د. نزار قبيلات ربما كان مجرد برنامج إذاعي يبث عبر أثير إذاعة الجامعة الأردنية، شأنه في ذلك شأن العديد من البرامج، بيد أنني وفي كل حلقة من حلقات برنامج "سيرة بحث" أخرج بحكايا جديدة وقصص سيريّة يمكن أن تكون مادة فلمية لو أتيح له أمر الدراما والسينما. فموضوع الكشف والبوح عبر الأثير الإذاعي لا يمكن أن يتم بسهولة ما لم تتهيأ له أجواء الدفء والارتياح، فقد استقبلت في ذلك البرنامج ما لا يقل عن ثلاثة عشر عالما وأستاذا هم الآن ضمن الكادر التدريسي للجامعة الأردنية؛ قَبلوا الدعوة ليقدم كل منهم شهادة إبداع وحق تتعلق بمنجزه العلمي ومدى صلته بالجامعة الأردنية؛ الحضن الأول والراعي الأبرز لمسيرة عطاء، فقد كان الحديث من خلف "المايك" عذبا تغلفه روح ندية تقرّ بولاء طبيعي غير مبتذل للجامعة الأردنية؛ سِرْوُها وعتباتها وحكايا الأدراج والعشق المرتحل، منهم من لم يصلوا خريف العمر بعد، ومنهم من ظل باسقا يغرق صوته شجيا وهو يغني ترتيل رحلة الحياة أمام مستمعي الإذاعة. فعدد الحاصلين على براءات اختراع وجوائز عالمية قيّمة كبير في الجامعة الأردنية، إذ يوجد حاليا في طاقم الأردنية أساتذة كبار تركوا نعيم الغرب ورغده لقاء أن يعودوا لموطنهم وجامعتهم من دون مقابل مالي يرصد، والشاهد على ذلك هو الأستاذ الدكتور علي نايفة الأستاذ المميز في الجامعة الأردنية – قسم الهندسة الميكانيكية الذي ترك أهم جامعة أمريكية تعنى بهندسة الفضاء وآثر العودة للأردن بعد ان نال أوسمة وجوائز عالمية جعلت العلماء الروس يلقبونه بالأسطورة، فالتحق بطلبٍ من رئيس الجامعة الأردنية بكادرها وهو الآن يشرف ويساعد طلبة الدراسات العليا في بحثهم ودرسهم، والمدهش في قصص الإنجاز تلك أن ابطالها عانوا الفقر والحرمان في طفولتهم، وشقوا درب الصعود بعناء وصبر مديد، فقد مرّ هؤلاء الأساتذة بأوقات عصيبة لم تنقص من طموحهم أو تحجّم أحلامهم، بل لم تبتلعهم الغربة أو تنسيهم حليب العودة للوطن، فجلّهم مبتعثون ويعوون مهمةً تركوا في مواجهتها متسلحين بالعزيمة والصبر، ولا غرو في أن بعض أساتذتنا حين كانوا على مقاعد الدراسة ومن شدة العوز والحاجة وقتذاك عملوا كـ "جليس أطفال" ليسدوا بذلك بعض فاقتهم، بل ان أحدهم كان يبيع "اللفيتة" والخبيزة على الطريق الرئيس حين كان طفلا بالكاد يخالجه طموح يتناها حد السفر لشواطئ المتوسط. ثمة الآن إنسان أردني قدير ويُشهد له في مجالات العلوم التطبيقية كما في غيرها، وهو الوقت الذي تحتاج فيه الأمة للوصول للنظرية العملية بديلا عن التنظير الشكلي وهو ما نملكه حقاـ لكن من يعلق الجرس، وينقذ بلدنا من هجرة العقول القادمة.