ليست كل النجاحات تُقاس بالأرقام، فهناك نجاحات تُقاس بإنقاذ حياة إنسان، وتُكتب تفاصيلها بماء الذهب.
في العقبة، تعرّض شاب مصري لحادث مؤلم أثناء السباحة، أدى إلى بتر ساقه بواسطة قارب ، وفي تلك اللحظة الصعبة، بدأ سباق حقيقي مع الزمن؛ من الدفاع المدني الأشاوس والغواصين الأبطال، إلى الأطباء والممرضين والكوادر الطبية، وصولًا إلى إجراء عملية دقيقة لإعادة زراعة الساق، استمرت أكثر من ست ساعات.
هذه ليست قصة نجاح طبي فحسب، بل قصة أردنية تليق بهذا الوطن؛ قصة فريق عرف كل فرد فيه دوره، وتحرك الجميع نحو هدف واحد: إنقاذ حياة إنسان.
والأجمل أن المصاب لم يكن أردنيًا. لم يسأل أحد عن جنسيته أو أصله؛ فالإنسان أولًا، وإنقاذ حياته هو الأولوية. وهذه هي النخوة الأردنية التي يعرفها القريب والبعيد، وهذه هي صورة الأردن التي نريد أن يراها العالم.
وراء هذا الإنجاز رسالة تتجاوز العملية الطبية نفسها: الدول تتقدم عندما يوضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وعندما تكون المصلحة العامة فوق الاعتبارات الشخصية، وعندما تعمل مؤسساتها بروح الفريق والمسؤولية.
وفي مثل هذه النجاحات، لا بد من "مايسترو” يقود المشهد، وينظم الأدوار من لحظة الحادث وحتى اكتمال المهمة. وعندما يكون الإتقان هو عنوان العمل، بعيدًا عن الواسطة والمحسوبية، تكون النتيجة إنجازًا يرفع اسم الوطن.
ما حدث في العقبة يستحق أن نتوقف عنده؛ ليس للتصفيق لعملية طبية ناجحة فقط، بل لنقول إن الأردن يملك من الطاقات والكوادر ما يستطيع أن يصنع الفارق متى أُعطي أصحاب الاختصاص مساحتهم، وربطت المسؤولية بالإنجاز والمحاسبة.
وقد كان وقع هذا الإنجاز جميلًا في نفوس الأردنيين، ولا شك أن صداه كان أعمق في مصر العروبة، بين أهل المصاب وأقاربه، وهم يرون ابنهم يتلقى الرعاية في بلد شقيق لم يضع جنسيته أمام إنسانيته.
نرفع القبعات عاليًا لكل يد شاركت في هذا الإنجاز؛ للدفاع المدني، للغواصين، للأطباء، للممرضين، ولكل من كان خلف هذا العمل العظيم.
هذا هو الأردن الذي نعرفه ونريده ، أردن النشامى، أردن النخوة، أردن الإنسان… حين يعمل كما يجب، يصنع ما يستحق أن يُكتب بماء الذهب.