أصبح إعفاء اليهود المتشددين (الحريديم) من الخدمة العسكرية عبئاً على بنيامين نتنياهو قبيل الانتخابات؛ فبينما يتصاعد الغضب من استثنائهم في وقت يخوض فيه الجيش حروباً متواصلة، يعتمد رئيس الوزراء في بقائه بالسلطة على أحزاب دينية تتمسك بهذا الإعفاء.
ويضع هذا التناقض نتنياهو أمام معادلة صعبة: الاستجابة لمطالب توسيع التجنيد قد تهدد دعم حلفائه الحريديم، فيما يؤدي الحفاظ على امتيازاتهم إلى تأجيج استياء إسرائيليين يرون أنهم يتحملون وحدهم أعباء القتال، بحسب تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية.
وامتد الخلاف من السجال السياسي إلى مواجهات في الشوارع، كان من أبرزها تصدي مئات الحريديم للشرطة العسكرية في مدينة موديعين مطلع أكتوبر/تشرين الأول الجاري، لمنع اعتقال شاب تخلف عن الخدمة. وجاءت الواقعة ضمن صدامات متكررة خلال الأشهر الأخيرة، تعكس اتساع الانقسام حول تقاسم الأعباء العسكرية داخل المجتمع الإسرائيلي.
جذور الإعفاء
يعود إعفاء طلاب المعاهد الدينية إلى السنوات الأولى لتأسيس إسرائيل، حين كان الحريديم أقلية صغيرة تسعى لإعادة بناء مجتمعها. لكنهم يشكلون اليوم نحو 14% من السكان، وقد تبلغ نسبتهم ثلث السكان اليهود بحلول عام 2050 إذا استمر نموهم بالمعدل نفسه.
ومع هذا التوسع، يتزايد الاعتراض على الإعانات التي تتيح التفرغ للدراسة الدينية، وتقدر بنحو 35 مليار شيكل سنويا، بالتوازي مع محدودية مشاركة كثيرين منهم في سوق العمل والجيش. ويرى منتقدو الإعفاء أن هذه الترتيبات تحمل بقية المجتمع أعباء غير متكافئة.
في المقابل، يخشى الحريديم أن تؤدي الخدمة العسكرية إلى إبعاد شبابهم عن تقاليدهم، ويعتبرون دراسة التوراة حماية روحية لإسرائيل. وقد ذهب الحاخام دوف لانداو إلى مطالبة الطلاب بمواصلة الدراسة حتى على حساب زيارة الجرحى وحضور جنازات الجنود.
وزادت حدة الخلاف بعدما أبطلت المحكمة العليا الإعفاء قبل عامين، بينما يشكو الجيش نقص الأفراد ويضطر إسرائيليون إلى أداء الخدمة لمئات الأيام. وأثار القرار احتجاجات واسعة ومحاولات لمنع اعتقال المتخلفين عن التجنيد.
مأزق انتخابي
يمثل الحريديم تقليديا حزبا "شاس" و"يهدوت هتوراة"، اللذان استخدما نفوذهما لعرقلة تنفيذ الحكم، ولوحا بإسقاط الحكومة. ومع احتياج نتنياهو إلى دعمهما، أصبحت حماية الإعفاء عبئا على ائتلافه، خصوصا لدى ناخبين يمينيين غاضبين من استمرار الاستثناءات خلال الحرب.
وتقول خبيرة استطلاعات الرأي داليا شيندلين إن التمسك بالإعفاء من أسباب عجز الائتلاف عن استعادة تأييده السابق؛ فبعد فوزه بـ64 مقعدا عام 2022، تمنحه الاستطلاعات حاليا بين 50 و52 مقعدا.
أما منافسو نتنياهو فيطالبون بإنهاء الإعفاء وقطع التمويل عن الرافضين للتجنيد. ويرفض منافسه الرئيسي غادي آيزنكوت استمرار ما يصفه بوجود "دولة داخل الدولة"، بينما ترسل الدولة أبناءها وبناتها للقتال.
تسوية صعبة
وسط الاستقطاب، ظهر "حزب الجمهور الحريدي" داعيا إلى إعفاء المتفرغين فعليا لدراسة التوراة، وإلحاق الآخرين بأطر عسكرية تحافظ على هويتهم الدينية. لكنه يواجه مجتمعا لا يزال معظم ناخبيه يتبعون توجيهات الحاخامات، فيما يستقطب إيتمار بن غفير بعض الشباب الباحثين عن بديل.
ولا يقتصر الرهان على تشكيل الحكومة، بل يمتد إلى طبيعة العلاقة بين الدولة والجماعات الدينية، وحدود التوازن بين الخصوصية الدينية والمساواة في الواجبات.
ومع غياب أغلبية واضحة، ستحدد المساومات شكل الحكومة المقبلة. لكن انتقال الأحزاب الحريدية إلى معسكر المعارضة يبدو مشروطا بتنازلات جدية بشأن التجنيد؛ وهي القضية التي يبني عليها خصوم نتنياهو وعودهم الانتخابية، وتجعل حلفاءه التقليديين جزءا من مأزق بقائه في السلطة.