إثارة "نقطة نظام" تلزم بتوقف البحث الجاري للاستماع لتلك النقطة التي تؤشر على أن الجاري غير نظامي, أي غير مشروع, لإعادته لسكة "الشرعية"..وما أطالب به هنا هو وقف مناقشة هذه التي تسمى "موازنة" في هذا الذي يسمى مجلس نواب أردني..
يقول وزير ماليتنا أنه بعد احتساب المنح الخارجية,سيتجاوز العجز في ميزانيتنا 1,4 مليار دولار..وأن هنالك اثنين وسبعين مليون دينار (مئة مليون دولار) من النفقات بلا رصيد, يقول الوزير إن ثلثيها يذهب لرفع رواتب المعلمين والمتقاعدين العسكريين (تحميل جمايل أو ذنب لحراك المعلمين والمتقاعدين العسكريين),ويكمل الوزير أن هذه النفقات الجارية ستحسم من النفقات الرأسمالية,أي "التنموية".
والمفارقة أنه في نفس اليوم يعلمنا وزير "خارجيتنا" هذه المرة, أن المعونة السعودية بمبلغ مليار وأربعمئة ألف مليون دولار لم تدخل الموازنة, وإنما "سيصار لتحديد أوجه صرفها في المشاريع التنموية"..أية مشاريع هذه التي لم تناقش ولم تحسم أولويتها ولا جدواها لا من حكومة ولا من مجلس نواب, إن انطبق وصف أي منها على أي مما شهدناه لأكثر من عقد مضى؟؟ هذا القول يعيد قرع ذات الأجراس التي صاحبت اعتراف الديوان الملكي بأن أراضي للدولة في عمان والعقبة بآلاف الدونمات سجلت باسم الملك بزعم "اجتهاد" لتسهيل الإنفاق على "مشاريع تنموية". وبعض تلك الأراضي قضى نحبه بالبيع أو الوهب, وبعضها الأكبر ينتظر منذ عقد وأكثر,"وما بدلوا تبديلا"..فلا الأراضي الباقية أعيدت للخزينة ولا المنهوبة استردت ولا المباعة عوضت ولا المشاريع قامت, وبالطبع, ولا الحكومة التي قامت بالتسجيل غير الدستوري وغير القانوني للملك (ولنفسها وأقاربها ومحاسيبها) حوسبت!!
ونعود لوزير المالية الذي وأخطر ما أعلنه, وهو رفع أسعار المحروقات والكهرباء بعد انقضاء هذا الشتاء, وكأن الشتاء لن يعود ثانية ليتربص بمن باعوا القدر ليتدفأوا ولن يجدوا من يشتري المدفأة بعد رفع استهلاكها..هؤلاء, الذين يشغلون مساحة تعدّت الطبقة الدنيا لتشمل (باعتراف الحكومة التي عرّفت الشريحة المستهدفة) تلك التي كانت "طبقة وسطى", الحكومة تقول إنها خصصت لهم 50 مليون دينار كدعم مباشر.
هذه الشريحة الفقيرة والمفقرة تساوي ما لا يقل عن خمسة ملايين من الستة ملايين أردني مسجل. أي أن حصة الفرد هي عشرة دنانير لعام بأكمله, أي أقل من دينار في الشهر, يجري كل هذا التخطيط لها والإعلان عنها بتحميل جمايل ولمز في الحراك المعيشي والسياسي اللذين يفهم أي عاقل, من هذه الجزئية في موازنة, لماذا تماهيا.
وهنا نتساءل, كيف يمكن للحكومة أن تعلن أن كامل عجز الميزانية تقريبا يعود لخسائر شركة الكهرباء..والكهرباء في الأردن, رابحة ربحا هائلا ومضمونا كما بينا في مقالتنا الأسبوع الفائت. لشرح كيف أمكن لهذه المتناقضات أن تتعايش في قطاع إنتاجي وخدمي واحد, نبين المؤامرة التاريخية:
في أواسط تسعينيات القرن الماضي, تقرر تحويل سلطة الكهرباء لشركة حكومية. وكنت وحدي من أعترض عليها وأمكنني حشد تصويت أغلبية نيابية لرد قانونها استنادا لنقطة عدم دستورية فاتت المتواطئين (لا مجال هنا لشرحها), ومنهم اللجنة القانونية التي كان يرأسها رئيس المجلس الحالي (دلالة على يد الحكومات في إفراز مجالس نواب ورئاساته).. ولكن المتواطئين عادوا لفرض شركة الهدف من قيامها أن تقترض بكفالة الحكومة. ولاحقا قسّمت شركة الكهرباء لثلاث شركات: منتجة وناقلة وموزعة,أعلن تدهورها مؤخرا تمهيدا لبيع الأولى والثالثة بسعر بخس لدبي كابيتال, وأبقيت الكلف والديون للوسطى (الناقلة)..وبعد بيع دبي كابيتال للشركتين بربح فاحش, جرى إعلان مديونية الشركة الوسطى وتحميلها للكفيل (الحكومة).
وبما أن الحكومة فتحت باب أسعار الطاقة وكلفها, فأقلّه(وعلى سبيل العينة) أن تسترد فورا من رئيس الحكومة السابق الذي مثّّل دبي كابيتال المائة وستون مليون دينار التي ربحها من الصفقة..وهي تكفي لأكثر من ضعف النفقات غير المغطاة في الميزانية, وتكفي لرفع رواتب ضعفي تعداد المعلمين والمتقاعدين العسكريين من موظفين ومتقاعدين آخرين..أما ما يمكن استرداده بمحاسبة أوسع للفساد, فلا يتسع له حيز" نقطة النظام" هذه.
وهي"نقطة نظام" بحق..فرفع أسعار الطاقة ينذر بما هو أخطر من أزمة "يونان أخرى" التي يلوح بها وزير المالية..فالأردن لا يقارن بخريف أوروبا,بل "بالربيع العربي".