الجدل حول نقطة البدء في الإصلاح السياسي ليس جدلا أكاديميا فحسب، لكنه قضية خلافية بين الحراكيين والإصلاحيين أنفسهم الذين يرى فريق منهم أنّ الإصلاح ينبغي أن يبدأ بالقيادة التي تُعتبر المحرك أو المولد لماكنة النظام السياسي والدولة ككل ويبني هذا الفريق حجته في هذا المنهج على أساس أنّه إذا صلح الراعي صلحت الرعية. من جانب آخر يرى فريق آخر أنّ الإصلاح يبدأ من القاعدة ومن الجماهير منطلقين من القول المأثور «مثلما تكونوا يولَّى عليكم». والحقيقة أنّ كلا المنهجين في الإصلاح يبدو له عيوبه ومثالبه، فالإصلاح من الأعلى، وتحديدا إصلاح القيادة، يبدو نظريا إلى حد كبير لكون هذا الإصلاح غير متفق على ماهيته وغير محددة مواصفاته، ناهيك عن مدى توفُّر النية الحقيقية والإرادة السياسية الصادقة للقيادة في تحقيق الإصلاح، فتجربتنا في الأردن تشير إلى أنّ الملك له فهم مختلف عن فهم كثير من مواطنيه لمصطلح ومضمون الإصلاح السياسي المنشود، فتارة رأيناه يخطو خطوات صغيرة متواضعة باتجاه إحداث بعض التعديلات الدستورية والإجراءات السياسية، وتارة رأيناه يتراجع خطوات كبيرة نحو الخلف متمسكا بأهداب الماضي وبقوانين متقادمة مثل قانون الصوت الواحد، إضافة إلى تكليف رؤساء حكومات أقل ما يمكن أن يقال فيهم أنّهم ليسوا إصلاحيين وليسوا قياديين، وهم أقرب لأن يكونوا موظفين بيروقراطيين يتقنون فن تنفيذ الأوامر دون أن يكون لهم رؤيا أو ميزات قيادية تؤهلهم لإحداث إصلاح سياسي حقيقي في الدولة الأردنية. ولم يستطع الملك على مدار السنتين الماضيتين أن يتجاوب مع أماني وطموحات الأردنيين المتمثلة في تعديل جوهري على قواعد اللعبة السياسية، بحيث تتيح للأردنيين حكم أنفسهم بأنفسهم وإنفاذ الدستور الذي يعطي الولاية العامة للحكومة. الملك أوعز بإجراء تعديلات دستورية على كثير من مواد الدستور التي نحن لسنا بحاجة لتعديلها في حين لم يجر الاقتراب من المواد الرئيسية الثلاث في الدستور 35،34،36 والتي تجعل من الملك حاكما شبه مطلق يملك الأرض ومن عليها. الدستور الأردني دستور متناقض في مواده التي تعطي الملك الحصانة أمام القانون وتعفيه من المثول أمام المحاكم في الوقت الذي يمنح الدستور الملك الحق في رئاسة الجيش والقوى الأمنية وحلّ البرلمان واختيار رئيس الحكومة وإقالة الحكومة واختيار أعضاء مجلس الأعيان وغير ذلك، فكيف يتمتع الملك بالحصانة ولديه كل هذه الصلاحيات الدستورية ناهيك عن ممارسته على أرض الواقع لمهام واتخاذه قرارات كثيرة وفي مناحي شتى دون أن يكون مسؤولا عن تبعاتها!
أمّا بالنسبة للإصلاح من القاعدة، أو بمعنى آخر إصلاح الشعب، فهذا منهج يحتاج إلى وقت طويل وقد يستغرق عدة عقود أو أكثر من نصف قرن، فإحداث التغيير في الجوانب القيمية والمنظومة الفكرية والثقافية للمجتمع يحتاج إلى أجيال عديدة وهو تغيير يصعب ضبط إيقاعه والتحكم بتوجهاته. كثير من الأنظمة والقيادات السياسية في الدول النامية تهتمّ بهذا النهج وتؤكّد عليه وتسمية أسماء عديدة مثل التغيير التدريجي وتأهيل المجتمع للممارسات الديمقراطية وغير ذلك من المسميات المنمّقة التي على ما يبدو أنّها تخدم هذه القيادات وتطيل في فترة تحكُّمها بمصير المجتمعات والإفادة من مواردها. في الأردن على سبيل المثال تم التأكيد غير مرّة على التدرج في الإصلاح، كما أكّد الملك في مقابلة تلفزيونية في الولايات المتحدة على أنّ الأردنيين غير جاهزين للديمقراطية وأنّهم ما زالوا لا يميّزون بين اليمين واليسار السياسي، وليس لهم رؤيا واضحة في مجالات الفقر والبطالة والصحة.
نقول أنّ الإصلاح السياسي في الأردن لا يمكنه أن ينتظر عقودا طويلة ليحدث، خصوصا ونحن نرى دولا مثل المغرب قد أنجزت الإصلاح في وقت قياسي. لا يستطيع الأردنيون أن ينتظروا ثلاثين عاما ليورث الملك نجله ملكية بشكل ونكهة مختلفة. الأردنيون يريدون إصلاحا يبدأ بصلاحيات الملك ومحيطه وأسلوب إدارته لشؤون الدولة. نعم الأردنيون يريدون إعادة كتابة دستور جديد ودون صلاحيات كبيرة للملك في إدارة البلاد. القيادة السياسية الفعّالة تستطيع تقصير الوقت الذي يستغرقه الإصلاح السياسي كما تستطيع الإبقاء على هذا الإصلاح سلميا من خلال التجاوب مع طموحات الشعب وتطلعاته. الإصلاح السياسي لا يمكن أن يحدث بإجراءات شكلية وصورية يغلب عليه الصفة الاستعراضية والتمثيلية كتلك التي شهدناها وما زلنا نشهدها في قيام الديوان بتشكيل كتل من النواب ليتم التفاوض معها في اليوم التالي!
نعم الإصلاح يبدأ بصلاحيات الملك وديوانه وتعديل الدستور وقانون الانتخاب ومحاكمة المشتبه بفسادهم الذين يحتمون بالعائلة المالكة ممّن دمّروا الموازنة ونهبوا الثروة الوطنية. الملك يستطيع أن يقود الإصلاح السياسي إذا أراد وأخلص النيّة في ذلك، فالأردنيون لم يعودوا قادرين على انتظار الإصلاح من القواعد ومن الشعب، فهذا مشواره طويل وغير مضمون وقد لا يُبقي الفاسدون شيئا في الوطن نصلح من أجله إذا كان هذا الإصلاح يحتاج إلى خمسين أو ستين عاما من .الزمان
بقلم:د. أنيس خصاونة