نفذ الجيش الأمريكي فجر السبت تدخلا عسكريا انتقائيا ضد فنزويلا انتهى باعتقال الرئيس نيكولا مادورو بطريقة تثير الكثير من التساؤل لا سيما في ظل عدم اغتيال أو اعتقال باقي القيادات. وعليه، هل تعلق الأمر بإهمال في الحراسة وسوء تقدير أم تواطؤ من الداخل للتمهيد لمشهد سياسي جديد؟
وعمليا، قامت واشنطن بشيطنة نيكولاس مادورو منذ أبريل/نيسان الماضي عندما بدأت تعتبره رئيس عصابة لتهريب مخدر الكوكايين نحو الأراضي الأمريكية أكثر منه رئيس دولة. وذهبت جميع التحاليل إلى التأكيد على أن توظيف محاربة المخدرات ما هي إلا وسيلة لتنفيذ الأجندة الحقيقية التي تريدها واشنطن وهي إخلاء منطقة أمريكا اللاتينية من أنظمة موالية للصين بالدرجة الأولى ثم روسيا بالدرجة الثانية.
وشددت وثيقة الأمن القومي الأمريكي الصادرة نهاية نوفمبر الماضي على هذه الأطروحة، في تأكيد لعودة عقيدة مونرو التي تعني بقاء الكاريبي وأمريكا اللاتينية بل حتى كندا ضمن نفوذ الولايات المتحدة.
وبعد تمركز أمريكي عسكري مكثف في الكاريبي منذ أغسطس/آب الماضي، جرت عملية اعتقال الرئيس مادورو في تكرار لسيناريو اعتقال الرئيس البنمي أنتونيو نورييغا سنة 1989 الذي جرى اتهامه بدوره بالتورط في تجارة المخدرات. غير أن الأمر في حالة مادورو يطرح الكثير من التساؤلات حول سهولة الاعتقال. ذلك أن فنزويلا دولة كبيرة المساحة وتتوفر على تشكيلات عسكرية وأمنية واستخباراتية متنوعة تجعل الاختراق العملي لحراسة الرئيس، أي شن هجمات مباشرة عليه أو اعتقاله، عملية صعبة للغاية ومكلفة بشريا.
في الوقت ذاته، يفترض أن رؤساء من طينة مادورو يفضلون الانتحار بدل اعتقالهم وإهانتهم بالسجن في الولايات المتحدة على شاكلة مهربي المخدرات. وكل هذا لم يحدث حيث يبدو أن مادورو لم تكن له فرصة للتحرك.
ونفذت عملية الاعتقال قوات الدلتا التي تعتبر نخبة القوات العسكرية البرية، وهي متخصصة في الاغتيالات والاعتقال وتحرير الرهائن. ومهما كان مستواها، فإن اختراق حراسة دولة من حجم فنزويلا يبقى عملا صعبا، لا سيما وأن حراسة الرئيس تستفيد من الدعم اللوجيستيكي من دول مثل كوبا وروسيا والصين، وأن سياق التوتر يجعل مادورو يتخذ إجراءات أكثر.
وأمام هذا الغموض، لا يمكن استبعاد وجود اتفاق سري بين قيادات عسكرية واستخباراتية فنزويلية مع واشنطن حول التضحية بالرئيس مادورو للانتقال نحو مرحلة سياسية جديدة في فنزويلا مقابل عدم متابعة غالبية المسؤولين الآخرين. ولم يضرب الجيش الأمريكي القناة التلفزيونية الرسمية بل تركها تتواصل مع الشعب، ولم يتم تنفيذ عمليات اغتيال واعتقال بعض القادة البارزين في السلطة، علما أن عملية اغتيال البعض منهم في المتناول.
ومما يعزز فرضية الاتفاق المسبق بمفهوم المؤامرة الداخلية، والتي وقعت في أحداث سابقة مثل حالة الرئيس الليبي معمر القذافي الذي تعرض لخيانة من حرسه الخاص، هو أن الضربات العسكرية لم تسفر عن إضعاف الجيش الفنزويلي وسقوط الكثير من الضحايا بل لم يتعد الأمر ضربات أمريكية انتقائية، وربما بهدف ترك الجيش يقوم بتطبيق الانتقال السياسي في هذا البلد وتفادي وقوع فوضى ستؤدي إلى حرب أهلية تحرق منطقة الكاريبي بالكامل.