أخبار البلد - د. محمد طالب عبيدات
يُقدّر البعض أعداد "النَوَر” لوحدهم والذين يقطنون العاصمة عمّان بحوالي مائة ألف نسمة، جُلّهم لا يحملون جوازات سفر أردنية أو حتى بطاقات شخصية، وهم جميعاً ينتشرون في أحياء عمّان الغربية والشرقية على السواء ويفترشون الأرض ويلتحفون السماء ولكن بخيمٍ لا تُسمن ولا تُغني من جوع، لدرجة أنهم باتوا يشكّلون مصدر قلق لأمانة عمان والسُكان على السواء نظراً لسلوكياتهم المُريبة والتي تؤثّر على نسيجنا الإجتماعي وأمننا المجتمعي وحتى منظر عاصمتنا ومدنيتها وأبعاد أخرى يدركها الجميع.
وبالرغم من البُعد الإنساني للموضوع والذي أستشعره شخصياً حيث لا مأوى ولا دخل سوى فُتات الحاويات ومدخولات بيع الخردة والتسوّل، إلّا أنهم أيضاً يشكّلون مصدر خطورة أمنية من حيث إنتشار السرقات وقضايا التهريب وربما المخدرات بالإضافة إلى رذائل بعض الأخلاقيات السلبية والتي تُحوّل تجمعاتهم السكانية لملاهي ليلية، وأصبحت تجمعاتهم السكانية مُخيفة ومُريبة ومُقززة حيث الأثر البيئي والبيئة العمرانية غير المقبولة والتي ينقصها أصول التخطيط العمراني والمبادئ والقيم العمرانية والتي أصبحت تؤثّر على منظر ونظافة وحضارية عاصمتنا وبعض مدننا كإربد بالشمال خصوصاً مما يعكس صورة سلبية للسياح ويؤثّر في ذلك سلباً، وبالرغم من أن بعضهم يُوفّر خدمات المياة والكهرباء وغيرها غير القانونية لديهم، مما يؤشر إلى أن هؤلاء الناس يتطلعون لإقامة دائمة على أرض ليست لهم وجُلّها للدولة –على أمل الإستيلاء عليها- وفي بيئة يلوثونها حيث يقطنون، وأن تجمعاتهم السكانية تَكبُر رويداً رويداً ليشكّلوا مصدر قلق للحكومة وللمواطنين على السواء في الحاضر والمستقبل.
في هذه البيئات العشوائية تنتشر الخردة ذات المناظر غير الصحية والبيئية العفنة والكلاب الضالة والحيوانات بكافة أنواعها، وربما ينتشر ما لا نحمُد عُقباه، وكأن التجمعات هذه أصبحت مناطق موبوءة وغير صحية بالمعنيين العادي والمجازي، ولم تَعُد تسرّ أحداً قلبه على وطنه.
ربما أتفهّم وضع المحيط العربي والزيادات المطّردة للنمو السكّاني ونشأت بعض العشوائيات كنتيجة حتمية لذلك، لكنني هنا بالطبع أفصل بين عشوائيات ما قبل الربيع العربي وبعده، وأتفهّم أيضاً موضوع الهجرات الداخلية والخارجية والزيادات السكانية والعمليات التنموية وإختلال التوازن السكاني، وأتفهّم ضرورة إنشاء مناطق حضرية لهؤلاء على غرار ما جرى في المملكة المغربية الشقيقة ولو بالتدريج. لكنني في ذات الوقت أخشى لاحقاً من عدم قدرتنا على مواجهة الزيادة الكبيرة لهؤلاء لدرجة أنه ربما نصل لمرحلة لا نستطيع معها حل مشكلاتهم أو توفير إسكانات وأماكن شعبية ملائمة لهم، وخصوصاً أن أسعار الأراضي بإطّراد وهم لا يقوون على إمتلاكها.
نحتاج بالطبع لتضافر جهود كل المؤسسات لحل المشاكل الناجمة عن تواجد العشوائيات بعمان أولاً ومن ثم في كل مناطق ومدن المملكة، وهذه المؤسسات تحديداً وزارات الداخلية والبلديات والتنمية الإجتماعية والمياة والطاقة والأشغال العامة والإسكان والوزارات الخدمية والشركات العامة الخدمية ومؤسسة الإسكان والتطوير الحضري وأمانة عمّان الكبرى وبلديات المملكة كافة، ويتم ذلك بوضع خطتين الأولى قصيرة الأمد والثانية طويلة الأمد، ففي الخطة قصيرة الأمد والتي يجب أن تتم فوراً ودون تأخير نأمل أن يتم ترحيل هؤلاء إلى خارج حدود التنظيم والمناطق الحضرية لنُضفي على عاصمتنا جمالية خاصة ونُخلّصها من هذه البؤر والمكاره الصحية والبيئية، وفي الخطة طويلة الأمد يتم تخصيص أراضي لهم من أراضي الدولة البعيدة عن التجمعات السكانية وإيجاد مخططات شمولية لإستخدامات الأراضي وإيجاد مساكن شعبية إقتصادية، بحيث يتم ذلك تدريجياً ووفق إمكانيات الموازنة العامة للدولة ليتم إنخراطهم في نسيجنا المجتمعي دون آثار إجتماعية سلبية.
نتطلّع أن تبادر الحكومة بالإعلان اليوم وقبل الغد عن إجراءات لإستيعاب هذه الفئة من الناس إجتماعياً وإقتصادياً وترحيلهم فوراً خارج حدود المدن والأماكن الحضرية، وإيجاد مخططات بعيدة المدى لحل مشاكلهم ومشاكل الناس الذين حولهم والذين يُعانون منهم، فهلّا بادرت أمانة عمّان وعمدتها الأمين أخونا معالي أبي الليث بذلك فورا،ً لتكون النموذج المبادر في ذلك!
* وزير الأشغال العامة والاسكان الأسبق