كان إحياء الذكرى الـ78 للنكبة الفلسطينية مناسبة لتجديد الهجوم الإسرائيلي على عمدة نيويورك، زهران ممداني، باعتباره من الوجوه السياسية الأميركية التي تساهم في نقل الخطاب المؤيد للشعب الفلسطيني إلى قلب المؤسسة السياسية في الولايات المتحدة بعد أن كان مستقراً في هوامش الاحتجاج لا أكثر.
تمثلت ذريعة الهجوم في نشر ممداني فيديو في ذكرى النكبة اشتمل على شهادة لاجئة فلسطينية تعيش في نيويورك، مع تأكيده على ضرورة الاعتراف بالمعاناة الفلسطينية. كذلك استذكر الهجوم المتجدّد رفض ممداني المشاركة في مسيرة تأييد لإسرائيل في نيويورك، وكان أول عمدة لهذه المدينة يتخذ هذا الموقف، ناهيك عن تكرار مواقف تعتبر المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967 غير قانونية وفق القانون الدولي ومرتبطة بتهجير الفلسطينيين، والمثابرة في تبنّي خطاب يصف الحرب على غزّة بأنها إبادة جماعية، بجوار دعمه فكرة محاسبة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو وفق مذكرة المحكمة الجنائية الدولية.
ارتأى بعض كتّاب الرأي أن يعيدوا إلى الأذهان أن تحذيراً ساد فور انتخاب ممداني لمنصبه هذا على نطاق واسع في إسرائيل يصفه خطراً استراتيجيّاً أو حتى خطراً وجوديّاَ. وبرأي أحدهم، هذا الخطر الوجودي لا يكمن فقط في موقفه الشخصي إزاء إسرائيل، بل في النموذج السياسي المتقن الذي صاغه، وفي برنامج العمل الدقيق والمقلق الذي يمكن نسخه في أي عاصمة غربية، والذي يهدف منه إلى تحييد القوة المجتمعية اليهودية وتفكيكها من الداخل. ومثلما صاغ الأمر ذلك الكاتب حرفياً، فإن "النموذج الممداني" يعمل بموجب مبدأ بسيط ولكنه ماكر: يُحدّد، ويمكّن، ويمنح الشرعية لأشد الأصوات اليهودية تطرّفاً ومعاداةً للصهيونية، ويستعملها درعاً بشرياً ضد أي اتهام بمعاداة السامية. ومن شأن هذا التكتيك أن يشلّ التيار المركزي، ويكسر الإجماع المجتمعي، وفي النهاية، يمهّد الطريق لأجندات متطرّفة معادية لإسرائيل لتصل إلى صميم مراكز القوة. وهذه لن تكون مشكلة نيويورك وحدها، بل هي تحذير استراتيجي للمجتمعات اليهودية في العالم، يكشف عن شكل جديد من الحرب السياسية.
ولدى محاولة تعداد الأسباب التي تجعل إسرائيل تعتبر ممداني خطراً استراتيجياً أو خطراً وجودياً، بحسب وصفها، مثلما يكرّرها محللون في إسرائيل أو محللون في الولايات المتحدة مقرّبون من إسرائيل، يمكن الإشارة إلى أن السبب الأول والأبرز أن خطاب ممداني المؤيد لفلسطين يصدر عن جهة مؤسساتية، نظراً إلى كونه سياسياً مُنتخباً من الحزب الديمقراطي نفسه يقود واحدة من أكبر المدن الأميركية وأهمها، في حين أن هذا الخطاب كان في السابق قائماً في معظمه في الجامعات أو في صفوف حركات احتجاج.
والسبب الثاني، الذي لا يقل أهمية، أنه يُنظر إليه جزءاً من تحوّل أوسع داخل الحلبة السياسية الأميركية، سيما بين الشباب والأقليات، حيث تتراجع الرواية الإسرائيلية التقليدية ويطغى عليها خطاب حقوقي يتحدّث عن الاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري وحقوق الشعب الفلسطيني. وفي هذا الصدد، يُشار على نحو خاص إلى أن ما يمثله ممداني جزء من مظاهر باتت تهدّد الإجماع التقليدي داخل الحزب الديمقراطي على الدعم شبه المطلق لإسرائيل، والذي يشمل الحزبين الأميركييْن. وهي مظاهر تنطوي على تحوّلات داخل الحزب الديمقراطي وفي صفوف قاعدته، خصوصاً بعد الحرب العدوانية على غزّة.