ليس معقولا أن لا يفلت مشروع او قرار في البلاد في السنوات الاخيرة من شبهة فساد، واعتداء على المال العام، حتى اصبح كل قرار او توجه او صفقة متهما حتى تثبت براءته.
آخر ما وصلت اليها الشبهات سجلات صندوق الضمان الاجتماعي للعاملين في وزارة التربية والتعليم، حيث احالها الوزير لهيئة مكافحة الفساد وديوان المحاسبة للتدقيق والتحقق فيما ورد فيها منذ تاسيس الصندوق وحتى الآن.
المصيبة الأكبر أن الوزارة المعنية بالتربية والتعليم طالتها ايضا شبهات فساد، فعلى ماذا بعد ذلك سنعتمد في بناء المنظومة الاخلاقية لابنائنا والجيل القادم.
في فترات ماضية طالت شبهات الفساد ادارات بعض الجامعات، كما طالت وزارة الاوقاف، والثقافة.. وهذه الايام تحوم شبهات وصلت الى هيئة مكافحة الفساد ذاتها، فقد ازدحمت بعض وسائل الاعلام بمعلومات ووثائق (لم يتم التحقق منها) عن شبهة فساد حول اراض تعود ملكيتها لرئيس الهيئة.
ليس هناك ما يُغضب الأردنيين جماعات وأفرادا، اكثر من ظواهر الفساد المرتبطة بعناوين معروفة جيدا لشركات استثمارية، ومصالح احتكارية واقتصادية واسعة وشخصيات رفيعة المستوى، خصوصا أن الوجه الآخر من الصورة يزدحم بالمشكلات والمآسي الاجتماعية والانسانية (مثل البطالة والفقر) الناجمة عن سياسات الاستغلال البشع وفقدان الشعور بالمسؤولية الوطنية والاجتماعية.
في فترة نشاط الحراك، وتحت الضغط الشعبي المتواصل لمحاسبة الفاسدين والمسؤولين عن هدر المال العام، ومن أجل استعادة الاموال المنهوبة للخزينة العامة للدولة، بدأت مرحلة جديدة من التعامل الرسمي مع الملفات الساخنة والأكثر تداولا. ومع هذا الفتح الجديد انقشعت غيوم كثيرة وانفجرت مطالب شعبية لفتح الأبواب على مصاريعها، فهناك عشرات القضايا التي يتوجب تناولها ومعالجتها في اطار إعادة الحقوق لأصحابها ومحاسبة المتسبّبين بحدوثها.
لا أحد ينكر حجم الارتياح العام للاستجابة للمطالب الشعبية بالكشف عن ملفات الفساد ومحاسبة المسؤولين، الذي سوف يريح اكثر ويسجل هدفا مباشرا في اجندة الاصلاح الشامل عندما تكون هذه المحاسبة علنية أمام الجميع من خلال وسائل الإعلام باطيافها كافة.
وسوف يتعزز يقين الاغلبية الساحقة بان معركة مواجهة الفساد قد انطلقت فعلا، عندما تأخذ هذه السياسة مجراها، وتُعتمد استراتيجية ثابتة في برامج عمل الحكومات، وأن لا تقتصر على إثارة زوابع، او تقديم ضحايا من الوزن الثقيل أمام الرأي العام، لاننا تعبنا من الحديث عن الفساد، ولا نرى فاسدين خلف القضبان.
يجب ان نتذكر بأن النجاح لن يكتب لمكافحة الفساد إلا إذا كانت مع الدعم السياسي الجدّي، ولا بد من أن تكون جهود مكافحة الفساد، بعيدة عن التشهير والتسقيط والتسييس.