بعد أن تخلى النظام النقدي والمالي عن
اتفاقية بريتون وودز نظام أسعار الصرف الثابتة , كان يعني فقدان الانضباط المالي
الدولي . فقد فتح الباب أمام التوسع الكبير في الديون الخاصة والقومية والدولية
التي حدثت في أواخر سبعينيات وأوائل ثمانينيات القرن العشرين . وكنتيجة لذلك ازداد
عدم استقرار النظام المالي والنقدي , وصار التهديد بانهيار هذا النظام موضع
الاهتمام الرئيسس للاقتصاد السياسي الدولي , وصار خطر التضخم العالمي ملازما
للنظام نفسه , الى أن بدأ التفكير بالزعامة الجماعية بدل الفردية , من خلال تبني
العالم نظام الأسعار المرنة .
فقد اعتقد الدعاة الى التحول من أسعار الصرف
الثابتة الى أسعار الصرف المرنة , بأن ذلك سيحل المشكلة الرئيسية للتضارب بين
الاستقلالية الوطنية والمعايير الدولية. وقد فشل نظام الصرف المرن من تحقيق أغراضه في الاستقرار المالي , وأصبحت
أسعار الصرف شديدة التقلب , وكان لذلك آثار ضارة على التجارة العالمية والأسواق
المالية .
وقد اقترح الخبير المالي رونالد ماكينون في
عام 1984 , ايجاد حكومة اقتصادية عالمية , وان ثلاثيا مؤلف من الولايات المتحدة
واليابان وألمانيا هو الذي يجب أن يحكم الاقتصاد الدولي . بتعاون مصارفها المركزية
على ادارة الامدادات النقدية وستحل عملاتها المستقرة محل الدولار كعملة عالمية .
وهكذا فالهيمنة المتلاشية للولايات المتحدة سيحل محلها الزعامة المشتركة للقوى
الاقتصادية السائدة والتي يشكل اقتصادها حوالي نصف الاقتصاد العالمي .
وقد اقترح عدد من الاقتصادين المرموقين أن
على الولايات المتحدة وشركائها الاقتصاديين تنسيق سياسات الاقتصاد الكلي وأن يضعوا
سياسات اقتصادية كلية لكل العالم .ويجب أن يكون الهدف تحقيق نمو اقتصادي وعمالة كاملة
لكل اقتصاد . ومن شأن القوى الاقتصادية المسيطرة أن تتمكن من خلال الاتفاق على
مجموع المستويات النقدية العالمية , وعلى احتواء التضخم . وبهذه الطريقة تصبح
القيادة الجماعية لاقتصاد العالم هي البديل عن ضعف القيادة الامريكية .
أن النظام النقدي الدولي المرن أصبح تعايشا
قلقا غير مريح للعملات الثلاث المسيطرة وهي , الدولار , والمارك , والين . فقد
بينت التحليلات أن هذا النظام غير قادر على ذلك , نظرا لزيادة شدة الترابط المالي
الذي ربط السياسات القومية , ولأن الاقطار ذوات الاقتصادات الرأسمالية المتقدمة
كانت تسعى نحو الأهداف المحلية القومية قبل أهداف نظام أسعار الصرف الدولي المرن
المتضاربة من أهدافها القومية أيضا .
لذا يرى بعض الاقتصادين والمؤسسات المالية
الدولية أن النظام المالي والنقدي المرن الحالي يحتاج الى اصلاحات تدريجية من خلال
: -
-
اصلاح النظام النقدي الدولي , من خلال تقليل الاعتماد
المفرط على الدولار كعملة احتياط وحيدة , وتوسيع دور صندوق النقد الدولي وأدواته
المسماة حقوق السحب الخاصة لتكون أصلا احتياطيا دوليا أكثر استخداما .
-
تعزيز التنسيق بين السياسات النقدية والمالية , لتحقيق
توازن بين مكافحة التضخم , ودعم النمو وتجنب التوسع المالي غير الممول الذي يبقي
التضخم.
-
زيادة مرونة أسعار الصرف , بالسماح بتعديل أسعار العملات
وفق أساسيات الاقتصاد مع الحد من التقلبات الحادة .
-
اصلاح النظام المالي العالمي , من خلال تشديد الرقابة
على المؤسسات المالية للحد من الآزمات , وتنظيم رؤوس الأموال قصيرة الأجل التي قد
تسبب عدم الاستقرار .
-
زيادة الاستثمار في جانب العرض , وذلك الاستثمار في
الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا والتعليم لرفع الانتاجية , لأن معالجة التضخم
من خلال رفع الفائدة وحده قد يضعف النمو .
-
اعادة هيكلة الديون للدول المثقلة بها , من خلال توفير
آليات أكثر كفاءة لاعادة جدولة الديون خصوصا للدول منخفضة ومتوسطة الدخل .
ويرى آخرون
أن العالم يتجه نحو نظام نقدي متعدد الأقطاب , تتقاسم فيه عملات مثل الدولار ,
واليورو , واليوان أدوارا أكبر في الاحتياطيات والتجارة الدولية , حيث يشكل
اقتصادتها حوالي ثلثي الاقتصادات العالمية مع ثبات نسبي لأسعار الصرف حسب الدورة
الاقتصادية .
بينما يدعوا
فريق ثالث الى العودة الى نظام نقدي أكثر انضباطا , مثل ربط العملات بأصل حقيقي (كالذهب
أو سلة من الأصول ) لكن هذا الخيار يواجه تحديات كبيرة لأنه يحد من مرونة البنوك
المركزية في مواجهة الأزمات .
وعليه فان
اعادة التوازن الاقتصادي العالمي مع سياسات مالية ونقدية متعددة ومرنة مع التطورات
المتسارعة عليها جعل التوازن الواقعي لا النظري صعب المنال , لكنه نسبي بينهما
وعلى المجتمع الدولي تعظيم التقارب النسبي للحد من تزايد الأزمات الاقتصادية , هذا
من جانب ومن جانب آخر تعارض أهداف الاقتصاد الدولي مع الاقتصادات القومية , نتيجة
صراع الحضارات والحقب التاريخية المتعاقبة بين الأمم هو الأخر الرئيس في خلخلة
النظام الاقتصادي الدولي .

