسلامي عكس تصويب النظام على اسمه تحذير.. تخلفك عن دفع قسط هاتفك الخلوي يجعلك على القائمة السوداء لكريف توقيف أم بتهمة قتل طفلها البالغ 4 أعوام الخرابشة رئيسا تنفيذيا لمياهنا شيركو تخسر قضية بـ 100الف دينار امام محاميها السابق نداء استغاثة من موظفي مؤسسة صحية يعانون "الأمرين" الى رئيس النزاهة وديوان المحاسبة بعد مقتل الفنانة السورية شعراوي.. النوتي: اجراءات الأردن مشددة