الشريط الإعلامي

فساد الجامعات

آخر تحديث: 2022-01-09، 09:44 am
د.محمد الرصاعي
اخبار البلد - 
 

تسليع المعرفة الأكاديمية، والسعي للحصول على الشهادات الجامعية العليا بهدف المكانة الاجتماعية، وتموضع الأكاديميين في إطار المجالات المعرفية الدقيقة، وتلبية حاجات السوق على حساب الكفاءة الفكرية لدى الخريجين هي أهم مظاهر فساد الجامعات وفق أستاذ الفلسفة الكندي «آلان دونو» في كتابه ذائع الصيت «نظام التفاهة»، حيث أفرد للجامعات مساحة واسعة في معرض نقده للنظام العالمي الراعي لنظام التفاهة الذي يؤسس لوسط تسوده معايير تعمق الرداءة الفكرية وغياب التأمل والنقد.

ويقول «دونو» نقلا عن الصحفي الأميركي «كريس هيدجيز» إن الأكاديميين هم المسؤولون عن عللنا الاجتماعية، فعندما يحاولون فحص أسباب مخاطرنا الجمعية يدرسونها وهم مقطوعو الصلة بالعالم، متخصصون في مجالات معرفية فرعية متناهية الصغر، فاقدون للقدرة على التفكير النقدي، مهووسون بالتطور الوظيفي، وموالون لشبكاتهم الاجتماعية من الزملاء التي تبدو إلى القبائل أقرب.

تنساق الجامعات لديناميكيات السوق فتخرج عن مسار أهدافها في إنتاج المعرفة وصناعة المثقفين النقديين القادرين على الاشتباك مع القضايا المجتمعية الملحة، ويتأتى هذا من سيطرة نظام عالمي قائم على الرأسمالية المتوحشة وسياسة السوق، حيث يحدد صاحب رأس المال كيف وفيم يفكر الأكاديميين ووفق مصالحه، الشيء الذي حوّل الأكاديميين من حكماء وقادة للرأي والفكر إلى مجرد مهنيين يحترفون اللهاث وراء فتات من يديرون السوق.

أما الطلبة في الجامعات فلم يعودوا مستهلكين للتدريس وللشهادات المقدمة في الحرم الجامعي، لقد صاروا هم أنفسهم سلعاً تحت وطأة دعوات ما يحتاجه سوق العمل، فالجامعة تبيع ما تصنعه منهم إلى زبائنها من الشركات والبنوك والمصانع العاملة في السوق، حيث يقتصر طلب السوق على العمالة الماهرة المفرغة من الفكر والإيديولوجيا، أي خضوع الجامعات لأحد أهم مبادئ السوق (الإنتاج حسب الاستخدام) مما يحيل مخرجات الجامعة إلى مجرد آلات مسخرة لتحقيق فائض الإنتاج اللازم لاستمرار المنظومة الاقتصادية.

في عالمنا العربي فساد الجامعات أشد وطأة مقارنة مع ما هو سائد في جامعات الغرب، حيث يتواضع في جامعاتنا البحث العلمي واستقصاء المعرفة، حتى ولو تحت تأثير رأس المال، إلى جانب شيوع الأمية الأكاديمية لدى المدرسين وانسياقهم وراء الترقيات والتطور الوظيفي، عدا عن تأثير عدم مراوحتهم المجالات المعرفية الدقيقة لتخصصاتهم الأكاديمية، كما أن إدارات الجامعات ومؤسسات التعليم تنكب على تلبية الدعوات الداعية لتوفير ما يحتاجه سوق العمل، ولا تحدث أدنى تغيير في نضج ووعي عقول طلبتها.