تحاول الحكومة الأردنية الى جانب المؤسسات العسكرية والأمنية ومؤسسات القطاع الخاص ومراكز الدراسات والتفكير الاستراتيجي الوصول الى شكل السيناريوهات الأخيرة للتعامل مع أزمة كورونا بعد مرور فترة ليست بالقصيرة وتطبيق اجراءات تدابير الاحتواء واطلاق خططا تحفيزية مختلفة ، وهنا يأتي التساؤل الذي يردنا من المعنيين والمهتمين : متى نشهد انتعاشا وتعود الحياة العامة لطبيعتها ؟ وما هي السيناريوهات الأخيرة للتعامل مع الأزمة ؟ ومن هنا نورد ثلاثة مسارات محتملة حتى نهاية العام للتعامل مع تداعيات أزمة كورونا ومستوى الاستجابة المتوقعة نظرا لعدم اليقين في تطور المسار الوبائي لهذا العام .
المسار الأول " سيناريو تأثير محدد وتعافي أسرع " يفترض امكانية السماح باعادة مظاهر الحياة العامة وبطريقة مسيطرعليها باجراءات حكومية ويبدأ مع منتصف شهر أبريل / نيسان ، مع استئناف النشاط العام تدريجيا في شهر مايو / أيار ، حيث متوقع زيادة محدودة الى ثابتة في اعداد المصابين .
أما المسار الثاني " سيناريو تأثير أعمق واستعادة أكبر " وهو قائم على احتمالية حدوث ذروة على شكل زيادة الحالات المصابة وانتشار الوباء حتى منتصف شهر مايو / أيار بنسبة أعلى مما هي عليه في السيناريو الأول ، وهنا فان اعادة مظاهر الحياة العامة لن يكون قبل نهاية شهر يوليو / تموز ، بحيث يبقى التباعد الاجتماعي واجراءات الاحتواء الأخرى التي تتبعها الحكومة وتأثيرها يمتد خلال الربع الثاني والثالث من العام ، وبالتالي نكون أمام حالة تأثير أعمق لكن التدابير التنفيذية التي ستلجأ اليها الحكومة ستعمل على استعادة أكبر باجراءات مباشرة وغير مباشرة .
أما المسار الثالث " سيناريو التعافي من الانهيار او التأثير الممتد " ويفترض هذا السيناريو حالة انتشار بؤر واسعة للوباء وهنا ستلجأ الحكومة الى خطة استجابة أعلى وأكثر فعالية لحالة طوارئ قصوى ، حيث ستمتد آثار هذه الأزمة الى الربع الثالث والرابع من العام ، ويلاحظ هنا أن اعادة مظاهر الحياة العامة لن تكون قبل نهاية شهر أوكتوبر / تشرين أول ، ولا سيما استمرار اجراءات أكثر سيطرة في التباعد الاجتماعي وتدابير الاحتواء الأخرى وستمتد حالة الضعف في الأداء حتى نهاية العام وتنتقل آثارها للتعافي في الربع الأول من العام القادم 2021 .
الحكومة الأردنية تسعى جاهدة بالشراكة مع الأجهزة الأخرى أن تبقى في اطار السيناريو الأول وهو ما تتحدث به باستمرار ، وعلى الرغم أن هذه السيناريوهات الثلاث الأكثر تفاؤلا ، الا أنه مطلوب الاستعداد لأسوأ الاحتمالات المتوقعة وغير المتوقعة بسبب عدم اليقين في تطور المسار الوبائي – تم تجنب بحث أسوا الاحتمالات هنا - حيث أن التقديرات الاستراتيجية تشير أن يكون أحد التحذيرات هو افتراض محتمل الى حد كبير هذا التأثير للوباء كما كان خلال فترة انتشاره بشكل واسع لتجنب عودته في فصل الخريف القادم ، مما يعني اطالة مدة سياسات التباعد الاجتماعي وتدابير الاحتواء الأخرى ، وستكون هناك حاجة كبيرة الى اجراءات وقائية جديدة أعلى مع احتمالية ظهور مناعة " سياسة مناعة القطيع " من الفايروس بين نسبة كبيرة من السكان في أسوأ الاحتمالات ، وهذا يعني أننا تجنبنا تقييم المخاطر الاستراتيجية لسيناريو آخر حول احتمالية أن يكون هناك مستوى مرتفع من الحالات خلال فصل الخريف والشتاء من العام القادم . وهذا ما يدفع الحكومة الى مزيد من اجراءات الأحتواء المتشددة ومدى تجاوب المواطنين والمقيمين مع هذه الاجراءات ، تجنبا للوصول الى حال تأثير قسري على مختلف المستويات لا يمكن تعويضه "بالطلب المكبوت" لا سياسيا ولا اقتصاديا في وقت لاحق خلال العام .
يجد المتتبع هنا في تحليل هذه الحالة المأزومة على مستوى الممكلة بأننا أمام أربعة عوامل رئيسية للتخفيف من أسوأ الحالات المتوقعة خلال مستويات خطة التعافي التي وضعتها الحكومة والأجهزة المعنية ، أما العامل الأول فهو استمرار ادارة قوية وعلى أعلى درجات التنسيق والتفاعل للأزمة الصحية ذاتها ومدى تجاوب الناس معها ، العامل الثاني هو استخدام أدوات سياسة تنموية مشجعة ، والعامل الثالث تطبيق أدوات سريعة وجديدة للسياسات المالية للتقليل او تخفيف مخاطر الأزمة ، أما العامل الرابع فهو اعادة تشغيل حذرة لمظاهر الحياة العامة بمعايير سيطرة عالية لقطاعات الدولة .
جلالة الملك عبدالله الثاني أبن الحسين يوجه الحكومة الأردينة لمزيد من أدوات التحفيز الحكومي لمواجهة تداعيات أزمة كورونا ، وقد يتطلب هذا واستنادا الى قانون الدفاع ضرورة اصدار " قانون التحفيز الوطني " وربط هذا القانون بموازنة مالية محددة ومقدرة بشكل مناسب وتحديد "مصادر ذاتية " لتمويل خطة التحفيز للحالة بناء على التقديرات والمؤشرات المدروسة ، وبعد اجراء التقييم الشامل للتأثير القسري للأزمة ، وضرورة اعتماد نهج ثابت وقائم على أكثر احتمالات التأثير القائمة منها والمحتملة مستقبلا ، آخذين بعين الاعتبار بأن الأردن يملك أدوات متنوعة سياسية واجتماعية وغيرها قادرة على تجاوز هذه الحالة المأزومة باعتماد عنصرالاستدامة المتغيرة بأدوات داعمة للوطن لما بعد الأزمة .
*باحث ومحلل استراتيجي
*المدير العام للمركز الوطني للقيادة والتنمية المستدامة – عمان