الحادثة جرت يوم الثلاثاء الماضي، خلال جلسة لمناقشة مشروع لتعديل الدستور تقدمت به الحكومة، وعلى خلفية توتّر بين أعضاء المجلس، وملاسنات بين رئيس المجلس عبد الكريم الدغمي والنائب سليمان ابو يحيى، لكنّ إحدى نقاط «الاشتباك» الأخرى كانت اقتراح إضافة كلمة الأردنيات، بعد كلمة «الأردنيون» في إحدى مواد الدستور الأردني، فرأى بعض النواب أن لا حاجة لإضافة هذه الكلمة للدستور الصادر عام 1952، وكان رئيس اللجنة النيابية القانونية عبد المنعم العودات، قال إن تلك التعديلات خضعت لنقاشات مكثفة ومعمقة، جرى خلالها أخذ الرأي من المختصين والخبراء، وأن «إضافة كلمة الأردنيات» تهدف «إلى المساواة والحقوق والواجبات لكلا الطرفين».
رغم أن الاعتراض على الكلمة كان «لغويا» بالقول إن كلمة الأردنيين تتضمن معنى الأردنيات أيضا، فإن الاعتراض يمكن نسبته إلى آلية تفكير سياسية – اجتماعية تتوتّر، عادة، من مجمل ما يتعلّق بقضايا مساواة المرأة وحقوقها وواجباتها، ويمكن أن تصل هذه المنظومة إلى حد تبرير عادات اجتماعية مهينة ومسيئة وقاسية بحقّ المرأة رغم أن الأديان نهتها، والقوانين الحديثة قامت بتجريمها.
هناك أمثلة كثيرة في الدين الإسلامي يجري فيها ذكر النساء والرجال معا، لتوكيد شمول المعنى، وهناك آيات عديدة تشير لذلك، مثل هذه الآية من سورة الأحزاب التي تقول: «إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين لله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما».
لم تقدم جولة «الملاكمة» الأخيرة هذه في العبدلي، تفسيرا مقنعا للعنف الذي جرى فيها، لكنها تؤشّر إلى وجود مشكلة تتعلّق بمؤسسة البرلمان الأردني نفسه، الذي تكررت معارك نوابه في الفترة الأخيرة، كما أنها تشير إلى توتّر أكبر ضمن الوضع السياسي الأردني.
توضح طبيعة إدارة البرلمان نفسها هذا التوتر الكامن وجذوره، فالعنف اللفظي والجسدي الذي تبدى بين النواب، لا يختلف، إلا من حيث الطريقة، عن العنف اللفظي الذي أبداه رئيس المجلس، عبد الكريم الدغمي، الذي طرد النائب سليمان أبو يحيى قائلا: «إخرس واطلع بره» فرد النائب بالطريقة العنيفة نفسها قائلا: «خرسة تخرس بوزك» وحين تدخّل النواب وجرّب الدغمي الاعتذار بالقول للنائب إنه مثل أخيه الأكبر، تابع النائب الهجوم مهددا رئيس المجلس بأنه سيرى «شوفة ما شافها بحياته»!
غير أن هذه التفاصيل الدالّة لا تعدو أن تكون مرآة لأحوال عنف وقسوة اجتماعية وسياسية، غير أن العنف الأكبر الذي يمكن أن يتولد من هذه الحوادث الصغيرة هو تعزيز الميول للسخرية، وبالتالي إضعاف، منافذ الديمقراطية والحوار، التي يشكل البرلمان، بالتأكيد، أحد مواقعها الرمزية المؤثرة.
دعوات «حل البرلمان» في هذا السياق، هي دعوات لممارسة عنف سياسيّ أقصى وتقريظ لأشكال الحكم الفردي المطلق.
ليس في يد البرلمان وأعضائه، بالتأكيد، أن يكونوا فوق الصراعات والانقسامات والخلافات، فهم ليسوا غير انعكاس للمجتمع والمفارقات التي تعتمل فيه، لكن ليس من العسير عليهم، والحالة هذه، فهم طبيعة الدور المهم لهذه المؤسسة وتعزيزها بالممارسات الديمقراطية، وليس المساهمة في تقديم الأسباب للهزء منها والمبررات للتخلّص منها.