من خدمة الدين إلى خدمة التنمية

من خدمة الدين إلى خدمة التنمية
يوسف منصور
أخبار البلد -  
يثير الدين العام اهتمام الاقتصاديين ووزارات المالية عادة أكثر مما يثير اهتمام المواطن العادي. لكن الحقيقة أن الطريقة التي تُدار بها الديون العامة قد تكون أحد أهم العوامل التي تحدد مستوى النمو الاقتصادي، وفرص العمل، والاستثمار، وحتى جودة الخدمات العامة، وصولا الى التنمية (تحسين نوعية حياة الإنسان ورفع قدرات الاقتصاد والمجتمع بصورة مستدامة). لهذا، فإن ما حققته الحكومة أخيراً في كبح الارتفاع المتسارع في كلفة خدمة الدين يستحق التوقف عنده، ليس بوصفه خبراً مالياً مهما فحسب، بل باعتباره تطوراً مهماً في فلسفة إدارة المالية العامة.

 

يتمثل الخبر الإيجابي في أن الحكومة نجحت في تحقيق تقدم ملموس في إدارة الدين العام وتعزيز قدرتها على ضبط كلفة خدمته بما يدعم استدامة المالية العامة ويفتح المجال أمام توجيه مزيد من الموارد نحو الأولويات التنموية. ومع أن الدين العام يتطلب إدارة حذرة دوماً، فإن التحسن في مسار كلفته (خاصة وأن الدين الخارجي يشكل 30% من الدين العام) يمثل خطوة مهمة نحو وضع مالي أكثر قوة واستقراراً.

لا يكمن الإنجاز الحقيقي في انخفاض حجم الدين أو حتى انخفاض إجمالي فوائده، وإنما في نجاح الحكومة في كبح الارتفاع المتسارع في فاتورة الفوائد من خلال إعادة هيكلة بعض الالتزامات، وإعادة التمويل بشروط أفضل، وتحسين إدارة محفظة الدين العام. وقد تبدو هذه الإجراءات فنية ومتخصصة، لكنها تحمل آثاراً اقتصادية وتنموية واسعة تتجاوز حدود الموازنة العامة.

في الاقتصاد الحديث، لم تعد إدارة الدين تعني مجرد الاقتراض لتغطية العجز، وإنما أصبحت علماً قائماً بذاته يعرف باسم الإدارة النشطة للدين العام. وتقوم هذه الإدارة على تخفيض كلفة الاقتراض، وإطالة آجال الاستحقاق، وتنويع مصادر التمويل، وتقليل مخاطر إعادة التمويل وتقلبات أسعار الفائدة وأسعار الصرف.

وقد أصبحت هذه الممارسات جزءاً أساسياً من عمل وزارات المالية في الدول المتقدمة والناشئة على حد سواء. فلا تركز دول مثل السويد والدنمارك وتشيلي وأيرلندا على حجم الدين فقط، وإنما على جودة إدارته، لأن الدين الأقل كلفة هو دين أكثر استدامة، حتى وإن ظل حجمه مرتفعا نسبياً.

وهنا يبرز مفهوم اقتصادي بالغ الأهمية هو الحيز المالي، فكل دينار لا يُدفع كفوائد يمكن أن يتحول إلى دينار يُستثمر في مشروع إنتاجي أو خدمة عامة ويمنح الحكومة مرونة في التعامل مع المتغيرات في المنطقة. والحيز المالي لا يتحقق فقط من خلال زيادة الضرائب أو خفض الإنفاق، بل يمكن أيضاً أن ينشأ نتيجة الإدارة الأكثر كفاءة للدين العام.

فعندما تنخفض كلفة الاقتراض الحكومي، تزداد قدرة الدولة على توجيه مواردها نحو الإنفاق الرأسمالي بدلاً من الإنفاق الجاري. ويصبح بالإمكان تمويل مشاريع المياه، والنقل، والطاقة، والتحول الرقمي، والتعليم، والصحة، والابتكار الصناعي، وهي جميعها استثمارات ترفع إنتاجية الاقتصاد وتولد عائداً اقتصادياً واجتماعياً يمتد لسنوات طويلة.

لا يتوقف الأثر عند المالية العامة، فحين تنجح الدولة في تعزيز ثقة المستثمرين وإدارة دينها بكفاءة، فإن ذلك ينعكس لاحقا على كلفة التمويل في الاقتصاد كله. فالعائد على السندات الحكومية يشكل مرجعاً لتسعير أدوات التمويل المختلفة، وبالتالي فإن تحسن أوضاع الدين السيادي يساعد، مع مرور الوقت، على تخفيض كلفة الاقتراض أمام القطاع الخاص، وتشجيع الاستثمار،

وتقليل ظاهرة مزاحمة الحكومة للقطاع الخاص على مصادر التمويل، وهو ما ينعكس إيجاباً على النمو الاقتصادي.

نجاح هذه السياسة لا يُقاس فقط بمدى انخفاض كلفة التمويل، وإنما أيضاً بكيفية استخدام الوفورات التي تحققها. فإذا وُجهت إلى الاستثمار في البنية التحتية، والتعليم التقني، والبحث العلمي، والابتكار، والصناعة، والاقتصاد الرقمي، فإنها تتحول إلى محرك للنمو طويل الأجل، وترفع إنتاجية الاقتصاد وقدرته التنافسيه.

أثبتت تجارب العديد من الدول أن الإدارة الذكية للدين ليست سياسة دفاعية، بل سياسة هجومية تدعم النمو. فهي تخفض المخاطر، وتعزز الثقة، وتوسع الحيز المالي، وتمنح الحكومة قدرة أكبر على الاستثمار في المستقبل بدلاً من الاكتفاء بتمويل الماضي.

من هذا المنطلق، ربما آن الأوان لأن تتطور معايير تقييم السياسة المالية في الأردن. فغالباً ما ينصب الاهتمام على مؤشرات مثل حجم الدين العام، والعجز المالي، ونسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، وهي مؤشرات مهمة بلا شك، لكنها لا تعكس وحدها جودة الإدارة المالية. فالكثير من الدول المتقدمة أصبحت تقيس أداء مكاتب إدارة الدين العام بمؤشرات أكثر تطوراً، مثل متوسط كلفة الاقتراض، ومتوسط أجل استحقاق الدين، ونسبة الدين ذي الفائدة الثابتة إلى المتغيرة، ومخاطر إعادة التمويل، ومدى تنوع مصادر الاقتراض، فهذه المؤشرات تكشف مدى كفاءة إدارة الدين، وليس مجرد حجمه.

من المفيد أن تصبح هذه المؤشرات جزءاً من التقارير الدورية لوزارة المالية، وأن تحظى بالمتابعة نفسها التي تحظى بها مؤشرات العجز والدين، لأن الإدارة الكفؤة للدين أصبحت اليوم إحدى أهم أدوات السياسة المالية الحديثة، وعنصراً أساسياً في تعزيز الاستقرار الاقتصادي ودعم التنمية المستدامة.

الأردن، في ظل سعيه إلى تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي، يحتاج إلى هذا النوع من الإدارة المالية المتقدمة، فالإصلاح المالي الحقيقي لا يقتصر على زيادة الإيرادات أو ضبط النفقات، بل يشمل أيضاً إدارة الدين بوصفه أصلاً مالياً يجب تعظيم كفاءته، وليس عبئاً يُكتفى بخدمته.

السياسة المالية الناجحة ليست تلك التي توازن بين الإيرادات والنفقات فحسب، وإنما تلك التي تحول كل دينار يتم توفيره إلى قيمة مضافة جديدة للاقتصاد. وعندما يحدث ذلك، تصبح إدارة الدين بالفعل إحدى أدوات التنمية الاقتصادية، لا مجرد وسيلة لتمويل العجز، بل فرصة جديدة للاستثمار في الإنسان، وفي البنية التحتية، وفي الابتكار، وفي الصناعة.

شريط الأخبار تشخيص البابا ليو الرابع عشر بالسرطان يثير قلقاً في الفاتيكان عم معالي عمر ملحس رئيس مجلس استثمار أموال الضمان الاجتماعي في ذمة الله محافظ المركزي الإيراني: الحديث الأميركي عن انهيار اقتصادنا مجرد أوهام الحوثيون يتوعدون بمزيد من الهجمات على السعودية بعد استهداف مقر أرامكو إصابة 15 مغربيا بالعمى في طنجة إثر حقن علاجية والسلطات تفتح تحقيقا عاجلا بحث تنفيذ مشروع لرقمنة 23 خدمة لوزارة الأوقاف كم سيستغرق التحول الرقمي الكامل في المحاكم الأردنية؟... وزير العدل يجيب صمت الكباريتي كلام فصيح! ولي العهد يؤكد أهمية مواصلة تطوير خدمات وزارة العدل الأردن يتقدم للمرتبة الـ6 عربيا في المؤشر العربي للاقتصاد الرقمي ارتفاع فاتورة التقاعد نحو 3% خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026 إصابة مقيم عربي جراء سقوط شظايا صاروخ باليستي في الرياض 17.4 مليون حجم التداول في بورصة عمان الاتحاد الاردني لشركات التأمين يكرم "اخبار البلد" في مؤتمر GAIF 35 3 إصابات في انفجار مصنع جنوب "إسرائيل" ومخاوف من تسرب مواد خطرة بريطانيا: سجن أردني 72 أسبوعاً بعد ارتكابه 17 جريمة خلال عشرة أيام فراس سلطان الممثل السابق للقطاع المالي في تجارة الاردن مؤتمر (GAFI 35) نجح بامتياز والاتحاد الاردني وسميرات "ببيضوا الوجه" ارتفاع عدد المؤمن عليهم في الضمان إلى أكثر من 1.7 مليون مشترك عشيرة التل تصدر بيان تكشف فيه تفاصيل اختطاف ابنها: عرّوه وصوروه وكسروا جمجمته الجرائم الإلكترونية: القبض على محتال إلكتروني عن طريق بيع الهواتف الخلوية