الحلقة السابعة عشرة من سلسلة استدعاء التاريخ السياسي والتوثيق الوطني: المجالس الوطنية الاستشارية (1978-1984) - المأسسة الرسمية لـ "نخبة التعيين"

الحلقة السابعة عشرة من سلسلة استدعاء التاريخ السياسي والتوثيق الوطني: المجالس الوطنية الاستشارية (19781984)  المأسسة الرسمية لـ نخبة التعيين
أخبار البلد -  

بقلم: د. أحمد زياد أبو غنيمة

توطئة:
تأتي هذه الحلقة السابعة عشرة ضمن سلسلة "استدعاء التاريخ السياسي والتوثيق الوطني" كجهدٍ بحثي يهدف بالدرجة الأولى إلى إضاءة الزوايا المفصلية في تاريخ الأردن الحديث، واستحضار السياقات التي شكلت وجدان الدولة ومؤسساتها. إن الغاية الجوهرية من هذا الطرح هي "التوثيق التاريخي" القائم على التحليل والمراجعة، بعيداً عن إصدار الأحكام التقييمية أو إخضاع الوقائع السياسية لتجاذبات المصالح وضجيج السياسة الراهنة. نحن هنا نسعى لقراءة الحدث في سياقه الزمني، وفهم ديناميكية بناء الدولة في لحظات التحول الكبرى، ليبقى التاريخ مرجعاً وطنياً جامعاً يتجاوز التفسيرات الضيقة.
**
المأسسة الرسمية لـ "نخبة التعيين" (هندسة الفراغ الدستوري):
لتعويض غياب السلطة التشريعية المنتخبة إثر استحقاقات قمة الرباط وتجميد البرلمان، توثق السجلات الوطنية قيام مؤسسة العرش بابتكار إطار دستوري بديل ومؤقت؛ حيث تشير وثائق (مركز التوثيق الملكي الأردني الهاشمي) إلى أنه في 20 نيسان 1978، صدرت الإرادة الملكية السامية بإنشاء "المجلس الوطني الاستشاري الأول".
**
هذا التوثيق الزمني والرسمي لا يمثل مجرد إجراء إداري، بل يعكس في علم الاجتماع السياسي لحظة "المأسسة القانونية لهندسة الفراغ". فالنظام السياسي لم يترك الساحة للاجتهادات الفردية أو العرفية، بل قنّن عملية "التجنيد النخبوي الاستيعابي" عبر مرسوم ملكي مباشر. ورغم تأكيد الإرادة الملكية حينها أن هذا المجلس المُعين لا يُعد بديلاً عن الحياة النيابية الديمقراطية، إلا أنه شكّل عملياً "مختبراً استثنائياً لصناعة النخبة الانتقالية"؛ حيث تمكن النظام من خلاله من نقل الشخصيات الفاعلة من هوامش العمل العام إلى مركز "الاستشارة الرسمية" تحت قبة الدولة، لضمان استمرارية التشريع وإدارة التوازنات الاجتماعية والسياسية ريثما تتهيأ الظروف لعودة البرلمان المنتخب.
**
ويجدر التأكيد على أن "المجلس الوطني الاستشاري" اعتمد في تشكيله على مبدأ "التعيين" وليس "الانتخاب"، واقتصرت صلاحياته على الجانب الاستشاري دون امتلاك أدوات الرقابة الدستورية الصارمة (كاستجواب الوزراء أو طرح الثقة). ومع ذلك، فقد نجح المجلس في دوراته الثلاث في تشكيل "مظلة تمثيلية" واسعة عكست إلى حد بعيد التنوع الفكري، والسياسي، والاجتماعي، والعقائدي في البلاد، ومهدت لإدماج فئات وقطاعات حيوية (كالنقابات والأحزاب المحظورة) ضمن دائرة صنع القرار.
**
التركيب السوسيولوجي والسياسي لأعضاء المجالس الاستشارية:
لم يكن اختيار أعضاء المجالس الاستشارية الوطنية الثلاثة (والتي تراوح عدد أعضائها بين 60 إلى 75 عضواً) عملية عشوائية، بل خضع لـ "هندسة ديمغرافية وسياسية" دقيقة. وتشير القراءات التحليلية الموثقة لخلفيات هؤلاء الأعضاء (صحيفة الدستور، 2011) إلى أن النظام هدف إلى تحويل المجلس إلى مظلة استيعابية. ويمكن تفكيك خلفيات هذه النخبة المُعينة إلى أربع فئات رئيسية:
**
1. النخبة البيروقراطية والرسمية (حراس استمرارية الدولة):
شكلت هذه الفئة العمود الفقري للمجالس الاستشارية، وضمت رؤساء وزارات سابقين، ووزراء مخضرمين، وكبار ضباط القوات المسلحة المتقاعدين. كان الهدف من حشد هذه النخبة هو إضفاء "ثقل سيادي ومؤسسي" على المجلس، وضمان بقاء النقاشات تحت سقف المصالح العليا للدولة.
* أمثلة تطبيقية: قادت هذه المجالس أسماء وازنة، مثل أحمد اللوزي (رئيس المجلس الأول)، وأحمد الطراونة (رئيس المجلس الثاني)، وسليمان عرار (رئيس المجلس الثالث). كما ضمت شخصيات بيروقراطية وعسكرية بارزة مثل اللواء راضي العبدالله، وعبد الرؤوف الروابدة.
**
2. النخبة العشائرية والاجتماعية (تثبيت القواعد واختراق التابوهات):
حرص النظام على إبقاء جسور التواصل متينة مع القواعد العشائرية (الحاضنة التاريخية لشرعية النظام)، فتم تعيين شيوخ عشائر ووجهاء مناطق (بدو، ريف، ومخيمات)، بالإضافة لتمثيل الأقليات.
* القواعد التقليدية: برزت أسماء مثل إبراهيم ناجي العزام، وسلطان العدوان، ومجحم حديثة الخريشة، وسعد هايل السرور، والشيخ عبد الباقي جمو.
**
* الاختراق النخبوي (تمثيل المرأة): ولعل أهم ضربة هندسية مُبتكرة في هذه الفئة، كانت استخدام "التعيين" لكسر التابو الاجتماعي وإدخال المرأة الأردنية لأول مرة إلى معترك السلطة التشريعية/الاستشارية. فقد ضمت المجالس الثلاثة أسماء رائدة مثل: إنعام المفتي، والمحامية نائلة الرشدان، ووداد بولص، وجانيت سعيد المفتي، ود. عدوية العلمي، وليلى شرف، وهيفاء ملحيس البشير، وسامية الزرو، وعيدة مطلق قناة؛ في خطوة تحديثية كان من شبه المستحيل تمريرها عبر الصناديق الانتخابية المحافظة آنذاك.
**
3. النخبة المهنية والنقابية (احتواء الطبقة الوسطى واستقطاب التكنوقراط):
أدرك النظام أن "النقابات المهنية" باتت تشكل المعقل الرئيسي للعمل السياسي المنظم. ولتجنب ترك هذه المنصات للمعارضة لتتخذ منها "برلمانات ظل"، تم استقطاب نُخب نقابية وازنة وأقطاب صحفية لرفد المجلس بالخبرات الفنية، وتحويل النقابات إلى شركاء في "صنع السياسات".
* أمثلة تطبيقية: برزت أقطاب نقابية وشخصيات ذات ثقل قانوني وطبي وهندسي أمثال: المحامي إبراهيم بكر، المهندس ليث شبيلات (نقيب المهندسين)، د. ممدوح العبادي (نقيب الأطباء)، والصيدلي أمين شقير (نقيب الصيادلة الأسبق). إلى جانب قامات إعلامية وفكرية مؤثرة مثل جمعة حماد، ومحمود الشريف، ود. جمال الشاعر.
**
4. النخبة السياسية والأيديولوجية (احتواء المعارضة المعتدلة):
في خطوة تعكس براغماتية النظام، جرى استقطاب شخصيات ذات خلفيات حزبية سابقة (قومية، يسارية، وإسلامية) وقيادات وطنية فلسطينية معتدلة، بهدف توريط هذه النخب في تحمل مسؤولية القرار وتحييدهم عن ممارسة المعارضة الراديكالية.
* أمثلة تطبيقية: ضمت المجالس شخصيات ذات امتداد أيديولوجي متنوع مثل: ممدوح الصرايرة ود. إسحاق الفرحان (إخوان مسلمين)، عبد الله الريماوي (بعث)، وكل من كمال الدجاني، خليل سالم، ونزار عبد الرحيم جردانة (تيار القوميين العرب).
**
خلاصة الحلقة:
تُبرهن قراءة هذه الفئات على أن "المجلس الاستشاري" لم يكن مجرد صدىً للحكومة، بل كان "مختبراً للتدوير النخبوي". لقد مكنت هذه التركيبة الدولة من:
(1) الحفاظ على النخبة الكلاسيكية العتيدة،
(2) اختبار نخب تكنوقراطية ونسائية جديدة قبل زجها في الحكومات،
(3) وتحييد المعارضة والنقابات المهنية عبر تحويلها إلى جزء من ماكينة الدولة، مما وفّر للبلاد استقراراً سياسياً مؤسسياً مهّد لاحقاً لعودة البرلمان المنتخب.
( الصور المرفقة من اليسار: دولة أحمد اللوزي، معالي أحمد الطراونة، معالي سليمان عرار).

مراجع الحلقة:
* أبو غنيمة، أحمد زياد. (1998). ملامح الحياة السياسية في الاردن منذ العشرينيات وحتى التسعينيات.
* صحيفة الدستور. (2011). القراءات التحليلية للخلفيات السوسيولوجية والأسماء الممثلة في المجالس الاستشارية الوطنية.
* مركز التوثيق الملكي الأردني الهاشمي. الوثائق الرسمية للإرادة الملكية السامية بتأسيس المجلس الوطني الاستشاري الأول الصادرة في 20 نيسان 1978
شريط الأخبار الخشمان: انتخاب الأردن لعضوية مجلس حقوق الإنسان بثقة 171 دولة تأكيد لمكانته ودبلوماسيته الفاعلة شاهد.. شوارع إسطنبول تتحول إلى أنهار والسيول تجرف السيارات الخبير الاقتصادي عامر المجالي: الحكومة نجحت في البدء بمشروع سكة حديد العقبة وعدم ترحيلها له وجهود الملك فرضت ذلك دولة تمنح الشبكات الاجتماعية مهلة شهر لإزالة المحتوى العنيف استنكار من الاهالي .. وزارة التربية تجبر مدرسة على إزالة صور مبادرة مدرسية تعزز قيم الستر والعفة ماركة فوط صحية نسائية شهيرة تواجه دعوى قضائية كبرى طقس الخميس.. انخفاض على الحرارة وزخات مطرية شمالي المملكة ووسطها زاره في مستشفى عبدالهادي .. "مصطفى" يشكر نشمي الدفاع المدني صهيب المحافظة الذي انتشل قدمه من البحر استطلاع: تراجع فتح وحماس وصعود القوائم المستقلة.. البرغوثي والمصري في صدارة الخيارات الانتخابية وفيات الخميس 15-10-2026 تشخيص البابا ليو الرابع عشر بالسرطان يثير قلقاً في الفاتيكان عم معالي عمر ملحس رئيس مجلس استثمار أموال الضمان الاجتماعي في ذمة الله محافظ المركزي الإيراني: الحديث الأميركي عن انهيار اقتصادنا مجرد أوهام الحوثيون يتوعدون بمزيد من الهجمات على السعودية بعد استهداف مقر أرامكو إصابة 15 مغربيا بالعمى في طنجة إثر حقن علاجية والسلطات تفتح تحقيقا عاجلا بحث تنفيذ مشروع لرقمنة 23 خدمة لوزارة الأوقاف كم سيستغرق التحول الرقمي الكامل في المحاكم الأردنية؟... وزير العدل يجيب صمت الكباريتي كلام فصيح! ولي العهد يؤكد أهمية مواصلة تطوير خدمات وزارة العدل الأردن يتقدم للمرتبة الـ6 عربيا في المؤشر العربي للاقتصاد الرقمي