اخبار البلد : موسى الصبيحي - إصرارك على أن هيكلة رواتب موظفي القطاع العام تهدف إلى تحقيق العدالة للجميع، هدف مشكوك فيه لأكثر من سبب: فالهيكلة أولاً وفق نظام الخدمة المدنية المعدل الجديد تستثني عدداً من المؤسسات وليس كما تُردد دائماً في لقاءاتك ومؤتمراتك الصحفية بأنها لم تستثن أي مؤسسة، فالنظام يستثني (12) جهة رسمية هي: البنك المركزي الأردني وكافة الجامعات الرسمية وعددها عشر جامعات، ومؤسسة المتقاعدين العسكريين، وجميعها مؤسسات عامة..!!
وثانياًً: فإن العدالة تقتضي من الحكومة إذا أرادت أن تكون عادلة بالفعل، أن تكون شفافة في هذا الموضوع، وفي ظني أنها لم تكن كذلك بما فيه الكفاية، حيث تضاربت التصريحات بشأن الزيادات التي ستطرأ على رواتب موظفي القطاع العام، فبعد أن تم رفع سقف التوقعات لهذه الزيادة، إذا بتصريحاتك الأخيرة تُخيب الآمال بإعلانك أن الزيادات ستتراوح ما بين 17 ديناراً إلى 80 دينار..!! وفي الوقت الذي كنت تُردد فيه أن أعداد الموظفين الذين سيستفيدون من الهيكلة ستصل إلى 205 آلاف موظف، إذا بك مؤخراً تعلن أن عددهم 186 ألف موظف، ربما بسبب أنكم لم تحصوا أعداد الموظفين المجازين والمعارين، وربما بدافع الترويج وجلب التأييد للمشروع في مستهل الحديث عنه..!!
ثالثاً: إذا كان الهدف هو العدالة وضبط الإنفاق، فإن أحداً ليس ضد ذلك على الإطلاق، لكن من المهم أن يترافق مع ذلك نظرة أكثر شمولية وعدالة، بحيث يتم النظر إلى الحكومة ذاتها، بأن تسعى إلى ضبط إنفاقها وهيكلة رواتب وزرائها، فليس من العدالة لوزير مكث في السلطة بضعة أشهر أن يحصل على راتب تقاعدي وفير مدى الحياة، فهل تملك كوزير قطاع عام أن تقدم مشروعاً لهيكلة رواتب الوزراء سواء أثناء عملهم أو عند تقاعدهم، فإنْ فعلت وقبلت الحكومة بذلك، فستكونون القدوة الحسنة، وسيقبل الجميع بنفس راضية، ما أسميتموها عدالة بين العاملين في القطاع العام، وسوف يذكر لكم الشعب بكل أطيافه هذا السبق الحسن..!!
رابعاً: ثمّة أجهزة رسمية كثيرة تعمل تحت ولاية الحكومة أو هكذا يُفترض، وإن كانت ليست ضمن نظاق الخدمة المدنية بل ضمن نطاق الخدمة العسكرية والأمنية فلماذا لم تُقدم الحكومة مشروعاً لهيكلة رواتب العاملين فيها من أجل أن يستفيدوا من مثل الزيادات التي استفاد منها موظفو الخدمة المدنية كما تقول، وأيضاً من أجل ضبط النفقات المختلفة في هذا القطاع.. فهل تملك كوزير تطوير قطاع عام تقديم نظام لهيكلة رواتب العاملين في الأجهزة العسكرية والأمنية وليكن بمزايا أفضل من العاملين في قطاع الخدمة المدنية، بما يحقق هدف العدالة أولاً ويحقق وفورات للخزينة ثانياً..!؟
خامساًً، فإن العدالة لا تتحقق إلا من خلال التشريعات، ولا يمكن بحال أن نحقق العدالة إذا كنا نخالف التشريعات، وأنت تعلم أن نظام الخدمة المدنية الجديد يتعارض في بعض أحكامه مع نصوص قانونية لبعض المؤسسات، كما تتعارض بعض نصوصه مع نصوص دستورية، وهناك آراء قانونية لرجال قانون معتبرين تؤيد هذا الاتجاه (راجع دراسة د. محمد الحموري – الدستور 2/1/2012)، ومع ذلك أصرت الحكومة على المضي بمشروعها، ولم يصدر عنها أي ردّ يوضح وجهة النظر القانونية المفنّدة للآراء القانونية التي طُرحت حول عدم جواز سريان نظام الخدمة المدنية على بعض المؤسسات، ومنها مؤسسة الضمان الاجتماعي لأسباب دستورية وقانونية وموضوعية، فكيف يمكن أن تتحقق العدالة عبر مخالفة الدستور والقانون، وتغيير منحى مؤسسة قائمة منذ 33 عاماً وتحمل عبئاً كبيراً عن الحكومات يتنامى عاماً بعد عام، دون تحميل الخزينة العامة للدولة أية كلف مالية، في الوقت الذي نرى فيه دولاً تتحمل موازناتها الكلف التشغيلية لمؤسسات الضمان الاجتماعي من رواتب موظفيها وغيرها، أو تقوم بدعم صناديق هذه المؤسسات بجزء من عوائد الضرائب لتمكينها من القيام بدورها في حماية المواطنين وتعزيز التأمينات والمزايا والرواتب التقاعدية لأبناء المجتمع وضمان مستقبلهم على أكمل وجه..!!؟
أخيراً، فإن أخطاء الماضي، إذا كنتم تسمونها أخطاء، يجب أن تتحملها الحكومات والتشريعات التي جاءت بها، ويجب أن تكون هناك محاسبة وضمانات لعدم الوقوع في أخطاء وخطايا أكبر، ومن المهم أن تعرف الحكومة أن العدالة التي تسعى إلى تحقيقها، تفرض عليها احترام كامل الحقوق المكتسبة للناس المادية والمعنوية، إ ضافة إلى مراعاة ضمان عدم التدخل بمؤسسات ليست حكومية، وإن كانت ذات ولاية عليها من خلال إداراتها، فما من مواطن صادق ومخلص إلاّ ويحب أن يرى حكومة وطنه قوية عادلة تعمل بجد وإخلاص لرفعة الوطن وخدمة المواطن.. لأننا نتكلم عن حكومة مملكتنا العزيزة.. حكومة المملكة الأردنية الهاشمية، تعمل في ظل سيد البلاد ورأس السلطات جميعها، ملك عربي هاشمي لطالما دعا حكوماته ووجّهها إلى ضرورة العمل على تحسين معيشة المواطن.. وليس إثقال معيشته وتنكيدها..!!
بقلم موسى الصبيحي
Subaihi_99@yahoo.com