الشريط الإعلامي

فلسطين على أبواب 2022

آخر تحديث: 2022-01-08، 09:48 am
كمال عبداللطيف
اخبار البلد - 
 

ودَّع الفلسطينيون آخر أشعة شمس سنة 2021، وهم في عزّ فصل الشتاء، احتفلوا بأعياد الميلاد وهم يواصلون معانقة شتائهم الطويل. استقبلوا سنة جديدة بلا أفق سياسي واضح. وما أتعس حركات التحرير وفصائل المقاومة عندما تجد نفسها منخرطةً في مسلسل لا يحمل أي أفق سياسي واضح، مسلسلٍ بطعم مأزق بلا تسوية سياسية ولا مقاومة. تبدأ أيام السنة الجديدة 2022 من دون برنامج عملٍ قادر على اختراق سقف لعبة السلام المنتهية صلاحياتها، لعبة السلام كما تَمّ تسطيرها في برنامج اتفاق المبادئ وإجراءات مواصلة الحوار من أجل السلام مع الكيان الصهيوني الذي لم يَعُد يتردّد في تنفيذ سياساته الرامية إلى مزيد من ترسيخ آليات الاستيطان والضَّم، ومواصلة الاعتداء على الفلسطينيين في المدن والقرى الفلسطينية..

يستقبل الفلسطينيون سنة جديدة بلا أفقٍ سياسي مرحلي واضح ومُعلن، تستمر انقساماتهم في قلب ما تبقَّى من الأرض، كما تتواصل أحلام الحكم الذاتي في الضفة والقطاع، على الرغم من أن مشروع الحكم الذاتي أصبح مجرّد حكاية بلا سياق ولا أفق. اختفت منه المفردات التي كانت تمنحه المعنى، ولم يعد أحدٌ يتحدث اليوم عنها، فمن يطرح اليوم سؤال دولة واحدة أم دولتان؟ ومن يستطيع رسم أفقٍ لعودة اللاجئين؟ سُرقت الأرض ويَتِمّ اليوم محو الشعارات التي حملها وتغنَّى بها أجيال من الفلسطينيين. يحصل ما ذكرنا تحت أنظار الجميع، يراه الكبار والصغار، كما يراه الأشقاء والأعداء.

من يستطيع الجواب اليوم وسط كل التراجعات والانهيارات المتواصلة في الحاضر العربي والفلسطيني، على سؤال دولة أم دولتان؟ هل ننتظر جواب دولة الكيان الصهيوني وقد انخرطت منذ سنوات في عمليات إتمام إجراءات "صفقة القرن”، بعد إصدارها المراسيم المُقَنِّنة ليهودية دولة الاحتلال العنصرية؟ أم ننتظر جواب مَن تبقَّى من الفلسطينيين والعرب المتمسكين بالمشروع الوطني الفلسطيني، على الرغم من كل انقساماتهم وصور ذهولهم، ومختلف أهوال الحاضر الوبائية والاستيطانية؟ من يفكر اليوم في السؤال، أو يجهر برفعه في زمنٍ تصاعدت فيه "أحلام التوسع والتنمية والاستقرار”، وقد تغنّى بها الصهاينة مع القوى الاستعمارية العالمية، ووجدوا في أرض العروبة اليوم من أصبح لا يتردّد في إسناد دعواتها وشعاراتها؟

يرتبط سؤال دولة أم دولتان بالتحوّلات التي عرفتها القضية الفلسطينية بعد مؤتمر مدريد 1990، ونعثر على صيغ أخرى له في أدبيات التحرّر الفلسطيني، إلا أن روح السؤال في الصيغ المتداوَل بها اليوم يرتبط أساساً بشعارات السلام. لكن لماذا يتم اليوم تغييبه؟ هل أصبحت سلطة الحكم الذاتي التابعة وإجراءاتها المجمَّدة تشكِّل السقف الأعلى لاتفاق المبادئ؟

أستعيد، وأنا أُعايِن التغييب الذي لَحِق سؤال دولة واحدة أم دولتان، أحوال الفلسطينيين في القدس وفي القرى والمدن الفلسطينية، وأحوال السجناء الفلسطينيين في الأقبية التي بنى الصهاينة.. أستعيد، وأنا أودِّع سنة تنصرم وأستقبل أخرى، أشرطة العدوان والاغتصاب والاستيطان والضَّمّ وتزوير التاريخ، وأُعايِن مثل كل الذين عاصروا إنشاء الكيان الصهيوني، وعاينوا الكيفيات التي تَمّ بها تركيب تاريخ جديد بالحديد والنار، حيث استُعمِلت كل الأساليب لإسكات الفلسطينيين والعرب، ودَفْعِهم إلى نسيان أوَّليات المشروع الوطني الفلسطيني، وأتساءل ما جدوى السلام؟ وما جدوى اتفاق المبادئ؟ وما جدوى إجراءات الحكم الذاتي، أمام كل الجبروت التي تواصل إسرائيل نشره أمام العالم ليس في فلسطين وحدها، بل في المشرق العربي؟ حيث تواصل تحصيل الدَّعم والمساندة من القِوَى الاستعمارية الداعمة لمخططاتها وسياساتها في المحيط العربي، وذلك في زمن تراجعت فيه قيم التضامن العربي، كما تراجعت مركزية القضية الفلسطينية، في مؤسسات العمل العربي المشترك، وأغلبها اليوم موسمي أو مُعَطَّل، أو يتم توظيفه لبناء ما يُسهِّل مزيداً من صور التغلغل الصهيوني في الجغرافيا العربية من المحيط إلى الخليج.

يجري أيضاً، في مجال الصراع العربي الفلسطيني الإسرائيلي، تغييب مفردة المقاومة، فهل اختفت المفردة من قاموس اللغة العربية؟ وكيف تختفي مفردةٌ من قاموس شعبٍ مقهور ومجتمعٍ مُغتصب وأرضٍ محتلة؟ لم تختف المقاومة يوماً من أرض فلسطين، تَمَّ التضييق عليها كما تَمَّ تحويل دلالاتها وتقليص بعض تجلياتها. لم تختف كلية منذ نكبة 1948، سَنةَ السّطو المدَبَّر والمرتَّب على أرضٍ ومجتمعٍ وتاريخ، سنة التهجير والطرد وتشريد الفلسطينيين، وقد تَمّ ويتم اليوم طَمْس كل ما حصل ليُسْتَعْمَل قاعدة مُؤَسِّسَة لدولة مسروقة من أهلها، فأصبحنا نتحدّث عن فلسطينيي الشتات، وعن عودة اللاجئين وقد هُجِّرُوا من ديارهم أمام أنظار العالم.

لم تتوقف المعارك، ولم تتوقف الحروب والهزائم والمقاومات. وبجوار ذلك، لم تتوقف الخيانات وأشكال التزوير، تواصلت أجيال من المقاومين والمنتفضين، وبجوارهم تواصلت، أيضاً، أجيال من المتواطئين والخائفين، وبمحاذاة كل ما سبق، تمكَّن الكيان الصهيوني خلال عقود القرن المنصرم من رِبح كثير من الوقت ومن الأرض ومن التاريخ، تمكَّن من ذلك كله، مواصلاً قَهْر شعب بأبْغَض الوسائل وأحقرها، ومواصلاً إخلاء القرى والمدن، وقد استخدم، من أجل تحقيق أهدافه، التطهير العِرْقِي والتمييز العنصري، قام بتغيير أسماء الأماكن ومارس تزوير التاريخ بالأساطير التوراتية، ليقيم بتوسُّط كل ما ذكرنا، دولة الكيان الصهيوني في فلسطين قلب الوطن العربي، ويرسم الملامح الكبرى "لشرق أوسط جديد”.

كيف يمكن أن نستحضر اليوم السِّجال المنسي في موضوع سؤال دولة أم دولتان؟ أتصوَّر، ونحن على أبواب سنة جديدة، أن هناك طريقا واحدا لاستعادته. يتعلق الأمر أولاً باستعادة مفردة المقاومة وأفعالها، ففي التاريخ والسياسة لا يُسْتَعاد المُغَيَّب المأمول من المفردات والأفعال بالتَّمَنِّي، بل بالمواجهات الجديدة المناسبة للتحوّلات الجارية، استعادة المقاومة المناسبة لمقتضيات ما يجري، لِتَعْكِس في كل القرى والمدن الفلسطينية مضامين جديدة مرتبطة بتحوّلات القضية في التاريخ، ولتحمل أحرُفها مُجدّداً تطلُّعات الأجيال الجديدة في فلسطين، من أجل مواجهة الغطرسة الإسرائيلية، وقد مارست وتُمارس كثيراً من تضييق الخناق على الفلسطينيين بمواصلتها عمليات الاستيطان والضَّمّ، ومواصلتها عمليات توسيع دائرة الأنظمة العربية المُطَبِّعة. وقد تناست كما تناسى كل من يسندها من القِوى الدولية أن الشعوب العربية لا يمكن أن تُطَبِّع مع الصهيونية وخياراتها العنصرية.
عن "العربي الجديد”