علاقة إبستين بالمنطقة ممتدّة منذ زمن، ففي الوثائق التي نُشرت نجد مراسلات بريد إلكتروني تعود إلى العام 2010، بين إبستين ورجل أعمال، تظهر اهتماماً بشراء بنوك في مصر وسوريا ولبنان، كما تضمّنت الرسائل إشارة إلى دعوة لحضور عشاء في واشنطن، خاصّ بالمصارف اللبنانية بتاريخ 9 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2010، وورد سؤال من إبستين عن أحد الحضور وطلبه الحصول على رقم هاتفه، وكان لافتاً قول مرسل الإيميل عبارة تتعلّق بلبنان خلال النقاش عن فتح مصارف في المنطقة، مفادها: "الجنس في لبنان أفضل من سوريا”.
في سياق تبرير العلاقة التي جمعت نعوم تشومسكي بجيفري إبستين لسنوات، وفي إحدى رسائله كتب المفكّر والأكاديمي تشومسكي رسالة، أوضح فيها أن العلاقة كانت في جوهرها فكّرية ونقاشية، وأن إبستين مثّل بالنسبة إليه "وسيط علاقات” يفتح قنوات اتّصال مع شخصيّات نافذة في عالم السياسة والاقتصاد.
ولتوضيح ما اعتبره قيمة عملية لهذا الدور، قدّم مثالاً واحداً لبيان كيف كان يملك وصولاً سريعاً إلى شخصيّات مؤثّرة في الشرق الأوسط، إذ قال: "ذات مرّة، خلال نقاش حول اتّفاقيات أوسلو، اتّصل إبستين فوراً بدبلوماسي نرويجي كان مشرفاً على تلك الاتّفاقيات، ما أتاح نقاشاً مباشراً”.
وبعيداً عما تنطوي عليه هذه العلاقة من سؤال أخلاقي لتشومسكي، فإن الواقعة تطرح إشكالية أوسع: إذا كان أكاديمياً ومفكّراً بحجم تشومسكي قد استفاد من علاقته بإبستين للنفاذ إلى دوائر مؤثّرة، والتواصل مباشرة مع عرّابي الأحداث الكبرى، وصُنّاع القرارات والسياسات التي يكتب عنها ويحلّلها وينظّر لها، فكيف بصانعي الأحداث أنفسهم؟ وهنا تحديداً نتحدّث عن المنطقة العربية التي كان لها قسم وازن في وثائق إبستين، والتي كشفت عن شبكة علاقات ونفوذ عالمية لها امتداداتها العربية.
إبستين والكعبة… والإمارات
في واحدة من ضمن آلاف الصور التي كشفتها وثائق إبستين، يظهر الملياردير واقفاً أمام قطعة قماش ممدّدة على الأرض، تبيّن أنها من كسوة للكعبة، وضمن الوثائق نفسها تؤكّد لنا رسائل أخرى ،أنها شُحنت إليه في 2017 بواسطة سيّدة الأعمال السعودية عزيزة الأحمدي.
في الصورة نفسها وإلى جانب إبستين يظهر سلطان بن سليم، المدير التنفيذي لمجموعة موانئ دبي العالمية المملوكة للحكومة الإماراتية، أحد أكثر رجالها نفوذاً، الصورة في دلالاتها ليست استثناء، وإنما هي جزء من علاقة أوسع نسجها إبستين مع القادة ورجال المال والسياسة.
بعيداً عن منطق الفضائح الشخصية، يمكن أن تقدّم لنا وثائق إبستين فرصة لفهم كيف تفكّر وتتصرّف النخبة السياسية والاقتصادية الحاكمة والمسيطرة على عالمنا، ولا سيّما في منطقتنا العربية، من هنا فالسؤال الأوّل الذي يطرح نفسه: كيف استطاع مدير شركة إدارة أموال أن يلعب هذا الدور السياسي؟ وكيف امتدّ نفوذه إلى كلّ هذه الدول والملفّات التي لا تبدو متقاطعة؟
بداية كان إبستين وفق المعلن، يمتلك شركة خاصّة يقدّم من خلالها خدمات مرتبطة بإدارة الثروات والتخطيط الضريبي للأثرياء، وهو دور عادي ويوجد مئات، أو آلاف الشركات في نيويورك عاصمة المال، تقدّمه، لكنّ ما ميّز الرجل هنا، هو توفيره بيئة من السرّية الشديدة، مع قدرة على حلّ مشكلات حسّاسة، وفتح أبواب بين أصحاب المال والنفوذ، ما مكّنه من بناء شبكة علاقات واسعة.
يبدو أن هذا الدور كان ينسجم مع ميل شريحة من النخب العربية، من رجال أعمال ومسؤولين حكوميين راكموا ثروات ضخمة داخل بلدانهم، ثم سعوا إلى نقلها وتوظيفها خارجها، وهو ما ولّد رغبة في البحث عن فرص وشركاء ووسطاء "يعرفون الطريق” إلى العواصم الغربية بعيداً عن الأضواء.
وذلك فضلاً عن العائلات المالكة في دول الخليج، التي تمتلك صناديق ثروة سيادية واستثمارات حكومية ضخمة، وهي بالطبع لا تُدار بمؤسّسية وشفافية، ولا تخضع لرقابة أو محاسبة حقيقية؛ إذ تترأّسها وتديرها العائلات الملكية والرجال المقرّبون منها، وليس بالضرورة أن يكون لكلّ الصفقات والاستثمارات منطق أو دوافع اقتصادية واستثمارية خالصة، فقد تكون لها أبعاد أخرى.
وحين نتحدّث عن ثروات حكومية تُقدر بتريليونات الدولارات، تصبح الحاجة إلى شركاء دوليين، وإلى قنوات اتّصال بأصحاب القرار، جزءاً من "إدارة الثروة” نفسها، لذلك نجد في بعض المراسلات دوراً خاصّاً يقوم به إبستين ضمن هذه العمليّة، ومن جانبها، تلجأ شخصيّات عربية نافذة إليه، عندما تواجه مشكلات، أو إجراءات تتطلّب من يملك القدرة على التدخّل، أو من لديه وصول إلى دوائر صناعة القرار داخل الولايات المتّحدة وخارجها.
نحن لا نتحدّث عن تورّط أو فضيحة شخصية، بقدر ما نتحدّث عن شبكة مصالح معظمها حكومية، ما يفتح أسئلة في الشقّ العربي على الأقلّ، تتعلّق بمسألة توزيع الثروات والديمقراطية والمحاسبة.
المال والترفيه والسياسة في سلّة واحدة
استطاع إبستين أن يضع المال والسياسة والأعمال، وأحياناً كثيرة الترفيه والجنس في غرفة واحدة، وهذا النوع من "التجميع” قد يكتسب قيمة أكبر، في ملفّات الشرق الأوسط والمنطقة العربية المتشابكة اقتصادياً وسياسياً.
وحتى بعد إدانته الأولى في عام 2008، تُظهر الوثائق أن علاقاته لم تنقطع مع المسؤولين ورجال المال والأكاديميين. ففي مناسبات عدّة ضمّت لقاءاته مجموعات مختلفة، معظمها من رجال الأعمال، وهو كان يدعو مسؤولين عرباً بارزين للمشاركة في لقاءات خاصّة.
بعد خروجه من الإقامة الإجبارية بأشهر،وبحسب مراسلة مؤرّخة في 2010، يَرِد ذكر ترتيب عشاء ضمّ أحمد أبو الغيط الأمين العامّ لجامعة الدول العربية، وسعد الحريري رئيس وزراء لبنان السابق، ومحمّد صباح السالم الصباح نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير خارجية الكويت في ذلك الوقت، وحمد بن جاسم بن جبر آل ثاني رئيس وزراء قطر ووزير خارجيتها، إضافة إلى خالد بن أحمد آل خليفة وزير خارجية البحرين، والطيّب الفاسي الفهري وزير خارجية المغرب.
الأرجح أن ذلك العشاء لم يتمّ، وبالتالي لا معلومات واضحة عن كيفية إعداد الدعوة، وما حقيقة علاقته بكلّ تلك الشخصيّات.
يرد اسم الإماراتي سلطان بن سليم في 5174 وثيقة، كأحد أكثر الأشخاص حضوراً في الوثائق، معظمها مراسلات متبادلة، تكشف عن صداقة حميمية بين الرجلين، وعلى سجيّتهما يتبادلان النكات الجنسية والدينية، ويتحدّثان عن تفاصيل حياتيهما الشخصية كأيّ صديقين عاديين.
لكن ما يجعل هذه المراسلات غير عادية، أنها تتّسع وتتفرّع: وثائق يطلب فيها بن سليم من إبستين خدمات تتعلّق بمساعدته على تفادي تبعات قضايا احتيال في كينيا، ورسائل أخرى يطلب فيها العون في مواجهة سيّدة تلاحقه وتهدّده بكشف مشاركته في قضيّة احتيال، وتلمّح إلى أن السلطات الأميركية تعلم أنه ساعدها في جرائم مرتبطة بتزوير أو تلاعب في التأشيرات.
ورسائل يُعرب فيها بن سليم لصديقه عن خيبة أمله فيه، بعد أن أرسل له إبستين فتاة أوكرانية وأخرى مولدوفية، قائلاً إنهما ليسا كما في الصور، وإن المولدوفية قصيرة ونحيفة، ثم رسالة أخرى كتبها بن سليم إلى إبستين متحدّثاً عن طالبة أجنبية في إحدى جامعات دبي: "لقد خُطبت، لكنّها عادت إليّ الآن. إنها أفضل علاقة جنسية مارستها في حياتي، جسدها مذهل”.
كما راسل بن سليم إبستين من اليابان مُرفقاً ما يبدو أنه قائمة خدمات من وكالة مرافقة، تضمّنت تدليكاً حميمياً يتضمّن لمسات جنسية، وكتب بن سليم: "أنا في طوكيو، لقد جرّبتُ الآن التدليك الكامل”، وردّ إبستين على صديقه: "رائع”.
وبجانب امبراطورية فندقية تمتدّ من لندن إلى دبي، يتولّى بن سليم إدارة مجموعة دبي العالمية، التي لها أنشطة في عشرات الدول حول العالم في قطاع النقل البحري، وتسيطر على عدد من أهمّ الموانئ في المنطقة، وقد سبق للإمارات أن استغلت إدارتها وتشغيلها للموانئ في زيادة نفوذها، وتقديم دعم عسكري للميليشيات الانفصالية التي تديرها، أبرزها "قوّات الدعم السريع” التي تقاتل الجيش السوداني، و”قوّات المجلس الانتقالي” بقيادة عيدروس الزبيدي في اليمن. وفقاًلتقرير لمنصّة"متصدقش”.
ثم تأتي مراسلات أخرى يسأل فيها بن سليم عن تفاصيل مراقبة امرأة ما وتتبّعها، قبل أن يطلب في حزيران/ يونيو 2015، مساعدة إبستين في إيجاد أفضل مؤسّسة صحّية لعلاج ابنته في إسرائيل، وهو الطلب الذي عمل رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك على تلبيته بالاتّفاق مع إبستين، وفق ما تُظهر المراسلات.
إبستين وبن سليم: "أعجبني فيديو التعذيب”
بين كلّ هذه الوثائق تبرز رسالة شديدة الدلالة من إبستين إلى بن سليم مؤرّخة في أبريل/ نيسان2009، وكان إبستين حينها يقضي عقوبته في سجن فلوريدا، وقد تزامن توقيت تلك الرسالة مع نشر تقرير ABC News، عن شريط تعذيب مُسرّب يظهر فيه الشيخ عيسى بن زايد آل نهيان شقيق حاكم الإمارات، وهو يعذّب رجل أعمال أفغانياً؛ إذ أرسل إبستين رسالة تتضمّن رابط الفيديو مع سؤال وجهه إلى بن سليم: أين أنت؟ هل أنت بخير؟ لقد أعجبني فيديو التعذيب.
حينها كانصدر الحكم علي إبستين بالسجن18 شهراً، بعد أن أقرّ بالذنب في تهمتين تتعلّقان بطلب الدعارة، وبتوفير قاصر واستدراجها لممارسة الدعارة، وقضى جزءاً من المدّة ضمن برنامج سجن مع "إفراج للعمل” نهاراً، ثم أُفرج عنه في تمّوز/ يوليو 2009، ليستكمل بقيّة العقوبة تحت إقامة جبرية لمدّة عام، انتهت في آب/ أغسطس 2010.