الشريط الإعلامي

الجريمة في الأراضي المحتلة 1948: قراءة في الأبعاد الاجتماعية والسياسية

آخر تحديث: 2022-03-28، 10:04 am
حسن محمد صعب
ورقة علمية: الجريمة في الوسط الفلسطيني في الأراضي المحتلة 1948: قراءة في الأبعاد الاجتماعية والسياسية


اخبار البلد - 


 
ليست فلسطين، وبالخصوص الأراضي التي تحتلّها "إسرائيل" منذ سنة 1948، استثناءً عن بقيّة الدول أو الكيانات لجهة حصول جرائم قتل فيها، ولأسباب ودوافع مختلفة، وتصاعدها في مراحل معيّنة إلى حدّ تهديد الكيان الوطني والسياسي والاجتماعي لمن يُسمّون حتى اليوم "عرب أو فلسطينيو 48".

في هذا البحث نتناول، توثيقاً وتحليلاً، قضية باتت تُعدّ من أخطر القضايا التي تواجه الشعب الفلسطيني في أراضي 48، وهي تزداد خطورة مع مرور الأيام، ألا وهي قضية استفحال الجريمة داخل المجتمع الفلسطيني هناك، مع عجز شبه تام عن مواجهتها وإيجاد الحلول الجذريّة لها من قِبل العشائر والحمائل والفعاليات الفلسطينية، مقابل تواطؤ إسرائيلي، علني ومستتر، لزيادة حدّة هذه الأزمة، أو العمل على حصرها فقط، بحيث لا تهدّد أمن الكيان الإسرائيلي ومجتمعه الهجين والهش، في ظروف الحرب أو الاشتباك مع المقاومة الفلسطينية أو مع محور المقاومة، كما حصل بشكل موسّع في أثناء انتفاضة الأقصى في أيلول/ سبتمبر 2000، وبشكل محدود، ولكن مؤثّر، خلال معركة "سيف القدس" في أيار/ مايو 2021.

ولأن الجريمة كظاهرة اجتماعية (سلبية) بالدرجة الأولى، ولكنها تحمل مضامين سياسية وأمنية وثقافية، وهي تختلف عن ظاهرة العنف بالطبع، تتعدّد مناهج تحليل هذه الظاهرة الخطيرة، وتحديد أسبابها وظروفها، والوسائل الممكنة للقضاء عليها أو الحدّ من تداعياتها، وذلك بحسب الأهداف التي يضعها المتابعون أو المهتمّون بتلك الظاهرة، سواء من المعنييّن مباشرة بها، من القوى السياسية والاجتماعية الممثّلة للشعب الفلسطيني على امتداد أرض فلسطين التاريخية، أم من دول وقوى وفصائل محور المقاومة، التي تسعى، في سياق توسيع وتفعيل أُطُر المواجهة مع المشروع المعادي، في داخل فلسطين بالخصوص، إلى تحديد الثغرات ونقاط الضعف في بيئة المقاومة، سواء في الأرض المحتلة سنة 1967 أم تلك المحتلة سنة 1948، تمهيداً لحصر تداعياتها السلبية في مرحلة أولى، وللقضاء عليها في مرحلة لاحقة إن أمكنها ذلك، أو لتوجيه "زخمها" نحو الكيان الإسرائيلي، العامل الأساس في معاناة الشعب الفلسطيني المستمرّة منذ عقود.

وكما أسلفنا، هناك عدّة مناهج لتحليل الظواهر الاجتماعية ووضع سُبل معالجتها، وأبرزها: المنهج التاريخي، والمنهج الوصفي، والمنهج الاستقرائي، والمنهج التجريبي.

في هذا البحث سيتم الاستناد إلى المنهج الوصفي التحليلي، وهو أسلوب وطريقة لتحليل المعلومات حول قضية معيّنة خلال مراحل زمنية محدّدة، والتوصّل لاستنتاجات دقيقة، ثم القيام بعملية التفسير الموضوعي، بُغية الخروج بخلاصات محدّدة؛ مع الالتزام بتكثيف أو توسيع المعطيات ذات الصلة حسب منهج البحث وضوابطه، لكن من دون التقيّد بالشكليّات أو المصطلحات التي تعيق وصول فكرة البحث وغايته بشكل سلِس ومباشر.

أوّلاً: معطيات ديموجرافية:

لطالما شكّل الوجود الفلسطيني عموماً، وذلك الراسخ بقوّة في الأراضي المحتلة سنة 1948 بالأخص، هاجساً مؤرقاً لكيان الاحتلال، أوّلاً لأنّ هذا الوجود ما زال يرفض ويقاوم كلّ محاولات التهجير أو التذويب أو التدجين الصهيونية، وثانياً لأنه وجود حيٌ وفاعلٌ ويتنامى باستمرار داخل جسد الكيان، وبما يهدّد وجوده وبقاءه، بالبُعدين الاستراتيجي والديموجرافي معاً.
في البُعد الديموجرافي تحديداً، قدّر مركز الإحصاء الفلسطيني أعداد الفلسطينيين حول العالم بنحو 14 مليوناً مع نهاية سنة 2021. وقالت د. علا عوض، رئيسة المركز، إن:

"عدد الفلسطينيين المقدّر فـي نهاية سنة 2021 بلغ نحو 14 مليوناً؛ 5.3 مليون في دولة فلسطين (بواقع 3.2 مليون نسمة في الضفة الغربية و2.1 مليون نسمة بقطاع غزة)، وحوالي 1.7 مليون في أراضي 1948، وما يقارب من 7 ملايين في الشتات (6.3 مليون في الدول العربية ونحو 750 ألفاً في الدول الأجنبية)."[1]

يقيم الفلسطينيون العرب في "إسرائيل" في 5 مناطق رئيسية هي: الجليل، والمثلّث، والجولان، والقدس، وشمالي النقب. وحسب قانون المواطنة الإسرائيلي، حاز المواطنةَ كلُّ من أقام داخل الخط الأخضر في 1952/7/14، ما أغلق الباب أمام اللاجئين الفلسطينيين الذين لم يتمكنوا من العودة إلى بيوتهم حتى هذا التاريخ، حيث يمنعهم من الدخول إلى "إسرائيل" كمواطنين أو سكان محلييّن. كما رفضت "إسرائيل" منح حق لمّ الشمل لكلّ من هو أو هي من فلسطينيي 48 وتزوّج أو تزوّجت بفلسطيني أو عربي، ما أبقى مئات العائلات مشتّتة ما بين الضفة و"إسرائيل".[2]

ويشكّل المسلمون في "إسرائيل" نحو 82% من السكان العرب، ويعيش نحو 50% من السكان العرب في 114 مدينة وبلدة وقرية مختلفة بجميع أنحاء "إسرائيل". وفي المجمل، هناك 122 بلدة عربية بـ"إسرائيل":، منها 89 يزيد عدد سكانها على ألفي نسمة. وفي سنة 2017، كانت مدينة الناصرة أكبر مدينة عربية، وبلغ عدد سكانها 76,551 نسمة، منهم نحو 40 ألف مسلمون والبقيّة من المسيحيين، علماً أنها تضم أكبر تجمُّع للمسيحيين. أما الدروز، فيتمركزون في كلٍ من بلدة دالية الكرمل، ويركا، والمغار، وعسفيا.[3]

ثانياً: الجريمة في أراضي 48: عوامل عديدة أوّلها الاحتلال:

تتعدّد أسباب الجرائم وأنواعها وتداعياتها؛ وهي تُلقي بثقلها كما بانعكاساتها المدمّرة على المجتمع التي تحصل فيه، بكلّ مكوّناته، وصولاً إلى الدولة أو الكيان الذي يؤطّر ذلك المجتمع ويحميه؛ هذا ما يحصل في دول العالم، باستثناء الكيان الإسرائيلي الذي يستهدف المجتمع الذي يُفترض أن "يحتضنه" أو "يحميه"، أي المجتمع الفلسطيني في الداخل المحتل منذ سنة 1948.

ومن ضمن أساليب الاستهداف الإسرائيلي لهذا المجتمع، تشجيع جرائم القتل بين أفراده أو شرائحه المختلفة، عبر حماية العصابات التي تنشط داخله، ومنها تلك المرتبطة بالعصابات الإسرائيلية المنظّمة، إضافة إلى الإسهام الإسرائيلي بانتشار السلاح بين الناس، وعدم ملاحقة المرتكِبين بجديّة، وحتى غضّ الطرف عن الجرائم المتصاعدة بين المواطنين في أراضي 48، وكأنها تحصل في بلد آخر؛ ناهيك عن الاحتلال الإسرائيلي، والذي يُعدّ بحدّ ذاته بيئة ملائمة لنموّ وتصاعد الجريمة في الداخل الفلسطيني منذ عقود.

1. دراسة إحصائية حول ضحايا القتل من عرب 48:

تؤكد الدراسات الإحصائية على مدى السنوات الماضية ارتفاع نسبة جرائم القتل بين فلسطينيي 1948، مقارنة بالنسب العادية أو المقبولة في المناطق المحتلة سنة 1967، أو داخل الكيان الإسرائيلي، بالإضافة إلى دول العالم.

فقد أصدرت "بلدنا – جمعية الشباب العربي" بالتعاون مع "المركز من أجل الثقة، والسلام والعلاقات الاجتماعية" في جامعة كوفنتري Coventry University البريطانية، دراسة إحصائية شاملة لـ"9 سنوات من الدم 9 years of blood"، رصدت معلومات إحصائية عن ضحايا جرائم القتل خلال الفترة 2019-2011، لأول مرّة منذ تفشّي هذه الظاهرة الخطيرة.

ووفقاً للدراسة، يرتفع المعدّل السنوي لجرائم القتل في المجتمع الفلسطيني في الداخل إلى 64 جريمة، وهو معدّل مرتفع جداً بالمقارنة مع نظيره في الضفة الغربية من جهة، وفي المجتمع الصهيوني من جهة أخرى. وتفيد الدراسة أن:

"جرائم القتل منتشرة" في كافة مناطق تواجد الفلسطينيين"، ولكن نسبة الضحايا أعلى في منطقة "المركز" (يافا، اللد والرملة)، حيث إن عدد القتلى يرتفع إلى 112 في هذه المنطقة، رغم أن عدد سكانها لا يتجاوز الـ 71,000 نسمة، ما يعني أن عدد القتلى لكلّ 100 ألف شخص هو 156، وهو الأعلى بين المناطق الفلسطينية. ارتفع عدد القتلى في منطقة الشمال (من عكّا على الساحل إلى بلدات وقرى الداخل) إلى 138 ضحيّة، ما يشكّل 24% من جموع الضحايا؛ ولكن بسبب عدد السكان الذي يصل إلى 464,700 نسمة، فعدد القتلى لكلّ 100 ألف شخص هو 30. ….

تشير الإحصائيات إلى أن جيل الشباب هو المستهدف الأول بجرائم القتل، إذ إن "حوالي نصف القتلى هم شباب من عمر 15 عاماً حتى 30 عاماً"، ونسبة فئة الشباب من الضحايا مرتفعة في كلّ المناطق. ورغم تدنّي عدد الضحايا في منطقة حيفا (24 ضحيّة)، إلاّ أن نسبة الشباب الذين سقطوا من جرّاء القتل تمثّل 79% من مجمل الضحايا في هذه المنطقة."[4]

2. تحوّلات بنيويّة فاقمت العنف والجريمة:

إن السلوك الإجرامي هو عبارة عن ظاهرة اجتماعية تعبّر عن محصّلة العوامل الفردية والأخلاقية والاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية، المحلية والعالمية. أي أنّ الجريمة هي نتاج تفاعل الأفراد مع بعضهم البعض من جهة، وتفاعلهم مع البيئة الاجتماعية من جهة أخرى، وكذلك التفاعل مع الدولة وسياساتها، ومع البيئة العالمية في ظل العولمة والتقنيّات الإلكترونية ووسائل التواصل اللا اجتماعية.[5]

وحول دوافع انتشار الجرائم بين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة سنة 1948، يقول الأستاذ رضا جابر، مدير مركز أمان – المركز العربي للمجتمع الآمن:

"أصبح الشعب الفلسطيني في الداخل "أقليّة قوميّة في حالة صراع وهامشية دائمة داخل دولة تعتبرها جسماً غريباً، بل عدواً لها". ثم جاءت "مرحلة ما بعد أوسلو، وقد رافقتها عملية بتر ناعمة وغير مرئيّة، في الوعي، عن القضية الأم. وقد أحدثت تحوّلاً في عمق انتماء هذا المجتمع وتماسكه". فيستخلص أن تأثير هذين الحدثين (النكبتين) متواصل وتراكمي، وله أبعاد عميقة على شعور الفرد بالانتماء لمجتمعه وشعوره بالمعنى والأهمية داخله. تتفشّى الجريمة والعنف في المجتمعات التي تآكلت بوصلتها الجامعة وتشظّت هويّتها."[6]

وفي كتاب بعنوان "إرهاب مدني"، أعدّه الباحث في العلوم الاجتماعية نهاد علي، فكّك الكاتب ظاهرة العنف في المجتمع العربي الفلسطيني في "إسرائيل"، موضحاً أن لعملية التمدّن والتخطيط القروي والحَضَري التي مرّ بها هذا المجتمع، دور أساسي في نشوء، أو على الأقل الإسهام، في ارتفاع العنف الاجتماعي على مختلف صوره. ووفق علي:

"ساهمت "الحارة" كمُركّب عضوي فيزيائي واجتماعي تضامني داخل المدينة في تخفيف ظاهرة العنف، لأن النظام الذي كان سائداً داخل القرى الفلسطينية قبل الاحتلال هو نظام أبوي "بطركي"، الكلمة فيه لكبير العائلة/ المختار الذي يمثّلهم وينطق باسمهم، علماً بأن هذا النظام أدّى في بعض الحالات إلى خلق اعتداءات وصراعات بين حمائل وعشائر رافقها قتل وتخريب، وخصوصاً بعد "معارك" الانتخابات التي تتمثل في الصراع على السيطرة أو التمثيل داخل البلدات الفلسطينية؛ لكنّ شكل الصراع وحجمه بين الحمائل تبدّلا بعد تحوّل القرى الفلسطينية إلى مدن صغيرة، ومرورها في سيرورات ظاهرة التمدّن والمَدْيَنة.”[7]

تُضاف إلى تلك الأسباب، حالة "العجز الديموقراطي" التي يعانيها فلسطينيو الـ 48، حيث يوجد خلط بين مفاهيم الديموقراطية وممارستها من جهة، واستغلالها لنيل قوّة تمثيلهم بواسطة ذوي المصالح الضّيقة من جهة أخرى. ووفق الكتاب الصادر عن جامعة حيفا سنة 2015، فإن هذا العجز أسهم في تطوير ظواهر عنف اجتماعي من نوع جديد لم يشهده المجتمع الفلسطيني من قبل، وخصوصاً الصراع على رئاسة وإدارة السلطة المحلية.

وبالرغم من أن الإحصاءات الرسمية تشير إلى انخفاض عدد الجرائم داخل المجتمع اليهودي الإسرائيلي، مقارنة بالعربي الفلسطيني، أسهمت المعايشة والاحتكاك اليومي مع الآخر (الإسرائيليين)، والانفتاح عليه أحياناً، في فرض سلوكيات ومنظومات معيّنة أثّرت مباشرة في شرذمة وتقطيع المجتمع العربي، خلال الاتصال المباشر معه في العمل أو مناطق الحيّز العام، مثل: الجامعات، والدوائر الرسمية، وأماكن السهر.[8]

3. الفقر عامل رئيس للعنف.. وعوامل أخرى:

هناك أسباب أخرى عديدة تقف وراء تصاعد معدّلات الجريمة بين فلسطينيي 48، وأبرزها الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تصاعدت حدّتها بعد تفشّي وباء كورونا على مستوى فلسطين والعالم قبل أعوام، وما نتج عنها من تداعيات في مختلف المجالات، ومنها: أزمة السكن الحادّة في المدن أو البلدات المدينية، وتزايد نسب البطالة بين الشباب الفلسطيني، وإفلاس الشركات والمؤسسات الصغيرة أو محدودة التمويل، حيث اضطرّ أصحابها، كما التجّار وأصحاب الأعمال وغيرهم، للاقتراض (كبديل عن البنوك الإسرائيلية)، ممّا سمّي السوق السوداء التي تديرها مافيات عربية مالية مرتبطة أو محميّة من مافيات إسرائيلية، ليست بدورها بعيدة عن مظلّة الأجهزة الأمنية والاستخبارية الإسرائيلية. ومعروفةٌ النتائج الكارثية لمن يسير في خيار الاقتراض من العصابات أو المافيات المالية في أي بلد أو مجتمع: الإفلاس، القتل، أو الانتحار![9]

ثالثاً: الاحتلال يُفعّل مشروعه التفتيتي بأيدٍ فلسطينية:

شرع الكيان الإسرائيلي منذ سنة 2000 بتفعيل مشروعه القديم لتفتيت مقوّمات بقاء وصمود الشعب الفلسطيني في الداخل المحتل، بعدما استشعر خطراً داهماً بسبب ما سُمّي حينها بـ"هبّة الأقصى" أو "هبّة أكتوبر"، والتي سقط فيها 13 شاباً فلسطينياً من المثلّث والجليل، في مطلع تشرين الأول/ أكتوبر 2000، برصاص الشرطة الإسرائيلية؛ وهم كانوا يتظاهرون احتجاجاً على تدنيس زعيم المعارضة الإسرائيلية حينها، الإرهابي أريل شارون Ariel Sharon، لحُرمة المسجد الأقصى المبارك، والذي اندلعت على إثره انتفاضة الأقصى (الانتفاضة الثانية) في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة، والتي استمرّت قرابة خمسة أعوام.

وبعد معركة سيف القدس مع المقاومة في غزة في أيار/ مايو 2021، والحركة الشعبية الاعتراضية (العنيفة) التي انطلقت للتضامن مع غزة والمسجد الأقصى في بعض المناطق "الاستراتيجية" ضمن الأرض المحتلة سنة 1948 (عكّا واللد وحيفا)، وحصول مواجهات "بالسلاح" مع المستوطنين والشرطة الإسرائيلية، عاد الكيان إلى سياسة التواطؤ أو غضّ الطرف عن الجرائم في مناطق 48، لمعاقبة فلسطينيي الداخل، ولإشغالهم عن الدفاع عن قضاياهم الأساسية، وفي مقدّمها وجود الاحتلال وتطوّر مخططاته التهويدية للقدس وللنقب ولكلّ فلسطين.

1. الجريمة الفلسطينية بسلاح إسرائيلي:

لسنوات طويلة، أغمضت "إسرائيل" وأجهزتها الأمنية أعينها عن السلاح المنتشر بصورة مرعبة بين الفلسطينيين. لكنها عندما نفّذ الشهيد نشأت ملحم من بلدة عارة – عرعرة عملية إطلاق نار في شارع ديزينغوف Disengoff Street في تل أبيب وقتل إسرائيليين اثنين وجرح عدداً آخر (مطلع سنة 2016)، اكتشفت أن هناك ساحات حرب وعرباً يحملون أسلحة، مصدرها الأساسي من جنود جيش العدو الذين يبيعونها ثم يبلّغون عن فقدانها للدوائر المعنية، كما صرّح بذلك وزير الأمن الداخلي جلعاد أردان Gilad Erdan.ا[10]

ووفق المعطيات التي تقدّم بها أردان في إحدى جلسات الكنيست، تبيّن أن جنود الجيش لا يبيعون فلسطينيي الـ 48 بنادق أو مسدّسات فقط، بل قنابل يدوية وعبوات ناسفة وقنابل صوتية وأسلحة أخرى أيضاً. كما أنه بين سنتي 2014 و2015 فُتح 2,500 ملف مُتعلق بقضايا الوسائل القتالية وفقدان أسلحة.

يرفض فلسطينيو الـ 48، بخلاف ادعاءات أجهزة تطبيق القانون في "إسرائيل"، انتشار ظاهرة السلاح غير المرخّص، الذي يستخدمه المجرمون وتجّار المخدّرات ومجموعات المافيا والجرائم المنظّمة؛ لكنهم في الوقت نفسه يرفضون تدخّل الشرطة الإسرائيلية، لكونها شرطة احتلال ومتحيّزة إلى طرف دون الآخر، وتعمل وفق أجندة سياسية معادية لهم؛ بالإضافة إلى انتشار الفساد في أروقتها وارتباطاتها المشبوهة مع منظمات الجريمة. ودوماً، حذّر المسؤولون الفلسطينيون في الداخل من استغلال حاجة مجتمعهم إلى الأمن الفردي والجماعي من أجل تنفيذ أجندات مرفوضة، كقضية التجنيد الإجباري، أو الخدمة المدنية، أو استغلالهم في هدم البيوت العربية "غير المرخّصة".[11]

2. ارتفاع حاد في مستوى ارتكاب الجرائم بين الفلسطينيين:

يقول رئيس حزب التجمّع الوطني الديمقراطي الدكتور جمال زحالقة، إنّ المجتمع الفلسطيني في أراضي 48، في السنوات الأخيرة، ارتفاعاً حاداً ومتواصلاً في مستويات العنف والجريمة بشكل عام، وفي جرائم القتل بشكل خاص. ففي الفترة الممتدّة بين سنتي 1980 و2000، كان عدد القتلى في جرائم جنائية أقل من مئة قتيل، وارتفع هذا العدد إلى نحو 1,500 قتيل منذ بداية الألفيّة الثالثة حتى اليوم (2021)، بما يزيد عن 15 ضعفاً.[12]

يقول د. وليد حدّاد، أحد المختصّين العرب في علم الإجرام، قبل 20 عاماً، وتحديداً نتيجة هبّة تشرين الأول/ أكتوبر التي رافقت الانتفاضة الثانية من الداخل الفلسطيني:

"أبرق الفلسطينيون في الداخل رسالة واضحة إلى الدولة، مفادها أنّ شعبنا صاحب وعي وطني ويريد حقوقه السياسية. واشتعل الضوء الأحمر لدى الأجهزة الحكومية، فميّزت هذه الأجهزة بين السلاح الجنائي والسلاح الأمني، وقرّرت وضع ملف الجريمة في المجتمع العربي على الرفوف. وعلى حسابه، يأخذ الجانب الأمني كلّ الحيّز على الطاولة."[13]

ويقول التقرير الذي قدَّمه مركز الأبحاث والمعلومات التابع للكنيست Knesset Research and Information Centre (RIC) للجنة الداخلية البرلمانية في سنة 2010: "إن مستوى الجريمة في المجتمع العربي يتفاقم مقارنة بانخفاض مستواه في المجتمع اليهودي، وإنَّ أحد أسباب هذا التفاقم هو حالة الفقر المستعصية والمستمرة"؛ ولكنه في الواقع لم يأخذ بعين الاعتبار أسباباً أخرى، مثل الحملة الشرطية الناجعة على عصابات الجريمة اليهودية منذ سنة 2004، والتي سُمّيت آنذاك بـ"الإرهاب الجنائي". ولم يُشِر التقرير إلى أن أيتام هذه العصابات من المجرمين العرب انتقلوا للعمل في المدن والقرى العربية، ليعيثوا بها فساداً وينشروا فيها ظاهرة "الخوّة" والقتل الرخيص، من دون رادع حكومي. كما لم يُشر إلى الضائقة السكنية التي تولّد العنف والصراعات على كلّ صغيرة وكبيرة، وأسباب أخرى كثيرة لتفاقم العنف؛ لكنه يشير إلى أن الحكومة تحاول "معالجة" هذا الملف، من خلال "زيادة عدد أفراد الشرطة العرب". هذا يعني أنها تستثمر الجريمة لزجّ الشباب العرب في الخدمة الأمنية، شرطية كانت أو عسكرية، بدلاً من مقاومة الجريمة بالوسائل الشرطية والقضائية وتوسيع الحيّز العام حتى يستطيع المواطن أن يعيش بهدوء.[14]

3. قرار إسرائيلي بمكافحة الجريمة في أراضي 48 يُصعّدها!

في أعقاب حملة إعلامية مكثّفة قبل سنة 2016 وخلالها، قادتها بعض وسائل الإعلام العربية وجمعيات أهلية، اتخذت حكومة بنيامين نتنياهو Benjamin Netanyahu قراراً خاصاً بمحاربة العنف والجريمة في المجتمع العربي، وسمّي بالقرار 1402، صادقت بموجبه على خطّة حكومية لمحاربة الجريمة بميزانيّة تبلغ ملياري شيكل (نحو 529 مليون دولار).[15] ولكنَّ مضمون الخطّة عاد إلى البنود نفسها التي ذُكِرت في سنة 2010، ومنها ضرورة تجنيد 2,600 شرطي عربي حتى سنة 2020، وزيادة الدوريات الشرطية، وفتح محطّات شرطة جديدة في القرى والمدن العربية؛ وعُيّن لذلك مفوّض خاص من قِبل الشرطة، عربي من سكان قرية كفركنا، هو الضابط جمال حكروش.[16]

بعد مرور 10 أعوام على التقرير الأول لمركز الأبحاث والمعلومات التابع للكنيست للجنة الداخلية البرلمانية (2010)، وبعد مقتل أكثر من 800 مواطن عربي إضافي على أيدي مجرمين عرب من عصابات وأفراد مسلّحين، قدّم مركز الأبحاث نفسه تقريراً آخر للجنة مكافحة الجريمة في المجتمع العربي في 2020/11/9، والذي شارك في جلستها نتنياهو شخصياً، فعاد ليؤكّد استمرار تصاعد دالّة الجريمة المنظّمة، مع أرقام أكبر بكثير لعدد الضحايا، وبوتيرة متصاعدة باستمرار. ففي حين كان عدد الضحايا العرب 67 قتيلاً في سنة 2012، وفق الإحصائيات الرسمية، أصبح عددهم 101 قتيلاً حتى 2020/11/9، وانتهت سنة 2020 بـ 113 قتيلاً.[17]

رابعاً: المواقف الفلسطينية والإسرائيلية من تصاعد الجريمة في أراضي 48:

1. المواقف والتحرّكات الفلسطينية:

أ. تمييز عنصري حتى في مكافحة الجريمة!

تتصاعد المواقف والتحركات الصادرة عن هيئات سياسية مؤثّرة مثل لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في أراضي الـ 48 أو فاعليات عشائرية أو جهات حزبية أو ناشطة في المجتمع الأهلي الفلسطيني، كلّما ازدادت نِسب الجريمة في أراضي 48، وهي تتوجّه لإدانة السلطات الإسرائيلية، الأمنية والعسكرية والمدنية، بالتواطؤ أو غضّ الطرف عن التصدّي للعصابات العربية (أو الأفراد) التي تتحرّك بحرية شبه تامة في المناطق العربية، مقابل تقييد كامل لحركتها الإجرامية في أراضي ما يسمّى "الدولة الإسرائيلية"؛ والغاية واضحة من هذا المسار الإسرائيلي المزدوج والمشبوه: تفتيت المجتمع الفلسطيني من الداخل، لأنه رفض وقاوم كلّ محاولات الطرد والترانسفير أو التذويب الإسرائيلية طيلة العقود الماضية. لكن سيتم التركيز فيما يأتي على المواقف أو التحركات "المؤثّرة" فقط، والتي تفيد السياق العام للبحث وهدفه.

في هذا الإطار، قال النائب العربي السابق في الكنيست، جمال زحالقة، إن الفلسطينيين في الداخل يعيشون في ظلّ نظام عنصري إسرائيلي، يمارس التمييز في كافة مجالات الحياة، بما فيها مكافحة الجريمة. وأضاف: "العنصرية هي الخلفية الأساسية لما يجري؛ إسرائيل دولة يهودية، والأولوية فيها لليهود، وهناك تمييز بنيوي تجاه العرب، والقضية قضية نظام لا سياسة؛ وموضوع العنف والجريمة لا يختلف جوهرياً في سياسات إسرائيل فيما يتعلق بموضوع التعليم، والتشغيل، والبنى التحتية، وغير ذلك". وشدّد زحالقة على أن: "إسرائيل تدّعي أنها تحارب الجريمة في المجتمع العربي في الداخل، لكن الحقيقة على العكس تماماً. الشرطة ساهمت في تقوية المنظمات العربية، بعد أن سحقت منظمات الإجرام اليهودية، مشيراً إلى أن هذه المنظمات تحظى بحالة ازدهار غير مسبوقة، فيما الشرطة تتفرّج". وتابع: "إسرائيل مارست سياسة التجاهل، وغضّ الطرف عن موضوع العنف والجريمة في المجتمع العربي. لكن الآن ستضطر إلى التعامل معها، لأنها وصلت إلى المجتمع اليهودي"؛ شارحاً ذلك بالقول: "تجّار المخدّرات العرب يبيعون بضاعتهم الآن في المدن اليهودية؛ وهذا أطلق إشارات حمراء قوية لدى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية". واتّهم زحالقة "المؤسسة الإسرائيلية" بالمسؤولية عن مقتل أكثر من 1,300 شخص منذ سنة 2000 إلى اليوم (2019).[18]

ب. 450 ألف قطعة سلاح في أراضي 48!

كشف الخبير في الشؤون الإسرائيلية، إبراهيم جابر، أن الحكومة الإسرائيلية تتّبع سياسة التراخي وغضّ الطرف عن متابعة قضايا الجريمة في الوسط العربي، في إطار سياسة عامة هدفها إشغال المجتمع الفلسطيني بنفسه، بعيداً عن القضايا الجوهرية التي من المفترض أن يهتم بها المواطن العربي. وقال جابر: "إن عدداً من المافيات والعصابات العربية يعمل في الداخل، مشيراً إلى أن الحديث يدور عن ثمانية من عصابات الإجرام تعمل في القتل والابتزاز في الوسط العربي، وسط غياب تام لدور الشرطة، حيث إن الكثير من المجرمين طلقاء، دون ردع أو عقاب". ولفت إلى أن "تجّار السلاح "اليهود" يروّجون بضاعتهم في الوسط العربي، مشيراً إلى أن الحديث يدور عن نحو 450 ألف قطعة سلاح منتشرة في المجتمع الفلسطيني، ساهمت في ترويجها عصابات إجرام يهودية".

وقد عزا جابر انتشار الجريمة إلى "حالة الانفتاح على المجتمع اليهودي التي أدّت إلى حدوث بعض الأمراض الاجتماعية في المجتمع العربي"، لافتاً في هذا الصدد إلى أن "شريحة من الشباب الفلسطيني في الداخل تأثّروا بعصابات الإجرام في المجتمع اليهودي، وابتعدوا عن العادات والتقاليد في المجتمع الفلسطيني، ما انعكس بشكل مباشر على ارتفاع حدّة قضايا العنف والإجرام".[19]

ج. "إسرائيل" تعاقب فلسطينيي الداخل بسلاح الجريمة:

يقول مدير معهد مسار للأبحاث الاجتماعية في أراضي الـ 48 خالد أبو عصبة إن الأمم المتحدة United Nations حدّدت مقتل 10 قتلى/ مليون شخص كحدٍ طبيعي، وإن المعدّل في الأراضي الفلسطينية 11 قتيلاً/ مليون شخص. وتشير الأرقام إلى سقوط 46 قتيلاً/ مليون داخل أراضي العام 48. وأشار إلى أن تصاعد أعداد القتلى نتيجة الجرائم المتلاحقة في الداخل جزءٌ من حالة مقصودة تخطّط لها دوائر في "إسرائيل" من أجل إغراق المجتمع العربي في أتون الجريمة التي تجعل الفلسطيني في الداخل يفقد أمانه الشخصي.[20]

ويشير المحامي في الداخل رضا جابر، إلى أنه "منذ عام 2000، قُتِل أكثر من 1,350 مواطناً عربياً في أراضي 48؛ وفي عام 2018 قُتِل 75 عربياً، منهم 14 امرأة". وأضاف: "وفي عام 2017 قُتِل 72، وفي 2016 قُتِل 64. أما في 2015 فقُتِل 58. كما كشف أنه منذ مطلع العام الحالي قُتِل 25 عربياً، لافتاً إلى أن الأغلبية الساحقة من هذه الجرائم ما تزال لغزاً والقتَلة طُلقاء". وأكد أن "إسرائيل تغضّ النظر عن العنف والجريمة والتجارة بالسلاح في الشارع العربي منذ هبّة القدس والأقصى والانتفاضة الثانية، بعدما تنبّهت للدور الخطير لفلسطينيي الداخل، كشكلٍ من أشكال العقاب لفلسطينيي الداخل لمواقفهم الوطنية".[21]

د. ترابط عضوي بين العصابات العربية والإسرائيلية:

تكشف المُخرجة السينمائية والصحافية سهى عرّاف، في دراسة استقصائية، ومن خلال المقابلات التي أجرتها مع المتخصّصين في شأن الجريمة، أن منظمات الإجرام الكبيرة ولِدت بداية الثمانينيات في الشارع اليهودي، و"أصبحت تشكّل خطراً على اقتصاد وأمن "إسرائيل". عملت هذه المنظمات في "المدن اليهودية مثل نتانيا، كرمئيل ونهاريا. كانت منظمات الإجرام "العربية" بمثابة مقاول ثانوي لها وكانت تتولّى التنفيذ". وبعد انهيار المنظمات اليهودية التي تمّ محاربتها من قِبل السلطات الرسمية، انتقلت الظاهرة إلى الوسط العربي، و"شرعت في تطوير ذاتها". لم تحاربها الشرطة الإسرائيلية، فتوسّع نشاطها إلى حدّ سيطرتها على المجالس المحلية والبلديات، و"تعرّض رؤساء 15 سلطة محلية لإطلاق النار، مباشرة، خلال السنة المنصرمة (2019)، وهو ما يؤشّر على منحىً خطير… الهدف من وراء هذا كلّه هو تبييض أموال هذه المنظمات" من خلال المناقصات والابتزاز.[22]

يقول رئيس لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في أراضي الـ 48 محمد بركة، إنّ "منظمات الإجرام اخترقت السلطات المحلية قبل 20 سنة، في الانتخابات المحلية التي جرت في العام 1998… وتعزّزت قوة هذه المنظمات بالدعم الذي تحصل عليه من الدولة (الصهيونية)… الدولة لا تدافع عن القانون في القرى والمدن العربية… وتحظى (هذه المنظمات) برعاية الدولة والشرطة وحمايتها".[23]

هـ. "أم الفحم" تنتفض ضدّ التواطؤ الإسرائيلي مع المجرمين:

كنموذج للمدن العربية الفلسطينية الصامدة والرافضة للاحتلال وسياساته الإجرامية، تبرز أم الفحم، وهي مدينة فلسطينية في أراضي الـ 48، افتُتح فيها مركز الشرطة سنة 2004، ذلك عقب التحامها بامتدادها الفلسطيني في انتفاضة القدس والأقصى في سنة 2000. وازداد منذ ذلك الوقت عدد ضحايا جرائم القتل المجتمعية في أم الفحم حتى وصل إلى 32 ضحية خلال الفترة 2019-2011.

إن وجود مركز الشرطة يسلب أهالي أم الفحم السيادة على مكانهم، ويشوّه علاقاتهم وآليّة الضبط المجتمعي بما تتضمّنه من قِيَم وأعراف. إلا أن ما يحدث في أم الفحم من تظاهرات واحتجاجات هو محاولة لاستعادة السيطرة الذاتية والضبط المجتمعي وإرجاعهما إلى نصابهما.

ومنذ انطلاق هذه التظاهرات الضخمة في بداية سنة 2021، وحتى يومنا هذا، لم تحدث أيّ جريمة قتل في أم الفحم أو أحداث إطلاق نار، الأمر الذي عرّفه "الحراك الموحّد" بأنه نجاح "للضغط الشعبي" لوقف الجريمة.[24]

و. "إسرائيل" تستهدف نسيج وهوية فلسطينيي 48:

يؤكّد رئيس لجنة الحريّات بالداخل الفلسطيني الشيخ كمال الخطيب، الذي كان نائب رئيس الحركة الإسلامية "المحظورة" إسرائيلياً، اتهاماته لـ"المؤسسة الإسرائيلية" وتحميلها كامل المسؤولية عن مشهد العنف والجريمة الذي يعكس مشهد الاغتيال الجماعي لفلسطينيي 48، مبيّناً أن مشهد الاغتيال يتركّز عبر الاستهداف الإسرائيلي الممنهج للثقافة الفلسطينية والإعلام والتعليم والتربية والنسيج المجتمعي، مع محاولة مسخ وتشويه الهوية الوطنية والقومية والدينية لفلسطينيي 48.[25]

وحذّر الخطيب من الخطة الإسرائيلية للاغتيال الجماعي للفلسطينيين، وهي الخطة التي أفرزت أشخاصاً اختطفتهم "إسرائيل" بعد أن نجحت بتشويه هويتهم وسلخهم عن انتمائهم وشعبهم؛ أضيف إليهم عنصر آخر وهو سهولة الوصول للسلاح، علماً أنه بموجب الإحصائيات الرسمية وإقرار وزارة الأمن الداخلي، فإن مصدر 70% من الأسلحة بالبلدات العربية بالداخل، هو مخازن مقرّات الشرطة ومستودعات الجيش الإسرائيلي.[26]

ز. مواقف فلسطينية تدين الاحتلال:

يسعى فلسطينيو 48 إلى رفع مستوى الوعي بشأن تصاعد معدّلات جرائم العنف في مجتمعاتهم تحت وسم "حياة العرب مهمّة". ولكن على عكس حملة مماثلة في الولايات المتحدة، يطالب هؤلاء بالمزيد من العمل الشرطي، لا خفضه.[27]

وتعرّض فلسطينيو 48 الذين يشكّلون نحو 20% من سكان "إسرائيل"، لجرائم عنف في السنوات الأخيرة، بمعدّلات في جرائم القتل تتجاوز بكثير حصّتها من السكان، ويؤجّجها نفوذ العصابات الإجرامية والخلافات العائلية. وقال نشطاء إن السلطات الإسرائيلية تجاهلت تاريخياً معدّلات الجرائم بين العرب. وروّج مسؤولون إسرائيليون لعدد من المبادرات في السنوات الأخيرة، بينها ضخّ ميزانيات أكبر لقوات إنفاذ القانون في المجتمعات العربية، لكن الشرطة قالت إنه بمقدور قادة المجتمع بذل المزيد من الجهد لمساعدتهم. ووفقاً للتقارير، قُتِل ما لا يقل عن 78 فلسطينياً حتى الآن (أيلول/ سبتمبر 2021) من إجمالي 93 جريمة قتل على مستوى "إسرائيل".[28]

وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت Naftali Bennett قد تعهّد بمكافحة جرائم العنف التي تعاني منها المجتمعات العربية، بعد سنوات من الإهمال. وكان ذلك أحد أهم مطالب حزب عربي صغير "دخل التاريخ" من خلال الانضمام إلى الائتلاف الحكومي، ويُدعى القائمة العربية الموحّدة.[29]

في السياق نفسه، في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، اتَّهم عضو قيادة لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في أراضي الـ 48 طلب الصانع، سلطات الاحتلال الإسرائيلي بالعمل على تعزيز الجريمة في المجتمع العربي داخل أراضي 1948. وقال الصانع: إن "سلطات الاحتلال تمنح الضوء الأخضر للتصعيد في الجرائم، وتتعامل بازدواجية واضحة"، مؤكداً أنه "سيتم نقل الإضراب إلى الشوارع الإسرائيلية".[30] وتابع في تصريح عبر تلفزيون فلسطين:

"لجنة المتابعة في أراضي عام 48 أعلنت الإضراب الشامل احتجاجاً على جرائم العنف والقتل. فهناك إدراك عميق بأن هذا التصعيد في الجرائم صدر من جهة معنيّة بهدف تدمير النسيج الاجتماعي وإدخال المجتمع الفلسطيني في الداخل بدوّامة من الصراع، وعدم الاستقرار، وعدم الاطمئنان الشخصي والعام. لهذا كان من الضروري دقّ ناقوس الخطر؛ فنحن نواجه عصابات منظّمة حوّلت السلاح إلى مصدر رزق وترتكب الجرائم في وضح النهار."[31]

وأوضح أنه وحسب الإحصائيات، فإن 60% من الجرائم تتم في المجتمع العربي الذي يشكّل 20% من المجتمع الإسرائيلي؛ أي أن جرائم القتل في المجتمع العربي ثلاثة أضعاف القتل في المجتمع الإسرائيلي. كما أن أكثر من 80% من الجرائم تُنفّذ بسلاح ناري، وأكثر من 90% من هذا السلاح مصدره الجيش والشرطة الإسرائيليان.[32]

2. المواقف والإجراءات الإسرائيلية:

اضطرّت "إسرائيل" بعد طول مماطلة ومعالجات سطحية لقضية الجريمة في الأراضي المحتلة سنة 1948، وبعد انكشاف تواطؤ أجهزة الشرطة والاستخبارات الإسرائيلية في زيادة حدّة هذه الأزمة المستمرة منذ سنوات طويلة، ولغايات سياسية وأمنية معروفة، التدخّل بمستويات معيّنة لضبط الأوضاع في الداخل الفلسطيني المحتل، خشية من انفلات زمام الأمور من يد حكومة الكيان، خصوصاً في ظروف الحرب أو التوتّر المتصاعد مع أعداء الكيان الكثر، داخل وخارج فلسطين.

من هنا، برزت مجدّداً مسألة إقرار وتطبيق خطة "متكاملة" لمكافحة العصابات الإجرامية العربية، والتي كان قد تمّ الإعلان عنها قبل سنوات (في عهد نتنياهو)، بهدف "تهدئة" الجمهور العربي الفلسطيني، من ناحية، ولمنع تمدّد ممارسات هذه العصابات باتجاه الداخل الإسرائيلي "اليهودي"، من ناحية أخرى.

ومن أبرز المواقف والإجراءات الإسرائيلية حيال تفاقم الجرائم في أراضي 48، والتي صدرت في سنة 2021، حسب التسلسل الزمني لها:

أ. العدو يعترف: العرب مشكلة أمنية ونحن شركاء في الجرائم ضدّهم:

أقرَّ مسؤول في الشرطة الإسرائيلية بأن المسؤولين عن الجرائم الخطيرة في المجتمع العربي في الداخل هم في معظمهم متعاونون مع جهاز الأمن العام (الشاباك) Israel Security Agency—ISA (Shabak)، ليخلص إلى أن وضعاً كهذا يُكبّل أيدي الشرطة ويمنعها من المسّ بهؤلاء المتعاونين الذين يتمتّعون بالحصانة. جاء هذا الاعتراف بحسب تقرير بثّته القناة 12 الإسرائيلية مساء الأربعاء 2021/6/30، خلال اجتماع عُقِد في المقرّ الرئيسي للشرطة، تحضيراً لاجتماع عُقِد لاحقاً بين المفتّش العام للشرطة يعقوب شبتاي Yaakov Shabtai ووزير الأمن الداخلي عومر بارليف Omer Barlev.ا[33]

جاءت هذه الاجتماعات في سياق تقييم الأحداث ومحاولات الخروج باستخلاصات من نتائج المواجهات العنيفة التي وقعت بين الفلسطينيين العرب، وجماعات إسرائيلية يهودية متطرفة، في عدد من المدن والبلدات العربية والمختلطة، وبشكل خاص في مدن اللد ويافا وعكّا، ارتباطاً بالمواجهات التي عمّت الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ أواسط نيسان/ أبريل 2021، وخصوصاً في القدس والمسجد الأقصى، وتزامنت مع الحرب الإسرائيلية الرابعة على قطاع غزة في أيار/ مايو 2021.

وشهدت الفترة مواجهات عنيفة، وإضرام الحرائق وإغلاق الطرق، ما دفع الجماعات اليمينية المتشددة للاستنفار، وجلب المئات من عناصرها من مستوطنات الضفة للإسهام في المواجهات. تبعت ذلك حملات اعتقال واسعة، بالإضافة إلى حملات التحريض على القيادات العربية. وأشعلت هذه الأحداث أضواء الإنذار لدى الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية، التي بات بعضها يقرّ بفشل مشاريع دمج العرب وأسرلتهم وفصلهم عن بقيّة أبناء الشعب الفلسطيني؛ وأبدت الأوساط الأمنية قلقها من الخطر الذي يمثّله العرب في "إسرائيل"، ووجود كميّات كبيرة جداً من السلاح في أيديهم.[34]

وقد سارع جهاز الشاباك لنفي الاتهامات التي أطلقها ضابط الشرطة، ووصف متحدث باسم الجهاز الادعاء بالكاذب، وليس له صلة له بالبيانات الواقعية للوائح الاتهام الأخيرة. ونقلت القناة 12 عن ردّ الجهاز أن "نشاط الشاباك في الأشهر الأخيرة أدّى إلى اعتقال مئات المشتبه لارتكابهم جرائم إرهابية خطيرة بدوافع قومية".[35]

ب. حكومة الاحتلال تقرّ خطة جديدة لمكافحة الجريمة العربية!

بعد انكشاف زيف التصريحات والمواقف الإسرائيلية التي تدين منذ سنوات تصاعد الجرائم في أراضي 48، وتزعم أن المجتمع الإسرائيلي موحّد، وبكافة فئاته من "المواطنين" اليهود والعرب، ضدّ العصابات الإجرامية، وأبرزها لرئيس الكيان (السابق) رؤوفين ريفلين Reuven Rivlin،ا[36] أعلن رئيس وزراء الكيان نفتالي بينيت رسمياً عن إطلاق الخطة الحكومية لمكافحة الجريمة داخل البلدات العربية، فيما رأى وزير الأمن الداخلي عومر بارليف أن تفشّي الجريمة وانتشار السلاح الجنائي بيد المواطنين العرب يشكّل تهديداً قومياً على "إسرائيل"، وأن مكافحتها يخدم مصلحة عليا لها.[37]

وتتضمّن الخطة الحكومية برامج في الجانبين الوقائي والعلاجي، منها إقامة جناح "سيف" كوحدة رأس حربة ضدّ المجرمين، وتأسيس مجلس استشاري عربي يقدّم نصائح لهذه الوحدة، ومسح شامل للخلافات والصراعات برؤية قُطرية، واستخدام منتديات التواصل الاجتماعي والمدارس العربية للإرشاد والتواصل مبكّراً، ورفع نسبة المتطوّعين للشرطة، بما في ذلك الخدمة المدنية، وزيادة عدد الضّباط، ومعالجة عينيّة لظواهر الجريمة الاقتصادية، وتعزيز قوّة وحدات بوليسية ذات صلة بقوات من حرس الحدود.[38]

ج. وحدة "سيف" إسرائيلية لمكافحة الجريمة في أراضي 48!

في كلمته خلال احتفالية تدشين وحدة "سيف"، قال مفتّش عام شرطة الاحتلال كوباي شبتاي Kobi Shabtai إن عشرات آلاف قطع السلاح غير المرخّص في الشوارع، خصوصاً في شوارع البلدات الفلسطينية في الداخل، هو خطر وجودي، وتهديد داخلي، لا يقل خطورة عن تهديدات خارجية تهدّد الدولة ومواطنيها. وأضاف:

"منذ تولّيت منصبي اعتبرت أن الجريمة في الشارع العربي هي في رأس سلّم أولوياتنا، وهناك نتائج على الأرض: زيادة في اعتقالات ولوائح تهم (30%) وضبط أسلحة. كما أقمنا في قسم "لاهف 433" وحدتين إضافيتين لمكافحة الجرائم الاقتصادية. هناك علاقة مباشرة بين عصابات الإجرام وبين المال الأسود، ومصدره تجارة سلاح، وسموم، وفواتير مزوّرة، وقروض بالسوق السوداء، وتأثير على عطاءات وبالرهانات؛ وقمنا بمسح هذه الأموال. سبق وحوّلنا 300 شرطي لدوريات ميدانية في البلدات العربية، وأقمنا وحدات تحقيق جنائية في المناطق المتفشية فيها الجريمة، وتعزيز وحدات بوليسية ميدانية، كـ"يسام"، وحرس الحدود، لزيادة تواجدنا وتعزيز الردع."[39]

د. وزير أمن الاحتلال يقرّ: مارسنا تمييزاً بنيوياً ضدّ العرب:

اعترف وزير الأمن الداخلي عومر بارليف (حزب العمل Labor Party)، في كلمته خلال احتفالية تدشين وحدة "سيف"، بأن "إسرائيل" مارست منذ 1948 تمييزاً منهجياً بنيوياً ضدّ المواطنين العرب. وفي هذا المضمار، قال مخاطباً القيادات العربية الفلسطينية في الداخل:

"كان النوّاب العرب يطالبون بلمّ السلاح؛ وللأسف لم يحدث. منذ قيام الدولة هناك عدم مساواة بُنيوي بين الوسطَين اليهودي والعربي، وأخذ يتزايد مع الوقت نتيجة تطور المجتمع اليهودي وتكريس التمييز ضدّ المواطنين العرب في كلّ المجالات؛ والنتيجة قلّة تخطيط وبناء غير مرخّص وبنى تحتية هزيلة، والمتضرّرون الأساسيون هم الشباب ممّن يتورّطون بالبطالة: نسبة البطالة 44% لدى الفئة العمرية 24-18. كل هذه تربة خصبة للمرارة والغضب، وللأسف للجريمة. المجتمع العربي ينزف وأنتم تصرخون في كل الاتجاهات أنقذونا. "سيف" سيوفّر الجواب الذي تجاهلته حكومات إسرائيل، وفي الواقع هي تتجاهلكم. لكن الشرطة وحدها، بل الحكومة وحدها لا يمكنها معالجة المشكلة؛ ومن هنا حيوية المجلس الاستشاري. أنتم المنتخبون، وبمساعدتكم نستطيع مكافحة الجريمة."[40]

هـ. الخطة الحكومية: أربعة مسارات وإشراك "الشاباك" والجيش:

تدفع الخطّة الحكومية الإسرائيلية الجديدة لمواجهة العنف والجريمة في البلدات العربية، باتجاه تشديد العقوبات في عدد من القوانين الجنائية، على أربعة مسارات، بحسب ما كشف المحلّل السياسي لصحيفة يديعوت أحرونوت Yedioth Ahronoth، ناحوم برنياع Nahum Barnea:

المسار الأوّل؛ تسعى الحكومة الإسرائيلية إلى تعديل قانون يحدّد عقوبة دنيا على حيازة وبيع السلاح، بادعاء أنّ "إسرائيل" غارقة بالسلاح غير القانوني. أكثر من 90% منه في المجتمع العربي، بما في ذلك صواريخ وقنابل. ورغم ذلك، المحاكم تكتفي أحياناً بعقوبات مثل خدمة الجمهور.

أما المسار القضائي الثاني، وفق برنياع، فهو "توسيع صلاحية المحاكم الاقتصادية. وهذا التعديل موجّه ضدّ منظمات الجريمة"؛ ومن أجل تحقيق ذلك "تمّت المصادقة على تعيين ستّة قضاة إضافيين".

بينما يقضي المسار الثالث "بتوسيع صلاحيات الشرطة للتفتيش في منازل المشتبهين دون أمرٍ من المحكمة". ومن المتوقع أن يُلاقي هذا البند معارضة شديدة من قِبل العرب والجمعيات الحقوقية خصوصاً.

أما المسار الرابع، فيتيح "الاعتقال حتى انتهاء المسار القضائي للمشتبهين بحيازة السلاح أو الخاوة". ومن المقرّر أن يطرحه وزير القضاء الإسرائيلي، جدعون ساعر Gideon Saar، على اللجنة الوزارية للتشريع.[41]

وقال ساعر لصحيفة يديعوت أحرونوت: "الوضع كارثي. ما يراه الجمهور اليهودي هو فقط غيض من فيض—أي أعمال القتل. وراء جزء كبير من القتل تقف الجريمة المنظّمة. مجرمون يسيطرون على سلطات محليّة، ويبتزّون عبر التهديدات منتخبي جمهور وأصحاب مصالح".

وشبّه ساعر، وفق الصحيفة، ما يجري في البلدات العربية ببارون تجارة المخدّرات الكولومبي الشهير، بابلو إسكوبار Pablo Escobar، قائلاً: "في مرحلة معيّنة، شعر أنه أقوى من الحكومة. وصل حتى قتل قضاة، شرطيّين وسياسيين. ربّما في المواجهة مع عصابات الجريمة سنصل إلى هذا الوضع".

وتقضي الخطّة الحكومية بإدخال جهاز الشاباك والجيش للبلدات العربية لمكافحة الجريمة.[42]

وقد أدانت لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في أراضي الـ 48 هذا القرار، وأكّدت أنه "لا مكان لإدخال هذَين الجهازَين القمعيَيْن اللذين تمرّسا على قمع جماهيرنا وشعبنا الفلسطيني عموماً، وعلى ارتكاب جرائم مطروحة للتداول في الأوساط الدولية".

وأكدت كذلك:

"أن جهاز الشاباك والجيش متورّطان كلياً باستفحال الجريمة. فقبل أسابيع، قالت مصادر في قيادة الشرطة الإسرائيلية إن عصابات الإجرام تحظى بحصانة من جهاز الشاباك، لأن غالبية رؤوس الإجرام يعملون كمتعاونين مع جهاز المخابرات (الشاباك). وقبل هذا، صدرت العديد من التقارير الإسرائيلية الرسمية، تقول إن حوالي 90% من السلاح المنتشر في مجتمعنا العربي مصدره "عمليات تهريب من الجيش الإسرائيلي"، والحديث يجري عن مئات آلاف قطع السلاح. ولا يوجد ما يُقنعنا بأن المؤسسة الحاكمة عاجزة عن وقف عمليات التهريب، التي يبدو المؤسسة الحاكمة لها مصلحة بها، طالما أن السلاح هو لغرض الجريمة وقتل العرب لبعضهم. إن الأساس "القانوني" لعنصرية الدولة تجاه الإنسان الفلسطيني، وهو قانون القومية اليهودية، إذا أضيف له القرار بإدخال الجيش والمخابرات رسمياً وبقرار معلن، إلى حياتنا وإلى قرانا ومدننا، إنما يعني ذلك اكتمال ملامح النظام العنصري والفاشي، الأمر الذي يتطلب موقفاً دولياً من الأمم المتحدة، ومن كلّ المؤسسات المعنية بحقوق الإنسان والمعنيّة بمكافحة العنصرية."[43]

و. حكومة بينيت تُصادق على الخطة الخمسية: تنمية وقمع:

صادقت الحكومة الإسرائيلية، في 2021/10/24، التي يرأسها نفتالي بينيت، على خطّتها الخمسية لمكافحة العنف والجريمة في المجتمع العربي، والتي كانت مسودّة مسرّبة عنها قد كشفت عن تفاصيل جديدة حولها، وخصوصاً حول الزجّ غير المسبوق لقوات الجيش وعناصر الشاباك إلى الحيّز المدني.

كما صادقت الحكومة على الخطة الخمسية للتنمية الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع العربي، بقيمة تجاوزت 30 مليار شيكل (نحو 9.4 مليار دولار) في الأعوام 2026-2022.[44]

وستحلّ الخطة الخمسية الجديدة محلّ الخطة الخمسية السابقة المعروفة برقم "922"، والتي وافقت عليها حكومة بنيامين نتنياهو في نهاية سنة 2015، وتشمل ميزانيات التعليم، والبنية التحتية، والنقل، والتعليم، والرعاية الاجتماعية، والتكنولوجيا، والرياضة.[45]

وتمّت المصادقة على خطة "الأخ الأكبر" (ترجمة عن المُسمّى بالعبرية) للشرطة في مدينتَي عكا واللد، والتي سيتمّ بموجبها في سنة 2022، تركيب "عشرات الكاميرات، و(نشر) مسيّرات (مزوّدة بكاميرات كذلك) ستبثّ للشرطة، في محاولة للتصدّي للجريمة في المدينتين".

وفي هذا الصدد، ذكر المدير العام لوزارة الأشغال العامة، أن "البرنامج التجريبي سيتيح أيضاً توفير استجابة أوليّة للجريمة، إلى جانب التعزيز العملياتي للحدود، وهما الضمان العملي للحدّ من الجرائم التي تتسرّب إلى "إسرائيل"، على حدّ قوله. ووفق الخطة، سيتم تخصيص ميزانية بمبلغ 2.5 مليار شيكل (نحو 780 مليون دولار)، على أن تكون الخطة "متعددة السنوات"، ليستمرّ العمل بها بين سنتَي 2022 و2026.

كما سيُستخدَم في الخطة "مزيج من الأدوات "الليّنة" للمعالَجة والوقاية… للشبّان العرب الذين لم يكونوا لوقت طويل، في إطار عمل دائم، أو دراسة، أو تدريب مهني… واستمرارية إعادة التأهيل، وتعزيز قدرة المجتمع على الصمود… وزيادة التعاون بين الوزارات ومراقبة تنفيذ الخطة عن كثب".[46]

وقال وزير الأمن الداخلي في الحكومة الإسرائيلية، عومر بارليف، إنّ "القرار الذي اتخذناه اليوم هو سابقة، ويشير إلى أنه من الواضح للحكومة بأكملها أن العنف والجريمة في الشارع العربي يشكّلان خطراً على دولة إسرائيل". وأضاف أن "أُسَر الجريمة في المجتمع العربي تُمسك بحنجرته (تخنقه)… وسيكون الجزء الأكبر من المهمة التنفيذية مُلقىً على عاتق وزارة الأمن الداخلي؛ لكن القرار يسخِّر الحكومة بأكملها من خلال العديد من الآليات الموجَّهَة نحو هذا الهدف المهم". وذكر بار ليف أنّه "صحيح أن هذه خطة خمسيّة، لكن إذا لم يبدأ الاحتواء والتقليص (تقليص عدد الجرائم) في عام 2022، فلن يحدث حتى بعد ذلك. لذلك، سيكون اختبارنا جميعاً في عام 2022، وسننجح".[47]

خامساً: خلاصة تحليلية للرؤيتين الفلسطينية والإسرائيلية:

تكشف القراءة الفاحصة للأحداث والمواقف المرتبطة بقضية استفحال الجريمة في أراضي 48، والتي وردت بشكل منهجي وموجز آنفاً، أن كيان الاحتلال يبدو جدياً هذه المرّة في تنفيذ خطة جديدة لمواجهة العصابات الفلسطينية الإجرامية، ولو على مدى طويل نسبياً (خمس سنوات)، ليس لاستفاقة ضمير إسرائيلية أمام صرخات الغضب والأسى المتصاعدة من الأمّهات الثكالى خصوصاً، ومن المجتمع الفلسطيني في الداخل المحتل عموماً، بل لأن قادة ونخب الكيان قد استشعروا خطراً داهماً من وراء ترسّخ وتوسّع الجريمة في قلب هذا الكيان، والتي باتت تهدّد ما يسمّى أمنه القومي والاجتماعي، من خلال مؤشّر خطير برز حين انتفضت جموع فلسطينية غاضبة في عدة مناطق أو مدن عربية، في أثناء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في أيار/ مايو 2021 (معركة سيف القدس). وقد عبّر فلسطينيو الـ 48 حينها، بشكل عنيف، عن تعاطفهم الكامل مع إخوتهم في غزة والضفة الغربية المحتلة، وتطلّعهم للتحرّر، في أي فرصة متاحة، من سلطة الاحتلال العنصري، مثل أقرانهم داخل فلسطين المحتلة وخارجها.

وتالياً خلاصة تحليلية للرؤيتين الفلسطينية والإسرائيلية حول مكافحة الجريمة في أراضي 48، وهما تتناقضان، سياسياً وإجرائياً (تنفيذياً)، بشكل واضح، كما مرّ ذكره، على الرغم من المحاولات الإسرائيلية لتحجيم الأزمة وإبعاد المسؤولية عن الكيان في التأسيس للجريمة الفلسطينية في الأراضي المحتلة سنة 1948، والإسهام في تصاعدها طيلة عقود مضت؛ وأخيراً، عرض عام لعدّة مقترحات أو أفكار (أوليّة) ذات صلة مباشرة بالقضية المطروحة.

1. تحليل الرؤية الفلسطينية لمكافحة الجريمة في أراضي 48:

تصرّ الفعاليات الفلسطينية، السياسية والاجتماعية والاقتصادية، على أن ما يجري من عمليات إجرامية تنفّذها عصابات من الفلسطينيين في الداخل المحتل، منذ سنين طويلة، هو بتدبير إسرائيلي، سياسي وعسكري وأمني، وعلى أعلى المستويات، بهدف تفتيت المجتمع الفلسطيني من داخله، وإجباره على سلوك خيار الانخراط أو الذوبان الكامل في الدولة الصهيونية العنصرية (وفي الوقت نفسه "اليهودية والديموقراطية")، أو تحمّل عواقب مناصرة الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة سنة 1967، ومحور المقاومة في المنطقة عموماً، من خلال مراكمة أزمات هذا المجتمع الصامد في مختلف المجالات، ومنها مجال الجريمة بصبغتها الوطنية والعربية.

وترى الفعاليات الفلسطينية أن مكافحة الجريمة في أراضي 48 لا تتم بالمزيد من عمليات أو سياسات القمع التي تتضمّنها الخطط الإسرائيلية المتعاقبة تحت عنوان مواجهة العصابات العربية الإجرامية، بل تتم فقط عبر توسيع وتعزيز صلاحيات الشرطة في المناطق العربية (أغلب أفرادها وضبّاطها عرب)، وقطع الصلات بين تلك العصابات وأجهزة الأمن الإسرائيلية والعصابات في الداخل الإسرائيلي نفسه؛ وذلك بموازاة مضاعفة الاهتمام بالمواطنين وبالمجتمع الفلسطيني على كلّ الصعد، وأهمها معالجة أزمة البطالة بين الشباب وأزمة السكن، وصولاً إلى أزمة الهويّة الوطنية ضمن كيان حسم خياره المزوّر للتاريخ بأنه "دولة يهودية وديموقراطية"، ولا مكان فيه لهويّات أخرى.

وتُقدّر تلك الفعاليات أن "إسرائيل" غير جديّة في خطّتها الجديدة لمكافحة الجريمة، لأهداف سياسية وأمنية معروفة، وأن هدفها الحقيقي هو الإمساك بزمام المبادرة في أراضي 48، أمنياً وسياسياً واجتماعياً، وذلك لحماية الكيان من تداعيات الممارسات الإجرامية العربية من جهة، ولمنع أي تواصل محتمل لفلسطينيي الداخل مع فلسطينيي الأراضي المحتلة سنة 1967، أو مع دول وشعوب المنطقة الرافضة للاحتلال الإسرائيلي ومشاريعه العدوانية والتوسعية، في أي مرحلة، وتحت أي ظرف من الظروف.

2. تحليل الرؤية الإسرائيلية لمكافحة الجريمة في أراضي 48:

تكاد المكوّنات الأساسية في كيان الاحتلال (السياسية، والعسكرية، والأمنية) تُجمع على أن "حلّ" معضلة استفحال الجريمة في المناطق العربية (أو المختلطة) داخل الكيان بات أمراً ضرورياً، لتفادي الأسوأ في مسارات العلاقة الملتبسة بين الكيان والعرب الفلسطينيين منذ عقود، كما لاغتنام هذه الفرصة بهدف تحقيق الهدف الإسرائيلي القديم بإدماج ما يسمّى الأقليّة العربية "المتمرّدة" في جسم الكيان، وضمن شروطه وأطره المفروضة بالقوّة والإكراه، في مختلف المجالات.

وتقدّر تلك المكوّنات بأن ما حصل من تضامن وتعاطف من قِبل فلسطينيي الداخل مع غزة والضفة الغربية والقدس في محطتين أساسيتين؛ الانتفاضة الثانية سنة 2000، ومعركة سيف القدس سنة 2021، أثبت فشلاً إسرائيلياً في دمج الأقليّة الفلسطينية التي تعيش منذ عقود ضمن الكيان المحتل، وبما يشكّل خطراً داهماً أو محتملاً بقوّة لتحوّل هذه الأقليّة إلى "خنجر مسموم" في خاصرة الكيان في زمن الحروب أو المعارك الإسرائيلية المتوقعة مع الحركات المقاومة، داخل فلسطين المحتلة وخارجها؛ مع التوقف هنا عند تصريحات لشخصيات سياسية وإعلامية إسرائيلية وصفت المجتمع الفلسطيني في الداخل بأنه مجتمع "عنيف" و"متوحش"، وذلك تعليقاً على المواجهات التي حصلت مع المستوطنين والشرطة احتجاجاً على العدوان الإسرائيلي على غزة والمسجد الأقصى، خلال معركة سيف القدس.

وعليه، يمكن فهم مغزى مسارعة صانعي القرار في "إسرائيل" أخيراً لضبط أزمة الجريمة المستفحلة في أراضي 48، عبر خطة "متكاملة"، تلحظ الجوانب الأمنية والاجتماعية والاقتصادية، وبكلفة مالية مرتفعة (نسبياً)، بهدف "تجفيف" بيئة الجريمة الفلسطينية، أو منع ترسّخها وتحوّلها إلى خطر مميت، موضعي أو استراتيجي، على الكيان، كدولة أو كأفراد، كما كشفت بعض مؤشّرات الأحداث الأخيرة بين الفلسطينيين والمستوطنين الصهاينة إبّان معركة سيف القدس. وفي حدّها الأعلى، تسعى خطة الكيان الجديدة لاستكمال محاولات تذويب الأقليّة العربية، لكن بوسائل قاسية وليّنة (ناعمة) معاً هذه المرّة، بهدف تحييد طاقات المجتمع الفلسطيني الغاضب أو تجييرها لمصلحة سياسات الاحتلال وأهدافه، داخل فلسطين المحتلة وخارجها.

خاتمة: أفكار ذات صلة:

في مواجهة الخطة الإسرائيلية الجديدة لاستهداف الشعب الفلسطيني الصامد في أراضي 48، يجدر بأيّ مشروع أو خطط مقابلة أن تلحظ معالجة القضية المطروحة بعمق وشمولية، وهذا أمرٌ متاحٌ نسبياً، كما هي حال الخطة المعادية، مع الإقرار بفقدان التكافؤ معها من ناحية الإمكانيات المسخّرة للتنفيذ والمتابعة، وبأن سيطرة الاحتلال المباشرة سوف تعيق أي خطط مضادة، سواء نجح العدو في فرض خطته الجديدة أم فشل. والقصد هنا أن تتضمّن الخطط الفلسطينية التصدّي لكافة الجوانب أو الأبعاد الرئيسية للمشكلة (السياسية، والاجتماعية، والتربوية، والأمنية)، وذلك بحسب الإمكانات المتوافرة والظروف الموضوعية؛ وأبرزها: نشأة الجريمة في أراضي 48، وأسبابها وظروفها، وتأثير عامل الاحتلال البنيوي في تطوّرها؛ أطر المعالجة المتشعّبة ووسائلها؛ الأدوار والمسؤوليات المطلوبة من الجهات المعنيّة بشكل مباشر وغير مباشر؛ بالإضافة إلى تقويم احتمالات النجاح والفشل، وتقديم اقتراحات بديلة لمواجهة الخطة الإسرائيلية، حتى مع عدم القدرة على تنفيذ أي خطط مضادّة لها.

ومع افتراض بدء الكيان بتنفيذ خطته الخمسيّة للقضاء على الجريمة في أراضي 48، وتحديد قادته الأمنييّن للسنة 2022 كمفصلٍ لنجاحها، ومع تقدير حصول تجاوب معيّن مع متطلبات الخطة المذكورة من قِبل العديد من الهيئات الممثّلة للشعب الفلسطيني في الداخل، طوعاً أو كرهاً أو طمعاً، يمكن تعداد بعض المقترحات أو الأفكار ذات الصلة، والتي ربما تُسهم في إنجاح المحاولات المحلية (الفلسطينية) لمكافحة الجريمة في الأراضي المحتلة سنة 1948، وفي نقل المشكلة إلى مُسببّها الرئيسي، أي كيان الاحتلال، أو أنها بالحدّ الأدنى ربما تُحبط خطط العدو للإطباق الكامل على الشعب الفلسطيني في الكيان، وإنهاء تمايزه "الخطر" عنه، والهيمنة على مناحي الحياة العامة فيه، كما على مصيره السياسي، بذريعة القضاء على حالات العنف والجريمة المستشرية بين أفراده.

أما المقترحات أو الأفكار ذات الصلة فهي:

الفكرة الأولى: توسيع دوائر البحث والتحليل في مختلف جوانب القضية قيد المعالجة، بهدف تحديد الثغرات أو مكامن الضعف التي تتيح للجريمة النمو في أراضي 48، ومنها تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للسكّان، وخصوصاً منذ نشوء أزمة جائحة كورونا Covid 19 في سنة 2019، والتي كادت أن تطيح بالاقتصاد العالمي عموماً؛ بالإضافة إلى انسداد الأفق السياسي والاجتماعي أمام الشباب الفلسطيني في الداخل (الهوية، والبطالة، وأزمة السكن،…)، وبما يشكّل بيئة مواتية لتصاعد أعمال العنف والجريمة داخل المجتمع الفلسطيني.

الفكرة الثانية: يمكن تحديد تصوّرات وإحصائيات دقيقة إلى حدٍّ كبير، حول أسباب وظروف وتداعيات الجرائم التي تحصل في فلسطين 48 (وفي كلّ فلسطين لاحقاً)، تمهيداً لإعداد خطة أو خطط واقعية حول سُبل معالجة هذه القضية، بشكل مرحلي ومتدرّج وطويل الأمد، مع تأمين الغطاء السياسي والشعبي اللازم، وتقدير الأعباء أو التكاليف المتوقعة في مرحلة التنفيذ، وذلك عبر الرصد والمتابعة المنهجية للتقارير والدراسات والمواقف والتصريحات الصادرة من مختلف الأطراف المعنيّة، والتي ورد جزء منها ضمن هذا البحث.[48]

الفكرة الثالثة: مع التأكيد على رفض استهدافات الخطة الإسرائيلية الجديدة – القديمة لمكافحة الجريمة في أراضي 48، وسُبلها الأمنية والإنمائية الملتوية، يجب السعي لبلورة خطط بديلة، وليست بالضرورة موازية كماً أو نوعاً لخطة العدو، تتلاءم مع البيئة الفلسطينية الرافضة لهيمنة كيان الاحتلال، وتُلبّي في الوقت نفسه الحدّ الأدنى من المتطلبات الأساسية لفلسطينيي 48، خصوصاً على الصُّعد الاجتماعية والتربوية والثقافية (الدينية)، وبما يؤدّي إلى تجفيف، ولو متدرّج، لبيئة الجريمة، ويُهيّئ ربما المناخات المناسبة لضم "الكيان" الفلسطيني في الداخل المحتل إلى محور المقاومة والممانعة في زمن الحرب؛ وقد تنقل الخطط البديلة المشكلة إلى الطرف الآخر (العدو)، في أحد احتمالاتها؛ وهذا يفترض رصداً لرؤوس، كما لمصادر تمويل وحماية عصابات الجريمة على الضفّتين الفلسطينية والإسرائيلية، والسبل الأنجع لضبط تلك العصابات، أو حتى خنقها وقطع الصلات فيما بينها، أو توجيه مساراتها المؤذية نحو كيان الاحتلال في مرحلة معيّنة.

الفكرة الرابعة: يجدر تعيين الجهات أو الفعاليات الموثوقة في أراضي 48، ضمن الأُطُر السياسية والاجتماعية والدينية خصوصاً، من أجل التواصل معها، بهدف إعداد رؤية أشمل وأعمق للأزمات والمشاكل التي يعاني منها عرب 48، وفي صدارتها اليوم أزمة الجريمة، بأبعادها السياسية والأمنية والاجتماعية الكارثية، واجتراح الحلول الواقعية والممكنة لها، ضمن جهود جماعية منسّقة مع مراكز دراسات متخصصة داخل فلسطين وخارجها، كما مع قوى أو جهات سياسية وشخصيات أكاديمية مميّزة، من فلسطينيي الداخل المحتل ومن الشتات.

ومن الجهات السياسية الفاعلة في الداخل، حسب المواقف أو النشاطات التي تصدر عنها، تبرز لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في أراضي الـ 48، وأعضاء "وطنيّون" في كتلتَي النوّاب العرب في الكنيست الإسرائيلي (القائمة العربية الموحّدة، ممثّلة لأوّل مرّة في حكومة نفتالي بينيت، والقائمة المشتركة التي تضم ثلاثة أحزاب عربية)، والجمعيات النسوية والشبابية الناشطة ضدّ التمييز العنصري وكلّ أشكال الجريمة، وصولاً إلى الشخصيات الاجتماعية والدينية والفكرية الفاعلة في المناطق المحتلة وخارجها (مثل الشيخ رائد صلاح، والشيخ كمال الخطيب، ومحمد بركة، والدكتور عزمي بشارة المقيم في قطر)؛ مع الانتباه هنا إلى أهمية تفعيل حملات التوعية الدينية ضدّ كلّ أشكال الجريمة أياً كانت دوافعها؛ وهنا يبرز دور وتأثير علماء الدين وأئمّة المساجد والدعاة الواعين والنشطين، في الداخل المحتل وخارجه.

الفكرة الخامسة: للإعلام دور خطير ومؤثّر في أي مواجهة أو صراع؛ ومن هنا أهمية الإعداد لخطط تشمل إنجاز برامج وأفلام وثائقية وتحقيقات تتناول القضايا الأساسية لفلسطينيي 48 والشعب الفلسطيني عموماً، وفي طليعتها قضية الاحتلال ومحاولات "أسرلة" وتهويد فلسطين، ومواجهة العدو المفتوحة مع الحركات الإسلامية، المقاومة منها بالخصوص، وصولاً إلى الأزمات الاجتماعية والاقتصادية و"النفسية" التي يعاني منها فلسطينيو الداخل، والتي تشكّل بيئة فضلى لنموّ وتغلغل عصابات الجريمة في أراضي 48؛ كما هي الحال في أي بلد أو مجتمع إنساني. وكمثال، يمكن إعداد أفلام أو تحقيقات مصوّرة ومؤثّرة حول بعض ضحايا العصابات، والتداعيات المأساوية للجرائم على عوائل وأقارب هؤلاء الضحايا، وعلى المجتمع عموماً، بموازاة التركيز على رفض الإسلام القاطع لهذه الارتكابات والممارسات، كما للعصبيّات العائلية والعشائرية، وصولاً لموبقة التعامل المشين مع الأعداء، وتهديد القرآن الكريم الصريح بأقصى العقوبات على مُرتكبي أعمال العنف والجرائم ضدّ أهل بلدهم ومجتمعهم (بذريعة الحفاظ على الشرف وغيرها)، وكذلك على المتعاملين مع العدو، مهما كانت الظروف والمبرّرات.

أخيراً، لا بدّ من التحذير من مغبّة عدم إيلاء الاهتمام الكافي والمتناسب مع خطورة القضية المطروحة، وبما يقدّم للكيان المعادي فرصاً أكبر لإنجاح خطته الجديدة لمكافحة الجريمة في أراضي 48، بموازاة تمكّنه من "تذويب" ما يُسمّيه الأقليّة العربية في بوتقة (الدولة اليهودية النقيّة)، على قاعدة أنه نجح، ولو نسبياً حتى الآن، في الاقتراب من هذا الهدف "الحضاري الراقي"!

وفي الختام، لا يمكن إنكار الارتباط الوثيق بين قضية مكافحة الجريمة في الداخل الفلسطيني المحتل وقضاياه الكبرى الأخرى، والمرتبطة عضوياً بالصراع المفتوح مع الكيان الغاصب، والذي يُلقي بحمله الثقيل على الشعب الفلسطيني منذ عقود، كما على شعوب المنطقة التي تعاني بدورها من مضاعفات تفاعل مرض السرطان الصهيوني في جسد الأمّة منذ بدايات القرن الماضي وما تزال.