في 6 يناير/كانون الثاني 2026، اندلعت اشتباكات في حلب بين قوات أمن الدولة السورية الجديدة ومسلحين يتحصنون في حيي الأشرفية والشيخ مقصود، يتبعون قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ذات القيادة الكردية.
لم يكن اندلاع الاشتباكات مفاجئًا؛ ذلك أن المسلحين في الحيَّين لم يتوقفوا عن تصعيد التوتر من وقت لآخر في المدينة السورية الأكثر سكانًا في البلاد والمركز الصناعي والاقتصادي الأكبر والأهم. والأرجح، أن قيام مسلحي الأشرفية والشيخ مقصود بإطلاق النار على قوات الأمن المتمركزة في أطراف الحيين كان مدفوعًا هذه المرة بسعي قيادات قسد، وثيقة الصلة بحزب العمال الكردستاني، للضغط على دمشق، ومنع تطبيق اتفاق 10 مارس/آذار 2025 بين الرئيس أحمد الشرع وقائد قسد.
ما لم يضعه دعاة التمرد والانقسام في قسد وحزب العمال في الحسبان أن عودتهم إلى العبث بأمن حلب سيؤدي إلى سلسلة من التداعيات، التي بدأت بخروج مسلحيهم كلية من المدينة بعد 5 أيام فقط من اندلاع الاشتباكات، وإلى اندفاع قوات الجيش السوري لاستعادة السيطرة على كل المنطقة في ريف حلب الشرقي، وإلى إصدار الرئيس السوري مرسومًا يسحب من الأطراف الكردية مبرراتها الانفصالية، وإلى توقيع مظلوم عبدي، عن بُعد، في مساء 18 يناير/كانون الثاني، اتفاقًا جديدًا مع الرئيس الشرع، هو أقرب إلى الاستسلام.
ما الذي حدث في سوريا في أسبوعي المواجهة بين قسد والدولة السورية الجديدة؟ كيف ولماذا انهارت قوات قسد، وتهشَّمت صورتها الأسطورية، بهذه السرعة؟ وهل سيضع اتفاق 18 يناير/كانون الثاني، وما تلاه من تفاهمات، بين مظلوم عبدي والشرع، نهاية لملف الانقسام والتمرد الذي قادته قسد في سوريا منذ 2014؟.
من حلب إلى الجزيرة السورية..
وصل مظلوم عبدي على رأس وفد من قيادة قسد إلى دمشق، في 4 يناير/كانون الثاني، أي قبل يومين فقط من بدء الاشتباكات في حلب. كان من المفترض أن يلتقي عبدي المسؤولين السوريين في دمشق، في ديسمبر/كانون الأول الماضي، موعد الانتهاء من ترتيبات تطبيق اتفاق 10 مارس/آذار.
غير أن قائد قسد طلب تأجيل جولة المباحثات إلى موعد لاحق، انتظارًا لنتائج زيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، للولايات المتحدة ولقائه الرئيس دونالد ترمب في 29 ديسمبر/كانون الأول.
كانت قيادات حزب العمال وقسد، التي بدأت اتصالات مع الإسرائيليين منذ أوائل 2025، تأمل بأن يساعد نتنياهو على تغيير موقف إدارة ترمب من اتفاق 10 مارس/آذار، وتأمين غطاء أمريكي لوجود قسد واحتفاظها بمواقع سيطرتها.
ولأن نتنياهو فشل في إقناع ترمب بالتخلي عن سياسة دعم وحدة سوريا واستقرارها، لم يجد عبدي مناصًا من الذهاب إلى دمشق. ولكن، وبخلاف المتوقع، لم ينجح اللقاء بين عبدي ومسؤولي الحكومة السورية في إحراز أي تقدم ملموس. والأرجح، أن الجناح الأكثر تشددًا في قسد، والذي تربطه بحزب العمال علاقات وثيقة، دفع إلى إشعال الموقف في حلب للتوكيد على انهيار الاتفاق، والمحافظة على سوريا ساحة نشطة لحزب العمال الكردستاني، بعد أن كان الحزب قد انخرط فعلًا، بدعوة من مؤسسه عبد الله أوجلان، في عملية سلام وتخلٍّ عن العمل المسلح في تركيا.
لا شك أن سيطرة قسد على الأشرفية والشيخ مقصود ظلت مصدر قلق كبير للقيادة السورية منذ انهيار نظام الأسد، في ديسمبر/كانون الأول 2024؛ ليس فقط لأن مسلحي قسد لم يتوقفوا عن الإخلال بأمن المدينة التي تعد المركز الرئيس للاقتصاد السوري، بل أيضا لأن استمرار وجود تشكيل مسلح في أكبر مدن سوريا يعمق الانطباع بعجز الدولة عن فرض سيادتها على أراضيها وشعبها، ويشجع قسد على المضي في مشروعها الانفصالي. لذلك، فإن فشل مباحثات دمشق، من ناحية، والعبث بأمن واستقرار حلب، من ناحية أخرى، دفعا القيادة السورية إلى العمل على حسم الموقف في الأشرفية والشيخ مقصود.
استدعى الأمن السوري العشرات من العناصر الكردية السورية المنخرطة في صفوفه، إضافة إلى وحدات الجيش التي تضم جنودًا كردًا سوريين، للمساعدة على طمأنة أهالي الأشرفية والشيخ مقصود، الذين طُلب منهم إخلاء الحيين مؤقتًا إلى أن يتم إخراج المسلحين.
ولم تتطلب العملية الأمنية أكثر من خمسة أيام، قُتل خلالها عدد من مسلحي قسد وعناصر تابعة للنظام السابق كانوا يقاتلون إلى جانبهم، واستسلم عشرات آخرون. انتهت العملية، بعد أن تبين عجز المسلحين عن المقاومة، بإعلان قسد، في فجر 11 يناير/كانون الثاني، عن إخلاء حلب من عناصرها، والموافقة على أن تقوم السلطات السورية بنقل من استسلم منهم إلى مناطق نفوذ القوات الكردية في شرق الفرات.
ولأن مواقع تمركز قسد الأخرى في ريف حلب الشرقي استُخدمت لإطلاق طائرات مسيرة على مواقع قوات الدولة السورية في حلب أثناء أيام الاشتباكات، فقد طالبت القيادة السورية بإخلاء فوري لمسلحي قسد من أماكن تواجدها في غرب الفرات. لكن قيادة قسد لم تستجب لطلب الإخلاء؛ ما استدعى تقدم القوات السورية باتجاه كفر حافر ومسكنة، ومن ثم جنوبًا إلى الطبقة، التي تشرف على سد الفرات، أكبر وأكثر سدود الفرات حيوية. وبعد أن نجحت قوات الجيش السوري
أعلنت قيادة الأخيرة الانسحاب من غرب الفرات، ثم من سد الفرات الثاني، سد تشرين..