في أدبيات الادارة العامة، يٌفرَّق بوضوح بين نوعين من نقل السلطة من المستوى الأعلى إلى المستوى الأدنى في الهيكل التنظيمي:delegation، وهو الذي ينقل صلاحية اتخاذ القرار فعلياً مع الاحتفاظ بالمساءلة النهائية لدى الجهة المفوٍّضة، وعدم النركيذ الاداريdeconcentration، التي تنقل الموقع الجغرافي لتنفيذ القراردون ان تنقل جوهر سلطة اتخاذه. المشكلة في المادة 63 وما يتصل بها من أحكام الاشراف والتفتيش، انها تٌبقي المشروع اقرب الى النموذج الثاني: توزيع جغرافي للتنفيذ مع احتفاظ المركز بجوهر القرار عبر اشتراطات الموافقة المسبقة
هذا الخلل ليس مجرد مسألة تصنيف نظري، فله كلفة تشغيلية حقيقية موثقة في ادبيات الادارة العامة المقارنة، فإذا كان كل قرار يحتاج موافقة مسبقة من جهة مركزية يضيف حلقة بيروقراطية اضافية، وهو ما يٌترجَم عمليا الى تأخر الخدمة، وتراكم المعاملات، وضعف الاستجابة لاحتياجات المجتمع المحلي الانية ( مثل الطوارئ البلدية، او الفرص الاستثمارية المحلية ذات النوافذ الزمنية الضيقة)
وحين يٌدرك الموظف والمسؤول المحلي أن قراره لن يٌنفّذ إلا بعد تصديق مركزي، تضعف حوفزه للمبادرة والابتكار الاداري، ويتحول سلوكه الى نمط "الاحالة الدفاعية" defensive referral، الذي يهدف الى تجنب المسؤولية اكثر من تحقيق الكفاءة
كما ان احتفاظ الوزارة بحق الموافقة على تفاصيلالقرارات المحلية في عشرات البلديات ومجالس المحافظات، فانها تٌحمّل نفسها عبئا تشغيليا يفوق طاقتها الاستيعابية الفعلية، مما يٌنتج تأخيرا مضاعفا وازدواجية في العمل، بدلا من الكفاءة التي بٌررت بها الرقابة اصلا
الحل من منظور الادارة العامة الحديثة يكمن في تطبيق ما يٌعرف ب" مصفوفة تفويض القرار" decision delegation matrix، وهي اداة ادارية تٌستخدَم في اعادة هيكلة الحوكمة المحلية، وتقوم على تصنيف القرارات الى ثلاث فئات:
*قرارات تنفيذية يومية؛ تبقى بالكامل ضمن صلاحية المجلس المحلي دون اي تدخل مركزي
*قرارات ذات تاثير مالي او استراتيجي كبير: (تتجاوز سقفا ماليا محدد مسبقا)، تخضع لإخطار مركزي لاحق ( post-notification) بدلا من موافقة مسبقة
*قرارات ذات اثر تشريعي او دستوري( كافرار الانظمة المحلية الخاصة) ، تخضع لتصديق مركزي مسبق فقط في هذه الفئة الضيقة
هذا التصنيف يحقق التوازن بين ضرورة الرقابة الادارية المشروعة وضرورة سرعة الاستجابة المحلية، وهو نموذج مطبق في العديد من تجارب اللامركزية الادارية المقارنة الناجحة
كذلك ينجم عن ذلك، غياب استقرار " دور القيادة المحلية" ( local leadership tenure stability
منح المشروع السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة نسبيا لحل المجالس المنتخبة وتعيبن لجان مؤقتة، دون سقف زمني قاطع او معايير اداء موضوعية محددة سلفا، ومن منظور نظرية الادارة العامة، استقرار القيادة (leadership continuity)، شرط اساسي لأي تخطيط استراتيجي محلي فعّال. فالمجالس المحلية شأنها شأن اي منظمة، تحتاج الى دورة تخطيط متوسط المدى ( ٣-٤ ينوات عادة) لتنفيذ مشاريعها التنموية والخدمية، وحين تكون هذه الدورة مهددة بالانقطاع المفاجئ عبر قرار حل اداري غير محكوم بمعايير اداء واضحة، فان الاثر الاداري يتجلى في عدة مستويات:
*لا يمكن لأي مجلس او جهاز تنفيذي محلي ان يلتزم بخطط استثمارية او تنموية تمتد لسنوات اذا كان مصيره التنظيمي غير مضمون خلال تلك المدة، مما يدفع الادارات المحلية نحو تخطيط قصير المدى، وهو نمط اداري معروف بضعف كفاءته التنموية
*كذلك، كل عملية حل واستبدال بلجنة مؤقتة تعني عمليا انقطاعا في تراكم الخبرة الادارية المحلية، واعادة تعلّم من الصفر لفريق جديد غير منتخب وغير مسؤول امام الناخب المحلي، مما يضعف جودة القرار علىزالمدى الطويل
*كذلك الموظفون في الاجهزة التنفيذية المحلية يعملون تحت قيادة مهددة بالحل وعدم الاستمرار، وهو ما ينتج حالة من عدم اليقين التنظيمي، تنعكس سلبا على الانتاجية والاحتفاظ بالكفاءات
ما يقترحه علم الادارة العامة هنا هو اعتماد نظام انذار وتصحيح تدريجي(progressive warning and corrective system)
بدلا من الحل المباشر كخيار اول، وهو نموذج مستخدم في انظمة تقييم الاداء المؤسسي، يكون هناك مرحلة انذار موثق مع خطة تصحيحية محددة المدة، فمرحلة اشراف اداري مكثف مؤقت دون تجميد كامل لصلاحيات المجلس، ثم الحل كخيار اخير فقط عند فشل المرحلتين السابقتين، مع الحفاظ في جميع الاحوال على سقف زمني الزامي لا يتجاوز س اشهر لاي لجنة مؤقتة ، تليها انتخابات جديدة تلقائيا
كذلك يوزع المشروع اختصاصات متداخلة بين المجلس البلدي ورئيسه، والمدير التنفيذي والمجلس التنفيذي ومجلس المحافظة والمحافظ والوزارة والوزير دون خط ابلاغ هرمي واضح، يخشى هنا ان تخلط الامور فليس هناك وضوح في وحدة القيادة والذي يعني بأن يكون لكل موظف او وحدة تنظيمية جهة اشراف واحدة واضحة لتفادي تضارب التوجيهات حين تتعدد جهات الاشراف على نفس الوظيفة او نفس القرار( كما هو الحال بين المدير التنفيذي والمحافظ والوزارة في بعض الاختصاصات المتداخلة) مما يؤدي الى نشوء عدة مشكلات ادارية موثقة:
قد يتلقى المدير التنفيذي المحلي توجيهات متعارضة من اكثر من جهة اشراف في آن واحد، مما يضعه في موقغ " الولاء المزدوج" الذي يعرقل التنفيذ
وعندها، حين يفشل مشروع محلي او تتأخر خدمة، يصعب تحديد الجهة المسؤولة فعليا عن الاخفاق بدقة، لأن كل جهة يمكنها الاحالة الى الاخرى، وهذا ما يٌعرف في ادبيات المساءلة الادارية ب"مشكلة الايدي الكثيرة"
كما ان كل قرار يحتاج تنسيقا بين عدة جهات اشراف يستهلك وقتا وموارد ادارية اضافية، وهي كلفة خفية غالبا ما تٌغفل عند تصميم الهياكل التنظيمية، لكنها تتراكم لتصبح عبئا تشغيليا كبيرا
دلت التجارب والخبرات الدولية ان المطلوب هو بناء "خارطة اختصاص" لكل عملية او قرار رئيسي في النظام المحلي، تحدد بدقة من هو المسؤول التنفيذي عن القرار ، ومن هو صاحب المساءلة النهائية عنه، وينبغي الا يتجاوز شخصا او جهة واحدة، ومن يجب استشاراتخ قبل اتخاذه. ، ومن يكتفي بابلاغه بعد اتخاذه. تطبيق هذه الاداة على هيكل المجلس البلدي والمحافظ والوزارة كفيل بحل جزء كبير من التداخل الحالي دون الحاجة لتغيير جوهري في توزيع الاختصاصات المكتوبة بل فقط في توضيح آلية ممارستها
يٌحمّل المشروع المجالس المحلية مسؤوليات تنفيذية وخدمية واسعة، دون ان يضع بالمقابل الية واضحة وقابلة للتوقع لتوزيع الموارد المالية والبشرية اللازمة لاداء هذه المسؤوليات
هذا من اكثر الاختلالات شيوعا في تجارب اللامركزية الادارية الفاشلة علميا، ويعرف في ادبيات الادارة العامة ب" فجوة التنفيذ" . حين تٌنقل المسؤولية دون الموارد المتناسبة معها ، تنشأ نتائج ادارية سلبية متعددة
كذلك يٌحاسب المجلس المحلي على نتائج ( خدمات، بمية تحتية، نظافة، توخيص) لا يملك فعليا الموارد الكافية لتحقيقها، مما يخلق حالة إحباط مؤسسي دائم ويٌضعف الثقة العامة بالمجالس المحلية دون ان يكون ذلك ناتجا عن سوء ادارة فعلي
وحين تكون الموارد غير مضمونة بمعايير ثابتة، تلجأ المجالس المحلية الى طلب دعم استثناىي متكرر من المركز، وهو ما يٌعيد انتاج التبعية المالية للمركز حتى لو مٌنحت استقلالية ادارية على الورق، ويٌفرغ اللامركزية من اثرها العملي
بما ان الموازنات غير القابلة للتنبؤ تجعل من المستحيل عمليا وضع خطط استثمارية بلدية متعددة السنوات، وهي اداة اساسية في الادارة المحلية
في هكذا حالات ، يقترح علم الادارة المالية العامة اعتماد " صيغة تمويل موضوعية" ، بحيث تحدد حصة كل وحدة محلية من الموارد بناء على معايير ثابتة ومعلنة سلفا ( عدد السكان، المساحة الجغرافية، مؤشر الحرمان التنموي، الكثافة السكانية، حجم الخدمات المطلوبة)، بدلا من ترك التوزيع لتقدير سنوي متغير، كما يٌنصح بتطبيق نظام " الموازنة القاعدية المرتبطة بالمخرجات"، والذي يربط التمويل بمستوى الخدمة المطلوب تحقيقه، لا فقط بحجم الانفاق التاريخي
من القضايا السلبية هو قيام المشروع بشكل اساسي على آليات الرقابة الاجرائية والامتثالية - التدقيق، التفتيش، الموافقات المسب- دون ان يوازيها بناء منظومة لقياس الاداء المحلي بمؤشرات موضوعية قابلة للقياس والمقارنة بين الوحدات المحلية
الخطورة هنا ان هناك تحول في ادبيات الادارة العامة الحديثة من نموذج " الرقابة على الاجراء" الى " القابة على النتيجة"، والسبب ان النموذج الاول يضمن الانتثال الشكلي دون ان يضمن بالضرورة جودة الخدمة او كفاءة استخدام الموارد، والاعتماد شبه الحصري على الرقابة الاجرائية في المشروع يعني عمليا ان مجلسا محايا قد يكون ملتزما حرفيا بكل الاجراءات الشكلية بينما يقدم خدمة متدنية الجودة، دون ان يوجد مؤشر رسمي بكشف ذلك او يحاسب عليه. كما ان غياب مؤشرات اداء موحدة يمنع المقارنة بين الوحدات المحلية، وهي اداة اساسية لتحفيز التحسين المستمر ونشر افضل المنارسات بين البلديات
يٌقترح هنا ان يٌلزم القانون بانشاء " لوحة مؤشرات اداء محلية موحدة" تٌنشَر دوريا وتشمل مؤشرات كمية قابلة للقياس ( زمن انحاز المعاملات، نسبة تحصيل الايرادات المحلية، جودة الخدمات الاساسية، مستوى الرضا المجتمعي) ، بحيث تتحول المساءلة تدريجيا من مساءلة اجرائية شكلية الى مساءلة قائمة على النتيجة الفعلية امام كل من المركز والمواطن المحلي على حد سواء، بما يقلل الحاجة الى الرقابة الاجرائية المسبقة المكثفة الحالية
باختصار، من منظور الادارة العامة، لا يكمن الحل في الاختيار بين " لا مركزية كاملة" و" مركزية كاملة"، با في تصميم نظام حوكمة متعدد المستويات يوزع الادوار بدقة، فالمجلس المحلي يقرر وينفذ ضمن اختصاصه الاصيل، والجهاز المركزي يضع المعايير الوطنية ويراقب النتائج لا الاجراءات، والموارد تتبع المسؤولية بصيغة موضوعية ثابتة، والمساءلة تٌبنى على مؤشرات اداء معلنة لا على تقدير اداري متغير، هذا التصميم المستمز منزافضل المنارسات في ادارة الحكومات المحلية عالميا، هو ما يجعل من الممكن الجمه بين هدفين يبدوان منعارضين ظاهريا: كفاءة الاداء المحلي من جهة، وسلامة الرقابة على المال العام من جهة اخرى، دون ان يطغى احدهما على الآخر كما هو الحال في الصياغة الحالية لمشروع القانون
