زمان، لما كانت تصير وفاة في القرية أو الحي، كانت البيوت تعلن حالة حداد من تلقاء نفسها، دون تعميم أو طلب ، لا صوت راديو ولا تلفزيون، ولا ضحك مرتفع ولا زغاريد، وحتى مظاهر الفرح كانت تُخفّف احتراماً لمشاعر أهل الفقيد ، كان الحزن مسؤولية إنسانية يشعر بها الجميع، وليس مجرد شأن يخص أهل الميت وحدهم.
كانت الناس تحس ببعض، وتعرف أن للموت هيبة، وللعزاء حرمة، وللقلوب الموجوعة مشاعر يجب أن تُحترم.
أما اليوم، فقد تغيّرت بعض المفاهيم بصورة مؤلمة ، نرى حفلات وأعراساً صاخبة بالقرب من بيوت العزاء، وكأن شيئاً لم يحدث، وحين تعاتب أحداً تسمع الرد الجاهز: «اللي مات الله يرحمه، والبركة بالطيبين!»
نعم، الحياة تستمر، والأفراح لا تتوقف، لكن هل أصبح احترام مشاعر الآخرين عبئاً علينا؟ وهل وصلنا إلى مرحلة لم نعد نفرّق فيها بين حقنا في الفرح وواجبنا في مراعاة أحزان الناس؟
الحضارة ليست في المظاهر ولا في التكنولوجيا ولا في سرعة الحياة، بل في رقيّ الإنسان، وفي قدرته على الشعور بغيره واحترام وجعه.
ومعقول وصلنا إلى مرحلة «اللي استحوا ماتوا»؟! حتى أصبحنا أحياناً، عندما نشاهد بعض المقاطع والمواقف الصادمة، نحاول إقناع أنفسنا بأنها من إنتاج الذكاء الاصطناعي، لا من واقع غياب الذوق والإنسانية!
رحم الله أياماً كان فيها احترام مشاعر الناس من شيم الرجال، وكان الحياء عنواناً للأخلاق، وكان الجار يشعر بحزن جاره وكأنه حزنه.
لسنا ضد الفرح، ولسنا نطالب بإيقاف الحياة، بل نطالب بقليل من الذوق وكثير من الإنسانية ، فليس كل ما يجوز فعله يليق فعله.