الشريط الإعلامي

سلطة فلسطينية بلا مستقبل

آخر تحديث: 2022-01-03، 09:57 am
محسن محمد صالح
اخبار البلد - 
 

للأسف، ندخل سنة 2022 ونحن أمام سلطة فلسطينية بلا أفق سياسي، وبلا أفق نضالي تحرري، وبلا أفق مؤسسي، وبلا أفق اقتصادي تنموي.. نحن أمام قيادة سلطة بلا رؤية وبلا إرادة.. نحن باختصار أمام سلطة (بوضعها وتوصيفها الحالي) بلا مستقبل!!
اللقاء الذي عقده رئيس السلطة محمود عباس مع وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس ، في منزل غانتس قرب تل أبيب مساء 28 كانون الأول/ ديسمبر 2021، مَثَّل أحد مؤشرات عجز السلطة الفلسطينية وفشلها، الذي تودّع به سنة 2021. فبالإضافة إلى أن اللقاء فقد جزءاً من قيمته (إن كان له قيمة أصلاً) بنزع المظهر الرسمي له، فإنه جاء ليؤكد على الدور الوظيفي الأمني للسلطة، وعلى تنسيق قضايا معيشية يومية لإدارة السلطة، وبالتالي تقزيمها ومسخها كبنية "وطنية" فلسطينية.
وفي الوقت الذي يتصاعد فيه الاستيطان وبرامج التهويد والعدوان على المقدسات والمسجد الأقصى، كما تتعرض القرى الفلسطينية لهجمات قطعان المستوطنين؛ يأتي عباس لطمأنة غانتس على إصرار قيادة السلطة في المضي في التنسيق الأمني، الذي يمنع انفجار المقاومة في وجه الاحتلال. أما الحديث عن تفعيل مسار التسوية السلمية، فهو أقرب إلى اللعبة العبثية التي لا تحترم عقول الشعب الفلسطيني والأمة.
تدخل السلطة (عملياً قيادة منظمة التحرير وقيادة فتح) سنة 2022 دونما أفق سياسي، سواء في الإطار الداخلي الفلسطيني، أم في إطار المشروع الوطني الفلسطيني ومساراته الأساسية. فخلال سنة 2021 فقدت قيادة السلطة والمنظمة ما تبقى لها من ثقة ومصداقية، بعد أن أغلقت الباب في وجه مسار المصالحة الوطنية وفي وجه الانتخابات كأداة لترتيب البيت الفلسطيني؛ وذلك بعد أن عطَّلت انتخابات المجلس التشريعي، وتعطَّلت على إثرها انتخابات رئاسة السلطة والمجلس الوطني الفلسطيني. ولم يعد الفلسطينيون ينظرون لهذه القيادة كقيادة مؤهلة لإدارة ملف المصالحة أو الإشراف عليه؛ ولم يعد هناك مفر من وجود قيادة انتقالية، أو جهة مؤهلة يثق بها الشعب الفلسطيني.
وفوق ذلك، فبقدر ما خسرت السلطة من مصداقية لدى شعبها، بقدر ما سعت لإثبات مصداقيتها لدى الطرف الإسرائيلي والأمريكي. فتابعت التنسيق الأمني مع الاحتلال على أعلى المستويات، و"بلعت" خصم سلطات الاحتلال لمخصصات الشهداء والأسرى من عوائد الضرائب التي تجمعها. وسعت لفرض "هيبتها" على شعبها في الضفة من خلال قمع مظاهر المقاومة، والمعارضة السياسية، والاحتجاجات الشعبية، وتوَّجت ذلك بقتل نزار بنات الناشط السياسي الحقوقي. وأغلقت سنة 2021 بالفتنة الكبيرة التي تسبَّب بها "أمنها الوطني: في لبنان عندما هاجم جنازة لأحد شهداء حماس، أدت لاستشهاد ثلاثة وجرح العشرات؛ وهي سابقة لا أخلاقية في التاريخ الفلسطيني تُسجل في رصيد هؤلاء.
هذه السلطة وقيادتها الفلسطينية فقدت اتجاهها ومبرر وجودها بعد وصول مسار التسوية إلى طريق مسدود وانهيار حلِّ الدولتين. فقد نجح الاحتلال في "إدارة" مسار التسوية لمضاعفة التهويد والاستيطان في القدس وباقي الضفة الغربية، ونجح في تحويل السلطة الفلسطينية إلى أداة وظيفية تحميه، وتقمع شعبها، وتدير الملفات "القذرة" والمرهقة بالنيابة عنه، وتُحوِّله إلى استعمار "نظيف” بمستوى :خمس نجوم" كما يقول قادة صهاينة. واستفاد منها الاحتلال كغطاء ومدخل للاعتراف السياسي من دول العالم، وللتطبيع مع العالم العربي والإسلامي؛ وبالتالي تحقيق مزيد من الاستقرار والنمو الاقتصادي، بالإضافة إلى محاصرة قضية فلسطين وعزلها تمهيداً لتصفية ملفها وفق الشروط الإسرائيلية. وها هو الاحتلال يفرض تدريجياً تصوّره على الأرض، وينتقل بحل الدولتين إلى "الضمّ الزاحف" وإلى "الانفصال الزاحف:، ويطبق نظرياته في السيطرة على أكبر قدر من الأرض وأقل قدر من السكان الفلسطينيين، الذين يتولى إدارتهم وكلاؤه.
في الوقت نفسه، تتشاطر قيادة السلطة على فصائل المقاومة، فتشترط عليهم الالتزام بـ"الشرعية الدولية:، وكأنها طوق النجاة لإقامة الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع؛ بينما هي نفسها أثبتت عجزها وفشلها المستمر طوال الثلاثين سنة الماضية عن الاستفادة من هكذا :شرعية" بأساليبها المعتادة. وهي من ناحية ثانية غير قادرة على تقدير :الوزن النوعي" لمحركات التأثير والتغيير في المشروع الوطني ومشروع التحرير، فتعطى الاعتبارات الأكبر للتحرك الدبلوماسي والرضا الأمريكي وحتى الإسرائيلي؛ بينما تفشل فشلاً ذريعاً في التعامل مع شعبها وإمكاناته الهائلة في الداخل والخارج، وتتجاهل إعادة ترتيب البيت الفلسطيني على أسس حقيقية جادة، كما تتجاهل قدرات وإمكانات فصائل المقاومة، والمستقلين والكفاءات والخبرات التي يزخر بها هذا الشعب، وتزخر بها الأمة.. وفوق ذلك فهي منشغلة باستمرار استحواذ فصيل معين على الشأن الفلسطيني وتهميش وإلغاء الآخرين.
وبالتالي، فهذه القيادة التي تفتقر للأفق السياسي مُصرّة على الاستمرار في "مناطحة الحيطان".. وليس لديها وصفة لفشل مسار التسوية إلا مزيداً من اللهاث خلف سراب التسوية؛ ولا حلّ لترتيب البيت الفلسطيني، إلا مزيداً من هيمنة فصيل معين عليه. فليس ثمة أفق نضالي تحرري لديها، وليس ثمة أفق لبناء مؤسسي يستوعب الشعب الفلسطيني ومكوناته وطاقاته تحت مظلة واحدة.
وحتى في الجانب الاقتصادي، فعلى مستوى الشعب الفلسطيني ليس ثمة رؤية وبرامج حقيقية للاستفادة من خبرات وطاقات وإمكانات ورؤوس أموال الفلسطينيين في الداخل والخارج؛ وليس ثمة قدرة على تجنيدها وتحشيدها في مشروع وطني تحرري.
أما على مستوى السلطة، فثمة صورة بئيسة للفساد المالي والإداري، وللبطالة المقنعة، وللتوظيف حسب "السلامة الأمنية" بحيث تُملأ الشواغر والمناصب أساساً بعناصر فتح ومناصريها، ويُستبعد المحسوبون على تيارات المقاومة مهما كانت كفاءتهم؛ من خلال نظام "أبوي زبائني". وبدل أن تقوم السلطة بتهيئة البيئة الاقتصادية المناسبة للتخلص من الاحتلال وتطوير "الاقتصاد المقاوم"، أدخلت نفسها في كارثة "بروتوكول باريس" ليستمر ارتهان الاقتصاد الفلسطيني في الضفة والقطاع للاحتلال وأدواته.. وفوق ذلك انشغلت بتوفير متطلبات "الاقتصاد الاستهلاكي" وكأننا في مرحلة ما بعد التحرير.
وهكذا، فنحن أمام قيادة وسلطة بلا رؤية للتحرير ولا إرادة للتغيير، وبلا بدائل عن المسارات التي أثبتت فشلها.. لكن الكارثة الأكبر أن هذه القيادة مُصرّة على أن "تركب رأسها" وتتابع تجريب المُجرّب، ومصرّة على الارتهان لـ"حسن نوايا" الآخرين حتى لو كانوا خصوماً أو أعداء. وما هو أسوأ أنها ترفض التَّنحي، أو على الأقل إفساح المجال لمسار جاد وشفاف لترتيب البيت الفلسطيني. وفوق ذلك، فهي راضية باستمرار دورها في إخضاع وتطويع الشعب الفلسطيني وقوى المقاومة.
لقد أصبحت هذه القيادة عبئاً على الشعب الفلسطيني، وتسبّبت، سواء أحبّت أم كرهت، بظروف مواتية أفضل للمشروع الصهيوني. ولم يعد من الممكن الاستمرار في إدارة الصراع ضد مشروع صهيوني عالمي، وما يملك من أدوات نفوذ وشبكات مصالح كبرى، من خلال قيادات تفتقد الحد الأدنى لمتطلبات الصراع لقضية عالمية كبرى كقضية فلسطين. ولذلك، فإن الشعب الفلسطيني سيقول كلمته عاجلاً أو آجلاً ويستلم زمام المبادرة.