الشريط الإعلامي

تجريم ظاهرة البلطجة

آخر تحديث: 2022-06-12، 09:04 am
د. نهلا المومني
أخبار البلد-
 
شهد عام 2022م استحقاقات تشريعية عديدة كان أبرزها التعديلات التي أجريت على قانون العقوبات الأردني رقم (16) لسنة 1960م وتعديلاته، وبالرغم مما أثارته العديد من التعديلات من جدل وسجال قانوني واختلاف في وجهات النظر، إلا أن التعديلات الأخيرة تضمنت نصا قانونيا سد ثغرة تشريعية وتصدى لأفعال جرمية وصلت في العديد من الحالات ونظرا لانتشارها مكانيا واستمرارها منذ فترة من الزمن في بعض المناطق من المملكة إلى حدود الظاهرة الجرمية، وهي ظاهرة استخدام القوة بأشكالها المختلفة تنفيذًا لغايات جرمية او ما يطلق عليها (البلطجة).
أبرز ما يميز نص المادة الذي تضمن تجريما لهذه الافعال وهو نص المادة(415) مكرر من قانون العقوبات استناده الى فلسفة تشريعية جزائية نابعة من الواقع وتطورات الجريمة محليا، وارتكازه على مبدأ التدرج في عملية التجريم وفي العقوبات المفروضة؛ حيث ابتدأت المادة بفرض عقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنتين لكل من قام بنفسه أو بواسطة غيره، باستعراض القوة أمام شخص أو التلويح له بالعنف أو بتهديده باستخدام القوة أو العنف معه أو مع زوجه أو أصوله أو فروعه أو أقاربه حتى الدرجة الثالثة، أو التهديد بالافتراء عليه أو على أي أحد منهم، بما يشينه أو بالتعرض لحرمة حياته أو حياة أي منهم الخاصة، .. متى كان من شأن ذلك الفعل أو التهديد، إلقاء الرعب في نفس المجني عليه، أو تكدير أمنه أو سكينته أو طمأنينته أو تعريض حياته أو سلامته للخطر، أو إلحاق الضرر بشيء من ممتلكاته أو مصالحه، أو المساس وبحريته الشخصية أو شرفه أو اعتباره أو بسلامة إرادته.
وصولا الى الحبس ثلاث سنوات إذا وقع الفعل أو التهديد من شخصين فأكثر أو وقع باصطحاب حيوان يثير الذعر او بحمل سلاح او الة حادة او مادة حارقة وغير ذلك من الأدوات، ويستمر المشرع في التدرج في عملية التجريم والعقوبة حيث يصل الحبس إلى عشر سنوات في حالات أخرى، انتهاء إلى ايقاع عقوبة الاعدام إذا نتج عن الأفعال الجرمية بتر أو استئصال أحد الأعضاء أو تعطيل أحد الحواس أو أحداث تشويه جسيم أو عاهة دائمة أو موت إنسان.
ولعل من أبرز الأحكام التي جاءت بها المادة 415 مكرر من قانون العقوبات عدم جواز استخدام الأسباب المخففة التقديرية في حال التكرار أو وقوع الفعل على مستثمر، وهو نص يأتي في سياق الحد من انتشار هذه الظاهرة الجرمية وتحقيق أكبر قدر من الردع العام والخاص وصولا الى أن تصبح هذه الظاهرة في أدنى مستوياتها؛ ليعود التوازن الى المجتمع وتتحقق الطمأنينة العامة للأفراد وللجهات المختلفة بعد أن وصلت هذه الجريمة إلى مراحل منعت الأفراد من التقدم بشكاوى على ممارسي البلطجة وفارضي الاتاوات خوفا ووجلا على أنفسهم وأبنائهم واقاربهم.
على صعيد آخر ولغايات الوصول الى أقصى حدّ من تحقيق الردع العام والخاص أيضا فقد أرتأى المشرع الجزائي أن يخرج عن القواعد العامة في تجريم التحريض والاشتراك الجرمي؛ حيث عاقب المشرع كلا من المحرض والمتدخل بعقوبة الفاعل، وإن كان هذا التوجه له أسبابه ومبرراته القانونية والاجتماعية لضبط هذه الجريمة والحد من استفحالها وخطورتها، إلا انني أجد أن المشرع واتساقا مع التدرج في عملية التجريم والمعاقبة على الأفعال الواردة ولغايات ضمان التناسب بين الاثم أو الفعل الجنائي والعقوبة المرتكبة كان من الأفضل أن يبقى في اطار القواعد العامة بالمعاقبة على افعال المتدخل.
إن التعديلات التي أجريت على قانون العقوبات وتحديدا نص المادة 415 مكرر، ولوضع حدّ لهذه الافعال الجرمية التي نتج عنها انتهاك واضح لحق المجتمع في التمتع بالطمأنينة والاستقرار والشعور بالأمن والسكينة العامة، يستدعي وبصورة موازية رفع وعي الافراد والمجتمع بهذه التعديلات ليتجاوزا مرحلة الصمت والخوف من التقدم بالشكاوى بحق كل من تجاوز على حق المجتمع وانتقص من أمن أفراده وأقلق السكينة العامة في الدولة؛ فالنصوص القانونية التي لا تترافق مع وعي كاف وثقافة حقوقية تجعل من الفرد بحد ذاته مدافعا عن سيادة القانون بالدرجة الأولى ستبقى نصوصا لا تحقق الغاية التي توخاها المشرع من اقرارها او تعديلها.