لم يكن من المتوقع أن تحظى تلك الصورة ومقطع الفيديو لصفحة من دفتر ذكريات قديم، اللذين تبادلهما آلاف المتابعين على منصات التواصل الاجتماعي، هذا التفاعل الكبير، إذ استعادوا معهما ذكريات بريئة مبهجة لصداقات أبعدها الزمن، لكن تفاصيلها ما تزال حاضرة.
قبل انتشار الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، كان "دفتر الذكريات" أو "دفتر المذكرات" جزءا من طقوس نهاية العام الدراسي.
وكان هذا الدفتر ينتقل بين الأصدقاء والمعلمين، فيكتب كل منهم كلمة أو دعاء أو نصيحة أو بيت شعر، وربما يرسم رسما بسيطا، لتبقى تلك الصفحات شاهدة على مرحلة لا تنسى من العمر. أما اليوم، فقد أصبحت معظم الذكريات رقمية وسريعة وقد تختفي بضغطة زر.
إيقاظ الشعور بالحنين
وتقول سناء محمود إن صور ومقتطفات دفاتر الذكريات تلقى تفاعلا واسعا، لأنها تعيد إلى الأذهان ذكريات الطفولة، وتوقظ لدى كثيرين شعورا بالحنين إلى زمن كانت فيه الصداقة تكتب بخط اليد وتحفظ الذكريات في الأدراج، لا على شاشات الهواتف.
وفي أحد الأدراج القديمة، أو في صندوق ذكريات إحدى السيدات، قد يختبئ دفتر صغير غطى الغبار غلافه، لكنه ما يزال يحتفظ بأسماء وأحلام وعبارات كتبها أصدقاء المدرسة قبل سنوات طويلة. وما إن تفتح صفحاته حتى يعود صاحبها إلى زمن كانت فيه الذكريات تكتب بخط اليد، وتحفظ بين صفحات دفتر يتنقل من يد إلى أخرى.
ذكريات شاهدة على الطفولة والبراءة
وتستعيد منى فؤاد ذكريات "دفتر المذكرات" الذي رافقها خلال سنوات الدراسة، إذ كانت تتبادله مع صديقاتها ليكتبن فيه كلماتهن ورسائلهن، وغالبا ما كانت ترفق ببطاقات معايدة صغيرة.
وتقول منى إن عودتها إلى قراءة تلك الصفحات بعد سنوات أيقظت مشاعرها، فبعض الأسماء لم تعد تتذكرها، لكن كلمات أصحابها بقيت حاضرة في ذاكرتها. وتضيف أنه رغم أن كثيرا من تفاصيل سنوات المدرسة تلاشى مع الزمن، فإن دفتر الذكريات بقي شاهدا حيا على تلك المرحلة.
فيما تشير مريم المحارمة إلى أن مصطلح "دفتر تلجراف" هو في الأصل تحريف للكلمة الأجنبية Autograph، التي تعني دفتر الذكريات، موضحة أنه كان شائعا بين الطلبة قديما، إذ كانوا يتناقلونه بين الأصدقاء والمعلمين لكتابة العبارات التذكارية والحكم والأمنيات وأبيات الشعر، لتبقى محفوظة كتذكار يستعيدون من خلاله ذكريات تلك السنوات.
بطاقات المعايدة والصور الشخصية
ولم يقتصر دفتر الذكريات على تدوين الرسائل والعبارات، بل كان كثيرون يتبادلون أيضا بطاقات المعايدة وصورهم الشخصية، ويكتبون على ظهرها كلمات تذكارية أو أمنيات وتواريخ تبقى شاهدة على تلك المرحلة.
وكانت هذه الصور والبطاقات تحفظ بين صفحات الدفتر، لتتحول مع مرور السنوات إلى أرشيف شخصي مليء بالوجوه والذكريات والمواقف التي يصعب أن تتكرر اليوم.
ورغم اندثار هذه العادة إلى حد كبير، فإن دفاتر الذكريات ما تزال تحتفظ بقيمتها العاطفية لدى كثيرين، باعتبارها سجلا شخصيا يوثق صداقات الطفولة وأحلامها، ويطرح تساؤلا حول مدى قدرة الذكريات الرقمية اليوم على أن تترك الأثر ذاته الذي تركته صفحات كتبت بخط اليد قبل سنوات طويلة.
مساحة إنسانية دافئة
وتؤكد الاختصاصية والمعالجة النفسية خلود الرفايعة أن دفتر المذكرات لم يكن مجرد دفتر عادي، بل مساحة إنسانية دافئة تفيض بالمشاعر وتلامس القلوب قبل العقول. فمن خلاله كان الإنسان يرى الأثر الذي تركه في حياة الآخرين، دون أن تكون قيمته الذاتية مرهونة بنظرتهم إليه، بل كان وسيلة صادقة للتعبير عن العلاقات والمودة.
وتوضح الرفايعة أن لكل شخص آنذاك لغته الخاصة في التعبير، فلم تكن هناك عبارات جاهزة أو "ترندات" تفرض شكل الكلام، بل كان كل فرد يفكر مليا فيما سيكتبه، وكيف يعبر عن الشخص المقابل بكلمات تشبهه وتعكس طبيعة علاقته به.
ولذلك حملت الرسائل بصمة أصحابها، وظهر فيها الجهد الحقيقي المبذول في الكتابة. ووفق الرفايعة، فإن الانتظار كان جزءا أساسيا من تجربة دفتر المذكرات.
ذكريات مشتركة بالعلاقات الإنسانية
لكن ذلك لم يكن انتظارا موحشا، بل كان مليئا بالترقب واللهفة لمعرفة ما سيكتبه الآخرون، وعند قراءة تلك الكلمات كان الإنسان يشعر بأنه يمتلك ثروة حقيقية تتمثل في العلاقات الإنسانية والذكريات المشتركة.
وتبين الرفايعة أن قيمة دفتر المذكرات لم تكن في الكلمات وحدها، بل في التجربة الإنسانية التي رافقتها، إذ تجاوزت الكتابة نفسها لتلامس الهوية والانتماء والعلاقات الاجتماعية، ومنحت الإنسان شعورا بأنه جزء من شبكة آمنة، وأن له مكانا وأثرا في حياة الآخرين، وهو ما يشكل مصدرا مهما للدعم النفسي والامتنان.
وتضيف الرفايعة أن دفتر المذكرات صنع ما يمكن تسميته بـ"الذاكرة العاطفية"، فالذكرى لم تكن مرتبطة بالكلمات فقط، وإنما بشكل الخط، ونوع الورق، وصورة الشخص في الذاكرة، وصوته الذي يُستحضر أثناء القراءة، والمشاعر المرتبطة بتلك المرحلة. ولذلك بقيت تلك الدفاتر حية في الذاكرة، تعيد الابتسامة والحنين كلما عاد أصحابها إليها.
الفرق بين اليوم والأمس
وتلفت الرفايعة إلى أن الشباب اليوم يعيشون في عالم أسرع بكثير، حيث أصبحت الكلمات الرقمية أكثر اعتمادا على القوالب الجاهزة والرموز والصور والعبارات المتداولة، ومع ظهور الذكاء الاصطناعي أصبح بالإمكان الحصول على نصوص جميلة خلال ثوان.
إلا أن التحدي لا يكمن في استخدام هذه التقنيات بحد ذاتها، وإنما عندما تصبح بديلا عن التفكير الشخصي والتعبير الذاتي، فتبدو الكلمات جميلة، لكنها تفتقد البصمة النفسية لصاحبها.
وتعتقد الرفايعة أن الفارق الحقيقي بين الماضي والحاضر لا يكمن في الورق أو الشاشة، بل في الحضور أثناء التواصل. فدفتر المذكرات كان يدفع الإنسان إلى التوقف والتفكير في الآخر واختيار كلماته بعناية، بينما قد تصل اليوم الرسائل في ظل الانشغال بأمور كثيرة، فيأتي الرد سريعا أو بعبارات وصور ورموز جاهزة.
اشتياق إلى زمن كان مختلفا
وتضيف الرفايعة أن التكنولوجيا زادت من قدرتنا على التواصل، لكنها في المقابل حملتنا مسؤولية أكبر للحفاظ على عمق هذا التواصل، فليس المهم أن نتواصل أكثر وإنما أن نكون أكثر حضورا عندما نتواصل.
بيد أن الرفايعة تقول إن الحنين إلى دفتر المذكرات ليس حنينا إلى الورق بقدر ما هو اشتياق إلى زمن كان فيه التعبير عن المشاعر أكثر بطئا وخصوصية وإنسانية، وكانت الكلمات تكتب من القلب وتنتظر بشغف، وتبقى شاهدة على لحظة تحفظ ما قيل وكيف شعر الإنسان وهو يكتبه ويقرؤه.
وتؤكد أن أجمل رسالة حملها دفتر المذكرات كانت بسيطة وعميقة في آن واحد: "أنت مهم بالنسبة لي، ولذلك أخذت من وقتي لأكتب لك شيئا سيبقى معك".