أخبار البلد
في التطورات الاخيرة التي اقحمت مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين في أتون الأزمة السورية مؤخرا، كتبت الكاتبة الاديبة والمترجمة د.حياة الحويك عطية مقالا لها في الزميلة العرب اليوم تحدثت فيه عن واقع الحادثة من منظور تحليلي سلس، وضعت خلاله بؤرة الحدث على مفصل الضوء ليتم قراءة الحدث بصورة اكثر ايضاحا ، ننشره تاليا لأهميته :
من البارد إلى اليرموك
من جديد تحيلنا أحداث مخيم اليرموك في سورية إلى مبدأ أساسي يتبلور عندما نقارب الأمور من منطلق قومي: المخيم مقدس، لأن قضيته مقدسة، وخارج هذا الأساس لا قداسة لأحد. والتآمر على المخيم يوصف كذلك عندما تكون نتائج الأحداث التي تقع فيه ضارة بالقضية الفلسطينية – قضية الأمة.
بالمنطق القُطري سيقول الجميع: لا نريد للفلسطينيين أن يتدخلوا في الشأن الداخلي لدولة شقيقة، كما يقال إن على لبنان أن يمارس سياسة النأي بالنفس، ولا يقال كذلك لقطر التي يمارس رئيس وزرائها علنا دور الوصي على المطالبين بالتغيير، التغيير نحو تبعية مدفوعة الأجر محدودة الصلاحية. وبالمنطق القومي سنقول: إن على الفلسطينيين أن يقفوا على الحياد إذا ما رأوا أن الصراع الدائر، أي صراع، لا يترك آثاره في قضيتهم – قضية الأمة. وأن عليهم أن يتحركوا – سياسيا على الأقل – لتوجيه الأمور باتجاه مصلحة هذه القضية. وبالمنطق الواقعي سنقول ببساطة: لا نريد لمخيم اليرموك أن يؤول إلى ما آل إليه مخيم نهر البارد، ليس فقط على الصعيد الإنساني، لأن مسألة فلسطين ليست مسألة إنسانية نتجت عن زلزال أو طوفان، بل وعلى الصعيد السياسي المصيري المؤذي لقضية الأمة سواء فيها ما يتعلق بفلسطين أو لبنان أو سورية أو الأردن أو العراق. ولا نريد لفلسطينيي اليرموك أن يصبحوا في الخندق الذي يقف فيه من استضاف أمس القناة الثانية الإسرائيلية في شمال سورية وقال لمراسلها:
شارون في عيني.
لقد لعب بضعة أفراد بنهر البارد في وجه الجيش اللبناني، عندما كان هذا الجيش يتعرض لأقسى الضغوط الأمريكية لتغيير عقيدته القتالية، من العداء لإسرائيل إلى العداء للإرهاب ومكافحته، بما يتضمنه ذلك من فك لارتباط الجيش بالمقاومة وعملهما المشترك في مواجهة عدو فلسطين – عدو الأمة. لماذا؟ وباسم ماذا حصلت أحداث البارد؟ باسم فتح الإسلام ولجر الجيش إلى معركة لا مصلحة لأحد فيها إلا لإسرائيل. ومن الذي دفع الثمن؟ الجيش من خيرة شبابه ومغاويره وأخيرا في خير قادته وأشدهم ضد إسرائيل، ابن الجنوب المقاوم، فرانسوا الحاج. والفلسطينيون المساكين، سكان المخيم، الذين وجدوا أنفسهم من جديد في التهجير والعراء والبؤس الذي يسهل تجنيد بعض منهم في معارك دامية لا مصلحة لهم فيها.
اليوم تشتعل النار في اليرموك ، والرواية تختلف –من دون أن تختلف- فمن يقول إن جماعات أصولية من المخيم، من جبهة النصرة قد تحركوا وانتشروا في الأحياء وبين العوائل، وكمنوا إلى أن حلّت ساعة الصفر فانتشروا يسدّون مداخل الأحياء، ويشتبكون بالتالي مع مقاتلي الجبهة الشعبية، مما استدعى تدخل الجيش بالقصف، ومن يقول إن مقاتلي النصرة والجيش الحر لم يأتوا من الخارج وإنما هم خلايا نائمة من سكان المخيم نفسه وبقية السيناريو كما هي. سيناريو لا يختلف عما سمعناه من الذين جاؤوا من حلب بعد أحداثها، وعقدته أن الجيش النظامي يجد نفسه في هذه الحالة أمام عقدة بالغة الصعوبة تنجم عن طبيعة الصراع بين قوات حرب عصابات وقوات حرب نظامية، حيث لا يعود أمام الثانية في هذه الحال إلا القصف الجوي أو البري، وهو خيار صعب وسيئ لأنه يطال المقاتلين والمدنيين الذين يذوب المقاتلون فيهم كما السمك في الماء حسب نظرية ماو تسي تونغ التي تبناها أيضا بدقة مناحيم بيغن وأصبحت قاعدة ثابتة في حروب العصابات.
من هنا فإن الحريص على الناس – وهذا واجب – عليه أن يدعو إلى ما دعا إليه هيثم مناع مساء أمس، من إبقاء القضية التي تجمع كل العرب فوق صراعات العرب، دعوة لم تلبث أن لقيت تجاوبا فوريا من أسامة حمدان وأنور رجا بمداخلتين متعاقبتين.
لكنهما مداخلتان لا تلتقيان مع المبادرة الفورية التصعيدية من قبل خالد مشعل وياسر عبد ربه، حيث سارع الاثنان( وسبحان من جعلهما يتفقان مرة ) على إدانة الجيش السوري ودعوة " النظام السوري " إلى التوقف عن قتل الفلسطينيين – حسب تعبيرهما – في عملية تجييش واستفزاز لا تسعى إلا إلى صب الزيت على النار. وكأن الأول يسدد حسابات لقطر والثاني لأصدقائه الإسرائيليين الذين طالما نشر معهم مقالات مشتركة في الصحف الأجنبية، ووقع معهم مبادرات مشتركة في عواصم العالم، وتعايش معهم في ربوع فلسطين المحتلة، ذلك بينما كان فاروق الشرع يستفز الغضب الأمريكي، وحكم الإعدام الصهيوني وهو يرفض عام 2003 الشروط الثلاثة التي طلبها منه وزير خارجية الدولة المتربعة على عرش العالم، وكلها شروط تتعلق في نهاية مطافها بالقضية الفلسطينية: فك الارتباط مع إيران، فك الارتباط مع المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق، وإغلاق مكاتب المنظمات الفلسطينية في سورية، وعلى رأسها – وأهمها – مكتب السيد مشعل نفسه .
تم حجب التعليقات بناء على طلب الكاتب