اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

الخرائط المريضة وذاكرة النسيان

الخرائط المريضة وذاكرة النسيان
أخبار البلد -  
اخبار البلد - 
 

العالم آلةٌ هائلةٌ لا تتوقَّف عند التفاصيل. ذاكرته انتقائيةٌ وتتقن النسيان. لا يستطيع قطار الحياة انتظارَ الدول المريضة لتستكمل رقصة فصائلها. لا يستطيع أيضاً التعاملَ مع القواميس القديمة لميليشياتها. قدر القطار أن يتابعَ رحلته. الدول المريضة تبقى على الهامش. تفقد استقرارها ودورها وفرصها. لا يستطيع الخارج أن ينوبَ عن الأبناء في إبرام التسويات والحلول وبناء المؤسسات. هذه مسؤولية أبناء الخرائط أنفسهم مهما تصاعدت كراهياتهم ولمعت خناجرهم.
المشاعر الوطنية مشبوبة بطبيعتها. نرضع مع الحليب هذا الميلَ المفرطَ إلى المبالغة. ربما تحاول الدول الصغيرة أحياناً أن تعوّض بالأناشيد افتقارها إلى الثروات التي تستحق التسمية. هكذا تستحكم الأوهام في علاقاتنا ببلداننا وعلاقاتنا بالعالم. بلدنا فريد ومميز. حاجة داخلية وإقليمية ودولية. منارة ومنبر حوار. موعد بين الحضارات والثقافات وفرصة تلاقٍ. إنَّه رسالة أكثر منه دولة. جذوره ضاربة في أعماق التاريخ وإشعاعاته تشير إلى طريق المستقبل. لن يسمح العالم بهز استقراره أو انهياره.
لا أريدُ جرحَ مشاعر أي قارئ. لهذا أبدأ بلبنان. توهّم اللبنانيون أنَّ الخريطة الصغيرة حاجة ماسة للآخرين. عوَّلوا على مظلات بدت مثقوبة وحمايات تبدَّت غيرَ موجودة. صدَّقوا ابتسامات السفراء وعبارات المبعوثين. أين لبنان؟ موت هذا البلد لا يقلق العالم. لا ينام على ترسانة نووية أو على سلعة استراتيجية. وإذا سلَّمنا جدلاً بأنَّه كان حاجة ذات يوم فهو لم يعد كذلك. لقد فرَّط اللبنانيون في استقرارهم وفي دورهم وفي دولتهم وفي خبزهم أيضاً. يمكن العثور دائماً على جهة تعبر عن ألمها. أو رغبتها في المساعدة. لكنَّ التجربةَ الفرنسية الطازجة تظهر أنَّ الدولة اللبنانية ليست جدية في الخروج من جهنم.
لا وقت لدى العالم لانتظار لبنان أو الانشغال به. قطار العالم لا يتوقَّف للسؤال عن مستقبل رئيس أو وزير أو صهر أو طائفة أو حزب. ثم من قال إنَّ العالم مستعدٌّ لدفع ثمن إنقاذنا ما دمنا نصرُّ على التورط والغرق.
الوهم ليس اختصاص اللبنانيين وحدهم. العراقيون أيضاً جرَّبوا المشاعر المشبوبة والمبالغات. اعتقدوا أنَّ العالم لن يسمحَ لبلادهم بأن تغرقَ في دمها وانقساماتها، وأن تسقطَ تحت وصايات ومظلات. وعلى رغم امتلاك العراق موقعاً حساساً وثروة غير متواضعة تعايش العالم طويلاً مع الانهيار العراقي. أضاع البلد نهراً من الدم ونهراً من المال. من حسن الحظ أنَّ المسؤولين العراقيين يرفعون الصوت عشية الانتخابات لحض الناخبين على الاقتراع لما يرمّمُ الخريطة والدولة، ويعيد السيادة والاستقرار ويفتح الباب في اتجاه الازدهار.
السوريون أيضاً اعتقدوا لبعض الوقت أنَّ العالم لن يسمحَ لبلادهم بأن تغرقَ في بحيرات الدم والإرهاب. تحدَّثوا عن موقعها وهذا صحيح. وعن عراقة جذورها وهذا صحيح أيضاً. لكنَّ العالم تعايش مع سوريا الملقاة أمام سكاكين كثيرة. تدخَّل لوقف أخطارها على غيرها، ولم يتدخَّل لردع الخطر المحدق بأبنائها. من حسن الحظ أنَّ الكلام يزداد عن ضرورة ترميم السيادة السورية وعودة الاستقرار والمهجرين. لم يعد النظامُ مهدداً بالسقوط أو بأخطار داهمة. يستطيع المبادرة وإبداء مرونة تعيد سوريا ليس فقط إلى المشهد العربي، بل أيضاً إلى المشهد الدولي.
مثال آخر. لم تعد مشاهد أفغانستان تحتل شاشات العالم. انشغل العالم بها حين انتهى عقدان من الوجود العسكري الأميركي على أراضيها بانسحاب فوضوي. كان الارتباك واضحاً للآلة العسكرية الأكثر تطوراً في التاريخ. وكانت الخسارة من النوع الذي يتعذَّر إخفاؤه. ترك الأميركيون أفغانستان في عهدة حركة «طالبان» التي اقتلعوا نظامها قبل عشرين عاماً. لن يتردد بعض جنرالات الجيش الأميركي في الاعتراف بأنَّ الحرب الأميركية في أفغانستان انتهت بالهزيمة.
خلال الانسحاب الأميركي المرتبك للقوات الأميركية كُتب الكثير عن أفغانستان. قيل إنَّها الأرض التي سقت الإمبراطوريات الغازية أقسى أنواع السم. وكتب عن عناد أهلها المتحصنين بمعاقلهم الجبلية واستعدادهم للموت دفاعاً عن هويتهم ومعتقداتهم. حُكي أيضاً عن حساسية الموقع الجغرافي على حدود باكستان وإيران وقربها من الهند والصين في زمن تنسج فيه السيناريوات للمستقبل الآسيوي للعالم. وقال معلقون إنَّ ثروة أفغانستان من المعادن ستغري «الإمبراطور» الصيني، وتدفعه إلى رسم محطة أفغانية لمبادرة «الحزام والطريق» التي أفردت مكاناً مميزاً لباكستان.
احتلت أفغانستان الشاشات لأيام ثم غابت حين أكمل الأميركيون انسحابهم وابتعدوا. لا أحد يناقش في حق الأفغان بالتغني ببلادهم أسوة بما تفعله معظم شعوب الأرض، لكن الأكيد هو أنَّ العالم لا يتوقف طويلاً عند القصائد الوطنية والمبالغات الشعرية. ببساطة يستطيع العالم أن ينسى أفغانستان وأن يعيشَ من دونها. سيعثر دائماً على منظمات إنسانية تلفت إلى معدلات الفقر والمخاوف من المجاعة والأمراض، أو إلى أسلوب معاملة النساء وحقوق المرأة. لكن هذه الأصوات لن تنجح في إعادة افغانستان إلى واجهة الاهتمامات الدولية. سيتذكر العالم أفغانستان إذا عادت فجأة مصدر خطر على جيرانها والعالم. سينساها ما دامت مجرد خطر على نفسها.
كان الصوماليون يعتقدون أنَّ العالم لن يتركهم طويلاً في عهدة تفكك مفتوح على حروب الميليشيات والمناطق والجوع والهجرة والقرصنة. قرأوا في الكتب القديمة عن الموقع الاستراتيجي لبلادهم وتوهموا أنَّ الدول الكبرى لن تسمح بأنَّ تتحول المأساة الصومالية بمذابحها وانفجاراتها جزءاً عادياً من المشهد الدولي. تعايش العالم مع التشظي الصومالي. الأخبار الوافدة من مقديشو لا تحتل الصدارة مهما كانت مؤلمة.
الأمثلة كثيرة. يرتكب أبناء الخرائط خطأ فادحاً حين يتوقعون ألا يسمح العالم بنحر خرائطهم أو انتحارها. هذه مهمة أبناء الخرائط والجريمة جريمتهم إذا وقعت. العالم آلة هائلة. قطار لا يستطيع انتظار صغار اللاعبين. قطار بذاكرة تجيد النسيان.

شريط الأخبار إدارة السير: 5 آلاف رسالة عبر خدمة "الإبلاغ عن مخالفة" في سند خلال 10 أيام وفاة الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم شقيق حاكم دبي 458 مستوطنا يقتحمون المسجد الأقصى محافظ البنك المركزي يفتتح اعمال المؤتمر العربي الإقليمي حول دعم التنمية والاستثمار في سوريا طرح عطاءات لإنشاء 4 مدارس جديدة بنحو 8.7 مليون دينار وزارة الداخلية: 673 ألف مستفيد من الخدمات الإلكترونية خلال 2026 إعلان أحذية يثير عاصفة غضب في أميركا.. والشركة تسحبه وتعتذر وسائل إعلام إيرانية تؤكد سفر بزشكيان إلى نيويورك الثلاثاء 9 أيام متبقية لتصويب أوضاع العمالة المخالفة.. وغرامة 800 دينار بانتظار المخالفين الضمان الاجتماعي يسمي علاء الدين ديرانية ممثل له في مجلس إدارة الضمان للاستثمار الذهب يتراجع محليا.. وعيار 21 يسجل 88.40 دينارا بدء توفير مطعوم الإنفلونزا الشهر المقبل ضبط مركبة تقل 14 راكبا في صندوقها على طريق المطار وفاة مؤذن المسجد الحرام الشيخ إبراهيم المدني قناة الجزيرة تفصل 24 صحفيا من غزة وردت أسماءهم في شكوى أميركية د. محمود السرطاوي: النظر إلى الناطقة الرقمية "فرح" ونشر صورها غير المحتشمة .. حرام شرعًا داهمها المخاض أثناء مناقشة الماجستير.. حامل بـ3 توائم تثير تفاعلاً واسعاً على السوشال ميديا الضريبة توضح ملابسات شيك بـ38 مليون دينار: لا فك للحجز ولا براءة ذمة انباء عن تراجع أسعار القهوة مصريون ينقذون شاحنة من أمام القطار.. ووفاة السائق هلعاً