تحتجز إسرائيل جثامين مئات الفلسطينيين لغرض التفاوض، رغم عدم وجود مخطوفين إسرائيليين حالياً. وحسب مصادر مطلعة، فقد ذكر خلال نقاشات في المؤسسة الأمنية أن عدد الجثامين يقدر بحوالي 1700. ويقود رئيس "الشاباك” دافيد زيني، حملة دعم الاحتفاظ بالجثامين تحسباً لسيناريو قد يتم فيه القبض على إسرائيليين، أو يفقدون في المستقبل. والجيش الإسرائيلي يؤيد هذا الموقف أيضاً.
غالبية الجثث لفلسطينيين شاركوا في المذبحة وفي القتال أو في العمليات الإرهابية منذ 7 أكتوبر، وبعضها لفلسطينيين لم يشاركوا في القتال أو في العمليات الإرهابية، و13 جثة تعود لإسرائيليين، ترفض المؤسسة الأمنية تسليمهم لعائلاتهم.
وأوضحت مصادر قانونية أنه إلى حين عقد الكابنت لمناقشة هذه القضية بشكل مبدئي، لا تملك الدولة بالفعل صلاحية احتجاز جثث الفلسطينيين الذين لم يشاركوا في القتال. كانت هناك قرارات مشابهة تربط سابقة احتجاز الجثث بمفاوضات لإعادة المخطوفين الإسرائيليين، لكن منذ إعادة جثمان ران غويلي إلى إسرائيل في كانون الثاني الماضي، لم يعد هناك ما يبرر ذلك.
أثارت مسألة الصلاحية توتراً بين المستويات القانونية وكبار الشخصيات في المؤسسة الأمنية، بما في ذلك بين زيني والمستشار القانوني في "الشاباك” (ن). في التماسات قدمتها جمعية "غيشه” للمحكمة العليا ضد احتجاز الجثث، اعتقد ن. أن الدولة لا يمكنها احتجاز جثة في حالة تبين فيها أن هذا الفلسطيني لم يشارك في القتال ضد إسرائيل.
في شباط الماضي، نشرت "هآرتس” أن عدد جثث الفلسطينيين معروفة الهوية هو 766 جثة، إضافة إلى 10 جثث أخرى لأجانب. ولكن في الواقع، العدد الحقيقي أعلى بكثير، وغير معروف عدد جثث الأشخاص من شرقي القدس والضفة الغربية.
مؤخراً، اعترفت الدولة بعد إجراءات قانونية أن إسرائيل تحتجز أيضاً جثث فلسطينيين تم اعتقالهم وماتوا أثناء الاعتقال، وأن وزارة الداخلية الإسرائيلية فتحت تحقيقاً حول ظروف موتهم، وذلك تحسباً لسيناريو يكون فيه مخطوفون أو أسرى في المستقبل. وحسب رد الدولة على المحكمة العليا في قضية المصور من غزة الذي قتل في اليوم لاعتقاله في منشأة اعتقال مؤقتة عند معبر إيرز، بدأت هيئة الأمن القومي إجراء نقاش حول الموضوع قبل القرار تمهيداً لعرضه على المجلس الوزاري المصغر، وهذا العمل لم ينته بعد. وقد أبلغ الجيش المحكمة العليا بأنه "يبذل جهداً استثنائياً” لتسريع ذلك بهدف الإفراج عن بعض الجثث، بما في ذلك جثث فلسطينيين ما زالت ظروف وفاتهم قيد التحقيق من قبل الشرطة العسكرية. وحسب بيانات نشرت في "هآرتس”، فقد تم فتح عشرات الملفات كهذه، ولكن لم توجه أي لائحة اتهام. وفي مناسبات كثيرة، طلبت الدولة من المحكمة تحديث ملف القضية وسمحت لها المحكمة باحتجاز الجثث في هذه الأثناء.
كم عدد الجثث التي اختفت
بعض الجثث محفوظة في حالة تجميد من منشآت عسكرية، في حين تم دفن جثث أخرى. ولكن عملياً، حسب مصادر أمنية، لا تعرف إسرائيل هوية أصحاب هذه الجثث أو مكان احتجاز الجثث الأخرى. كحالة رجا سمور، وهو من سكان غزة ابن 46 سنة. وكان لديه تصريح عمل في إسرائيل قبل 7 تشرين الأول 2023. عند اندلاع الحرب، تم وضعه هو وحوالي 4 آلاف فلسطيني آخر في منشآت اعتقال عسكرية. في البداية، نقل سمور إلى سجن عوفر، ثم إلى منشأة اعتقال في قاعدة للجيش الإسرائيلي في "عناتوت”. توفي سمور المصاب بمرض السكري في ظروف غامضة أثناء وجوده هناك. ففتحت وحدة التحقيقات في الشرطة العسكرية ملف تحقيق في القضية.
وقد تقدمت عائلته بطلب للمحكمة العليا لتسلم جثمانه. الحاخامية العسكرية عثرت على جثة، تم نقلها إلى معهد الطب الشرعي، ولكن تبين أنها جثة لشخص قتل بإطلاق النار عليه، في حين توفي سمور دون قتله بالرصاص. ونتيجة لذلك، اضطر الجيش الإسرائيلي ومكتب المدعي العام إلى الاعتراف بأنهم لا يعرفون مكان جثة سمور. وفي خطوة استثنائية، بالتنسيق مع الجيش ومع الصليب الأحمر، تم أخذ عينة من الـ دي.ان.ايه من شقيق سمور الموجود في قطاع غزة، وبعد ذلك من أولاد سمور، ولكن الحاخامية العسكرية لم تتمكن حتى الآن من العثور على الجثة. وأقرت الدولة أمام المحكمة بأن طريقة تعامل المدعي العام مع جثة المتوفى تكشف عن سلسلة إخفاقات، وأن "الجيش ينوي فحص هذه الإخفاقات واستخلاص الدروس”.
مع ذلك، تمكنت الأجهزة الأمنية من إعادة جثامين عدد من الفلسطينيين إلى عائلاتهم. فقد قتل علاء صبيح ابن 28 سنة من قرية تياسير في غور الأردن في نيسان الماضي برصاص جندي، كان -حسب الجيش الإسرائيلي- في إجازة، وجاء من مزرعة قريبة. وقد احتجز الجيش الإسرائيلي جثمانه. وفي رد على مقال نشره جدعون ليفي في نيسان الماضي، قال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي إن "هذا إرهابي شارك في المواجهات بين الفلسطينيين والإسرائيليين”. وإن "التحقيق الأولي يشير إلى أن الإرهابي أطلق عليه النار عندما كان يضرب إسرائيلياً بحجر على رأسه”. ولكن في الساعة الأخيرة، تم إبلاغ عائلة صبيح بأن سيتم تسليم جثمانه.
وهناك أيضاً جثة سامي جعسوس، وهو أحد سكان اللد ومواطن إسرائيلي عمره 28 سنة، أعيدت في هذا الأسبوع لعائلته، بعد أكثر من شهر على قتله على يد شرطي. وكان جعسوس، وهو شخص يعاني من اضطراب نفسي، معروفاً للشرطة، وقد قتل بعد أن قال الشرطة إنه اندفع نحوها حاملاً سكيناً. في البداية، تم وصف الحادثة بأنها محاولة هجوم إرهابي، ورفض جهاز "الشاباك” والشرطة تسليم جثمانه لدفنه. بعد ذلك، اضطرت الشرطة إلى الاعتراف بأن الحادثة جنائية، ولم تسلم الجثمان إلا بعد تقديم التماس للمحكمة العليا، إلى جانب محاولة الشرطة فرض قيود على عائلته.
وقد جاء من الجيش رداً على ذلك: "نحن لن نعقب على ما يقال في النقاشات العملياتية السرية داخل الجيش الإسرائيلي”. ولم يقدم "الشاباك” أي تعقيب.