فيما يشبه التراجع عن المواقف السابقة او مراجعتها، طرح زكي بني ارشيد نائب المراقب العام لجماعة الاخوان المسلمين مبادرة تفصيلية حول ضرورة استئناف التعاون والتنسيق بين الحركة الاسلامية والاحزاب والقوى القومية واليسارية.
هذه المراجعة/ المبادرة تضمنت عدة محددات ابرزها:
- منع التناقضات الداخلية من البروز أو المصادمة وعدم الانجرار إلى فخ الحروب البينية التي تستهلك جهد الأمة وطاقاتها، والبعد عن إثارة مواطن التنازع الداخلي مهما تكن أسبابه وأسسه سواء أكانت مذهبية أو طائفية أو فكرية أو سياسية 'ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم'.
- إدارة الإختلافات بين مكونات الأمة بحكم الواقع الجغرافي بإستثناء إسرائيل، وبين مكونات الدول الإسلامية بطريقة الحوار والتفاهم والتعاون أو الإعذار، وتجنب التعصب للرأي أو المذهب أو التنظيم، وإدراك أن الاختلاف طبيعة بشرية لم تسلم منه أمة أو مجموعة من الناس، وتجنب فكرة إثارة الصراع الطائفي وأن إيران هي العدو الأول في المنطقة.
- التناقض الرئيسي مع المشروع الصهيوني وهو الذي يشكل الخطر الحقيقي الدائم على الأمة العربية والإسلامية وجوداً ومستقبلاً، وإدراك أنه، أي المشروع الصهيوني، يشكل العائق المعطل لأي مشروع نهضوي في المنطقة، الأمر الذي يستوجب رد الاعتبار للقضية الفلسطينية في لحظة التهديد المتزايد للمسجد الأقصى الذي يشكل عنوان الصراع وجوهره والتأكيد على مركزية القضية الفلسطينية في الصراع مع إسرائيل.
جاء ذلك في ندوة عقدها مركز دراسات الشرق الاوسط الاسبوع الماضي تحت عنوان 'تداعيات الازمة السورية على الاردن' بمشاركة العديد من الشخصيات السياسية والاكاديمية التي اجمعت على ان التعامل مع الازمة السورية ابرز محدودية دور مجلس الامن الدولي والامم المتحدة، وفي المقابل ابرز دور روسيا على المستوى الاقليمي والدولي فضلاً عن انه كشف فشل النظام العربي في التعامل مع هذه الازمة.
وكان زكي بني ارشيد قد مهد لطرح مبادرته التصالحية بالاشارة الى ان الموقف الرسمي الاردني تجاه الملف السوري تحدده مجموعة متناقضة من الاعتبارات المحلية والإقليمية والدولية، وهو موقف يراوح بين الانسجام مع موقف جامعة الدول العربية الذي اعترف بائتلاف المعارضة بديلاً عن النظام، وبين الاعتبارات المحلية التي راعت تداعيات ذلك الموقف على المستويات المختلفة ومن بينها الموقف الأمني، ووجود التيار القومي واليساري الأردني الذي أيّد النظام السوري، في مقابل موقف التيار الإسلامي الذي أيد المعارضة السورية. كما أن الموقف الرسمي الأردني تأثر بالموقف الخليجي والأمريكي المؤيد لتغيير النظام السوري، لذلك بدا الموقف الأردني متردداً وغير واضح، وربما عن قصد، لأنه كان ولا زال يحاول أن يرضي جميع الأطراف المتناقضة بما في ذلك الاستعداد للضربة العسكرية الأمريكية فيما لو حصلت.
وفي السياق ذاته، أكّد بعض المشاركين على أن تخوفات النظام الرسمي الأردني من احتمالات سقوط النظام السوري أو بقائه قد أسهمت في إرباك المشهد السياسي الداخلي ومسيرة الإصلاح، كما أشار بعض المداخلين إلى أن الآثار المتوقعة للأزمة السورية ستؤدي إلى اختلال كبير في ميزان القوى الإقليمي لصالح إسرائيل، وهو ما سيترك أثره الكبير على أمن المنطقة وحل القضية الفلسطينية على حساب المصالح الوطنية الأردنية.
وفيما يتصل بالتداعيات السياسية للأزمة السورية على المستوى الشعبي في الأردن، ذهب زكي بني ارشيد إلى أن تناقض المواقف الشعبية تجاه الملف السوري أحدث انقساماً واضحاً في المواقف والاصطفاف، وأخذت المواقف بالتباعد إلى درجة يصعب فيها عودة الأمور إلى مستوياتها السابقة، وقد ترك هذا الانقسام آثاراً على كل مستويات التنسيق والتعاون بين القوى السياسية مثل لجنة التنسيق العليا لأحزاب المعارضة والمؤتمر القومي الإسلامي ومؤتمر الأحزاب العربية، وحتى المؤتمر القومي العربي لم يسلم من ذلك.
وعلى الرغم من ذلك، فقد شدّد بني ارشيد على أن النظرة المستقبلية والإستراتيجية في إدارة الصراع مع المشروع الصهيوني والرغبة في عدم العودة إلى مرحلة الصراع بين مكونات الأمة وتياراتها الرئيسة -الإسلامي والقومي واليساري-، يستوجب التوقف وإعادة النظر وإدارة الاختلافات والتعاون في المتفقات، خاصة أن هناك إجماعاً على جملة من المواقف والثوابت تلتقي عليها كل القوى والتيارات، ومن أبرزها: تأييد حق الشعوب بالحرية وتقرير المصير، وإدانة العنف وقمع الحريات، ورفض التدخل الأجنبي أياً كان مصدره أمريكياً أو روسياً أو أوروبياً أو غير ذلك.
وفيما تساءل بني ارشيد في ختام مبادرته - التي وصفها المراقبون بأنها بمثابة تراجع عن مواقف الحركة المتعنتة السابقة : هل يمكن ان نشهد تعاطياً جديداً يُفضي الى عودة أطر التعاون والتنسيق، فقد دعا المشاركون في ختام الندوة إلى الحرص على منع التناقضات الداخلية من البروز أو المصادمة وعدم الإنجرار إلى فخ الحروب البينية التي تستهلك جهد الأمة وطاقاتها، والبعد عن إثارة مواطن التنازع الداخلي مهما تكن أسبابه وأسسه سواء أكانت مذهبية أو طائفية أو فكرية أو سياسية. وأوصى المشاركون بضرورة التعامل مع تداعيات الأزمة السورية على البلاد بشكل مؤسسي وشفاف للتخفيف من تداعيات هذه الأزمة على البلاد، وحفظ الأمن الوطني والوحدة الوطنية.
|
|