بدر الدين بينو
لم يعد خافيا على أحد تأثر الأردن اقتصاديا واجتماعيا وأمنيا وبالتالي سياسيا بما تمر به المنطقة العربية من متغيرات على وجه العموم والدول المحيطة بالأردن على وجه الخصوص، وللحقيقة فإن الشعب الأردني قد دفع ولا يزال ثمنا باهظا كمضاعفات نتيجة لتلك التطورات والتي كان من أبرزها استقباله ما ينوف عن مئة ألف مواطن سوري وفدوا إليه ليسوا كسائحين ليرفعوا درجة الازدهار في قطاع السياحة ولا كمستثمرين لينعشوا الاقتصاد الوطني بل فارين من ديارهم طالبين الغوث والنجدة بعدما بات الخيار أمامهم حصرا بين اثنين، إما الموت أو الفرار طلبا للنجاة، وبالتالي فإن وصولهم في مثل هذه الظروف يعني حكما ضرورة العمل على سد حاجاتهم الإنسانية من خلال توفير مواد غذائية وتأمين الرعاية الصحية والخدمات التعليمية للمحتاجين ممن هم في سن التعليم، ويضاف إلى كل ذلك توفير الرعاية الأمنية لتفادي تعرضهم للمخاطر والتي قد يكون بعضها بسبب قسوة الطبيعة كالتي مرت بها المنطقة عند استضافتها للعاصفة الثلجية القطبية اليكسا وبعضها الآخر لأسباب سياسية ذات طبيعة عنفية وما قد ينتج عنها من وفيات وإصابات قد تكون بسيطة أو بليغة.
التفاؤل بالنسبة لجميع الدول في الشرق الأوسط بعامة أصبح ضربا من الخيال بخاصة أن أعداء الأمس قد أصبحوا حلفاءَ اليوم، وعكس ذلك صحيح بعد التقارب الأمريكي الإيراني وتراجع شعبية رجب طيب أردوغان ووقوفه على حافة الإشكال السياسي بعد كشف المستور من الفساد في بلده، إضافة لما مرت به مصر من وصول الإخوان المسلمين لسدة الحكم في مصر ونزولهم عنها والذي كان مفاجئا لكثيرين من غير ذوي الخبرة في العمل السياسي وبالتالي استمرار تأثرنا بانقطاع الغاز المصري نتيجة الأحداث التي تقع في مصر الشقيقة والجارة، فهل لدى رئيس وزراء عادي القدرة على التعامل مع الأزمات التي يواجهها أو سيواجهها الأردن بسبب المتغيرات المفاجئة في الدول العربية المجاورة على وجه الخصوص والدول العربية الأخرى والعالم على وجه العموم؟ أعود لأذَكِّر بما مر به الأردن من ظروف تطلبت تشكيل حكومة طوارئ فأشير على سبيل المثال لا الحصر إلى حقبة الخمسينات والتي تطلبت في مرحلة ما تشكيل حكومة طوارئ مدنية، في حين أنه وفي العام 1970 تطلب الأمر تشكيل حكومة طوارئ عسكرية، فما هي هوية حكومة الطوارئ التي اقترحها الدكتور معروف البخيت في محاضرته الاخيرة في مركز الدراسات بالجامعة الاردنية ؟ هل هي عسكرية أم مدنية ؟
أجدني مضطرا لتناول مسألة ذات أهمية أمنية فأشير إلى مشروع المفاعل النووي لتوليد الطاقة والذي بدأ يشغل الرأي العام الوطني أيضا، فمنهم من هو معارض لإنشاء هذا المفاعل النووي ومنهم من يؤيد إنشاءه، دون أن يدري لا المؤيدون لهذا النوع من المشاريع ولا المعارضون أن له بُعْداً أمنياً وبالتالي عسكرياً، إن مثل هذا النوع من المشاريع لا تحتمل الخطأ، فهل يجوز اتخاذ قرارات بشأن مثل هذه المشاريع من قبل حكومة عادية في ظروف غير عادية أم أن تأجيل مثل هذه القرارات وتركها لحكومة طوارئ هو الأولى لتدرس من الاحتمالات أسوأها وتتخذ من القرارات أدقها بهدف تجنيب الشعب نتائجها الكارثية المؤكدة فيما لو نفذت، ولهذا الموضوع مقال آخر بإذن الله. إن موافقة أو رفض مجلس النواب لمثل هذا النوع من المشاريع في الظروف العادية لا تكفي بل إن ما تحتاجه هو دراسة أسوأ الاحتمالات كما أشرت وفي كل الظروف الفنية والاجتماعية والسياسية وهو ما يؤكد أن الحكومة الحالية قد دخلت مرحلة التخبط في اتخاذ قراراتها وأن تشكيل حكومة طوارئ قد باتت مطلبا وطنيا. أذكر ولغايات التوضيح أن ظرفا استثنائيا قد يمر به الأردن عند تعامله مع المفاعل النووي إذا ما كتب له البروز على أرض الواقع، فمثلا ماذا ستفعل الحكومة أيا كان رئيسها إذا ما تلقت طلبا لا يمكنها الموافقة عليه لتـَعَارُضِه مع مصالح وطنية عليا، وهدد صاحب هذا الطلب إذا ما تم رفض طلبه بقصف المفاعل النووي بصواريخ ذات مدى متوسط أو بعيد ؟ وهي متوفرة الآن بأيادي عديد من الجماعات الموصوفة بالتطرف الذي يستخدم العنف، فهل سترفض الحكومة في حينه الاستجابة لصاحب هذا الطلب وتضع البلاد والعباد تحت الخطر بسبب وفرة خمسة أو عشرة صواريخ بيد مثل هذه الجماعات والتي يمكن إطلاقها عن بعد لتهبط على هذا المفاعل وتكون النتائج كارثية، خاصة وأن الحصول على صواريخ متوسطة المدى 15 – 25 كم قد بات أمرا سهلا في هذه الظروف التي تعيشها منطقتنا العربية، أم أنها ستستسلم لأعداء الوطن بذريعة تجنيبه كارثة نووية !!!
أن قرارا بوقف العمل بالمفاعل النووي واستبداله بمصادر طاقة تكون أكثر سلامة هو الأفضل. لا شك اننا نعيش في خطر ولا شك اننا بحاجة لحكومة طوارئ مؤهلة للتعامل مع تطوارت العنف المتزايد في المنطقة كالتي شهدناها ولا نزال وتفتح ابوابها للجميع لتسمع منهم تقديراتهم للظروف الخطرة واقتراحاتهم في كيفية التعامل مع هذه المخاطر، انا متيقن أنه لا توجد الآن جهة رسمية على استعداد للاستماع لمواطن عادى لديه رؤية للأخطار المحتملة الوقوع في المستقبل والتي يراها يقينية الوقوع ويرغب في التحذير من مخاطرها المحتملة في حين أن أي حكومة طوارئ سوف تكون مستعدة للاستماع لأي مواطن تكون لديه معلومة ذات أهمية أمنية على مستوى الوطن ولا يجوز التصريح بها في العلن .