يكاد لا يمرُّ يومٌ مِنْ دون أنْ يشهد إضراباً عُمّاليّاً أو اعتصاماً في مصنع أو شركة أو مؤسَّسة عامَّة. وهذا يُعدُّ مِنْ أبرز السمات التي تميَّز بها الحراك الشعبيّ الأردنيّ; ففي البلدان العربيَّة الأخرى, اتَّخذ الحراك, معظم الوقت, طابعاً سياسيّاً صرفاً; لأنَّ الفئات التي أطلقته وقادته وخاضت غماره كانت من النخب البرجوازيَّة المتوسِّطة, ثمَّ التحقتْ بها الفئات الشعبيَّة التحاقاً, وخاضت الصراع تحت قيادتها وبشعاراتها وتحت سقف مطالبها. وعندما تمَّ إسقاط شخص الحاكم والمقرَّبين منه, في بعض تلك الدول, بادرت بعض الفئات الاجتماعيَّة إلى رفع مطالبها المعيشيَّة الخاصَّة, وحاولت الاستفادة من الخبرة الكفاحيَّة التي اكتسبتها مِنْ مشاركتها في الانتفاضة, لتحصِّل بها شيئاً مِنْ حقوقها المسلوبة, وتعدِّل وضعها في التركيبة الاجتماعيَّة المختلَّة; لكنَّ هذه التحرّكات, ووجِهتْ بالهجوم الشديد عليها والتشكيك بها, بشكلٍ ظالم, مِنْ حلفاء الأمس في الانتفاضة الظافرة.
وحتَّى في تونس, حيث اضطلع "الاتِّحاد العامّ للشغل" وحزب العمّال الشيوعيّ التونسي, بالدور الرئيس في قيادة الانتفاضة الشعبيَّة التي أطاحت بـ"بن عليّ", كانت الأهداف والشعارات السياسيَّة غالبةً على الشعارات والمطالب الاجتماعيَّة.
أمَّا في بلادنا, فعلى الخلاف مِنْ ذلك, كانت القضايا الاجتماعيَّة هي الأساس, وكانت الفئات الشعبيَّة هي مَنْ أطلق الحراك ومنحه التوازن المطلوب والزخم الضروريّ. كما كانت القوى الحزبيَّة والنخب البرجوازيَّة المتوسِّطة هي من التحق بالفئات الشعبيَّة, لتعمل بعد ذلك مِنْ أجل صبغ الحراك بصبغة مطالبها السياسيَّة الخاصَّة وتخفيف طابعه الاجتماعيّ إلى أبعد حدٍّ ممكن. في حين أنَّ الفئات الشعبيَّة, التي بدأتْ حراكها لأسباب اجتماعيَّة معيشيَّة, سرعان ما أدركتْ ترابط المطالب المعيشيَّة مع المطالب السياسيَّة, فراحت تربط بينها, باستمرار وبشكلٍ جدليّ.
والآن, قد نفهم أنْ يغفل الإسلاميّون المطالب الاجتماعيَّة.. فلا يتعاملون معها إلا في سياق الحلول الإحسانيَّة المهينة; فهم لا مشكلة لهم مع السياسات الاقتصاديَّة الليبراليَّة الجديدة; لأنَّها تطابق جوهر رؤيتهم الاقتصاديَّة التي يسبغون عليها صفة "الإسلاميَّة" تعسّفاً. كما أنَّ جلّ ما يهمّهم الآن هو الوصول إلى السلطة, بأيّ ثمن; لذلك, فإنَّهم, مثلهم مثل جماعتهم في البلاد العربيَّة الأخرى, يميلون إلى إعطاء التطمينات السخيَّة لجميع الأوساط المتنفِّذة والمصالح المهيمنة, في الداخل والخارج, سياسيَّة كانت أم اقتصاديَّة, على حساب الفقراء وحقوقهم ومصالحهم; بل, أيضاً, على حساب المصالح الوطنيَّة والقوميَّة.. إذا لزم الأمر . لكن غير المفهوم هو موقف القوى اليساريَّة والقوميَّة, التي يُفترض أنْ تكون حليفاً موضوعيّاً للفئات الشعبيَّة, وأنْ تتطابق معها في المطالب السياسيَّة والاجتماعيَّة, إلا أنَّها لا تختلف عن الإسلاميين, مع الأسف, في ابتعادها عن هذه الأوساط, وتغليبها المطالب السياسيَّة على المطالب الاجتماعيَّة الاقتصاديَّة, ولا مبالاتها, تقريباً, تجاه هذه التحرّكات المطلبيَّة التي تعمّ البلاد وتتواصل منذ سنتين.
إنَّ مطالب الفئات الشعبيَّة وحقوقها ومصالحها لن تجد طريقها إلى التحقّق إلا بإسقاط السياسات الاقتصاديَّة الليبراليَّة الجائرة; ومِنْ ناحية أخرى, فشكل النظام السياسيّ الذي تطالب بإصلاحه غالبيَّة الناس, الذي يعاني مِنْ ضعف الأطر المؤسَّسيَّة واستفراد مجموعة محدودة بالسلطة لتتَّخذ القرارات الأساسيَّة بالاستناد إلى مصالحها الأنانيَّة وخارج الأُطر القانونيَّة والدستوريَّة.. هذا الشكل من الحكم المنافي للديمقراطيَّة تكرَّس على يد الليبراليين الجدد; فمِنْ دونه ما كان لهم أنْ يتحكّموا بدفّة السلطة ويطبِّقوا سياساتهم المدمِّرة. ولا يمكن التعامل مع هذا الوضع الخطير الآن بطريقة صحيحة مِنْ دون دمج مطلب الديمقراطيَّة السياسيَّة بمطلب الإطاحة بالليبراليين الجدد وسياساتهم. والعمل مِنْ أجل هذا البرنامج هو واجب اليساريين والقوميين والحراك الشعبيّ, معاً; أمّا الإسلاميّون, فكلّ ما يطمحون إليه هو الحلول محلّ الليبراليين الجدد في سدَّة السلطة ليواصلوا تطبيق سياساتهم الجائرة نفسها.
وحتَّى في تونس, حيث اضطلع "الاتِّحاد العامّ للشغل" وحزب العمّال الشيوعيّ التونسي, بالدور الرئيس في قيادة الانتفاضة الشعبيَّة التي أطاحت بـ"بن عليّ", كانت الأهداف والشعارات السياسيَّة غالبةً على الشعارات والمطالب الاجتماعيَّة.
أمَّا في بلادنا, فعلى الخلاف مِنْ ذلك, كانت القضايا الاجتماعيَّة هي الأساس, وكانت الفئات الشعبيَّة هي مَنْ أطلق الحراك ومنحه التوازن المطلوب والزخم الضروريّ. كما كانت القوى الحزبيَّة والنخب البرجوازيَّة المتوسِّطة هي من التحق بالفئات الشعبيَّة, لتعمل بعد ذلك مِنْ أجل صبغ الحراك بصبغة مطالبها السياسيَّة الخاصَّة وتخفيف طابعه الاجتماعيّ إلى أبعد حدٍّ ممكن. في حين أنَّ الفئات الشعبيَّة, التي بدأتْ حراكها لأسباب اجتماعيَّة معيشيَّة, سرعان ما أدركتْ ترابط المطالب المعيشيَّة مع المطالب السياسيَّة, فراحت تربط بينها, باستمرار وبشكلٍ جدليّ.
والآن, قد نفهم أنْ يغفل الإسلاميّون المطالب الاجتماعيَّة.. فلا يتعاملون معها إلا في سياق الحلول الإحسانيَّة المهينة; فهم لا مشكلة لهم مع السياسات الاقتصاديَّة الليبراليَّة الجديدة; لأنَّها تطابق جوهر رؤيتهم الاقتصاديَّة التي يسبغون عليها صفة "الإسلاميَّة" تعسّفاً. كما أنَّ جلّ ما يهمّهم الآن هو الوصول إلى السلطة, بأيّ ثمن; لذلك, فإنَّهم, مثلهم مثل جماعتهم في البلاد العربيَّة الأخرى, يميلون إلى إعطاء التطمينات السخيَّة لجميع الأوساط المتنفِّذة والمصالح المهيمنة, في الداخل والخارج, سياسيَّة كانت أم اقتصاديَّة, على حساب الفقراء وحقوقهم ومصالحهم; بل, أيضاً, على حساب المصالح الوطنيَّة والقوميَّة.. إذا لزم الأمر . لكن غير المفهوم هو موقف القوى اليساريَّة والقوميَّة, التي يُفترض أنْ تكون حليفاً موضوعيّاً للفئات الشعبيَّة, وأنْ تتطابق معها في المطالب السياسيَّة والاجتماعيَّة, إلا أنَّها لا تختلف عن الإسلاميين, مع الأسف, في ابتعادها عن هذه الأوساط, وتغليبها المطالب السياسيَّة على المطالب الاجتماعيَّة الاقتصاديَّة, ولا مبالاتها, تقريباً, تجاه هذه التحرّكات المطلبيَّة التي تعمّ البلاد وتتواصل منذ سنتين.
إنَّ مطالب الفئات الشعبيَّة وحقوقها ومصالحها لن تجد طريقها إلى التحقّق إلا بإسقاط السياسات الاقتصاديَّة الليبراليَّة الجائرة; ومِنْ ناحية أخرى, فشكل النظام السياسيّ الذي تطالب بإصلاحه غالبيَّة الناس, الذي يعاني مِنْ ضعف الأطر المؤسَّسيَّة واستفراد مجموعة محدودة بالسلطة لتتَّخذ القرارات الأساسيَّة بالاستناد إلى مصالحها الأنانيَّة وخارج الأُطر القانونيَّة والدستوريَّة.. هذا الشكل من الحكم المنافي للديمقراطيَّة تكرَّس على يد الليبراليين الجدد; فمِنْ دونه ما كان لهم أنْ يتحكّموا بدفّة السلطة ويطبِّقوا سياساتهم المدمِّرة. ولا يمكن التعامل مع هذا الوضع الخطير الآن بطريقة صحيحة مِنْ دون دمج مطلب الديمقراطيَّة السياسيَّة بمطلب الإطاحة بالليبراليين الجدد وسياساتهم. والعمل مِنْ أجل هذا البرنامج هو واجب اليساريين والقوميين والحراك الشعبيّ, معاً; أمّا الإسلاميّون, فكلّ ما يطمحون إليه هو الحلول محلّ الليبراليين الجدد في سدَّة السلطة ليواصلوا تطبيق سياساتهم الجائرة نفسها.