الشريط الإعلامي

المذيع القوي... والتلفزيون الضعيف

آخر تحديث: 2021-12-06، 09:07 am
د. ياسر عبد العزيز
أخبار البلد-
 
لقد بات لدينا عدد من الفضائيات الإقليمية العربية التي تُرسي نمط خدمة معيارياً فيما يخص دور المذيع وآليات أدائه لمهمته، ويمكن القول إن عدداً من المذيعين العرب الذين يعملون في بعض تلك الفضائيات بوسعهم أن ينافسوا على صعيد دولي باقتدار في هذا الصدد.
لا يمكن إنكار أن هؤلاء المذيعين استفادوا بطبيعة الحال من منافسيهم الذين يقدمون برامج على قنوات إقليمية ناطقة بالعربية وتتبع دولاً أجنبية، كما استفادوا أيضاً من ميراث من الخدمات الإعلامية التي ازدهرت في عقود سابقة في قنوات التلفزيون المحلية العربية.
لكن الإشكال الذي نواجهه الآن ربما يظهر في انتهاج عدد كبير من مشاهير المذيعين العرب الذين يعملون في القنوات المحلية نهجاً غير مهني في أداء مهمتهم. وأما الإشكال الأكثر خطورة فيكمن للأسف الشديد في أن النزوع غير المهني في أداء المذيع كثيراً ما يُترجم في صورة عوائد أكبر من الشهرة والنفوذ لصالحه ولفائدة القناة التي يعمل على أثيرها.
وعلى امتداد العالم العربي من مشرقه إلى مغربه سيمكننا أن نرصد علاقة طردية بين تهافت البُنى السياسية والاجتماعية وانقطاعها عن التأثير والفاعلية من جانب، وبين صعود دور المذيع الفرد وتضاعف نفوذه المجتمعي من جانب آخر.
ويبدو أنه كلما تراجعت السياسة يزدهر الأداء غير المهني لمذيع التلفزيون؛ إذ يعوض الناس ما يفتقدونه في المؤسسات السياسية والمجتمع المدني والمجال العام، بالجلوس مساء للاستماع إلى أطروحات وأفكار يلقيها مذيع مشهور عليهم من خلال منصته الدائمة في التلفزيون المحلي.
وللأسف الشديد، فإن صناعة التلفزيون في عدد من الدول العربية باتت تبدأ باختيار مذيع مشهور ومؤثر، يُخصص له برنامج رئيس في أفضل أوقات المشاهدة، ثم تُبنى بقية المحطة عليه، بما يستتبعه ذلك من تباين شديد في تخصيص الموارد، حيث سيفوز المذيع المشهور وفريق عمله بالحصة الأكبر منها، وسيتبقى القليل جداً لتطوير المحطة وإطلاقها وإدامتها.
 
ورغم أن البرنامج الرئيس في عدد كبير من قنوات التلفزيون المحلية العربية يُخصص عادة لعرض الأحداث الجارية وتحليلها وإلقاء الأضواء عليها، فإن المذيعين النجوم يحولون تلك البرامج لمنصات شخصية يعبرون خلالها عن آرائهم.
يتناقض ذلك بطبيعة الحال مع القواعد المهنية التي تُلزم مقدمي برامج الأحداث الجارية، على القنوات العامة، بتجنب استغلال الشاشة لعرض آرائهم وخوض معاركهم وإملاء أوامرهم، إذ يجب عليهم أن يعرضوا قصصاً وأخباراً ووجهات نظر متباينة ومتوازنة على الناس.
فبسبب تضخم ذوات بعض المذيعين، وعدم احترامهم شروط الصناعة، توقف نفر منهم عن محاولة تقصى الأخبار، أو استطلاع الآراء، أو تقديم الشرح المستند إلى أدلة، أو توفير الفرص للأطراف المنخرطة في القضايا للتعبير عن مواقفهم، واكتفى عوضاً عن ذلك بعرض آرائه ومواقفه الشخصية.
ومع شيوع أنماط الأداء الإخبارية المفتقدة لمعايير الدقة، والتوازن، والموضوعية، والنسب إلى مصادر معلنة وواضحة، والاختيار الجيد للمصادر، سيفقد الجمهور ثقته في وسائل الإعلام الوطنية، وسيلجأ إلى مصادر أخرى للتزود بالأخبار والتحليلات التي تلبي أولويات اهتماماته.
لقد نشأت لدينا طبقة من المذيعين المشهورين على مدى العالم العربي، مستفيدين من هشاشة المؤسسات الإعلامية التي يعملون لصالحها، ومستندين إلى مزايا «الكاريزما»، ومعتمدين على ثقة الجمهور وميله إلى الاستسهال والانبهار بالشخص على حساب المضمون، وتفريط بعض أطقم التحرير والمعدين في استحقاقات أدوارهم وواجباتهم نحو وظائفهم، وضيق أفق المعلنين وتكالبهم على الأسماء البراقة بصرف النظر عما يقدمه أصحابها من مضامين.
وبسبب تراجع الصناعة وعدم تلبيتها لاعتبارات الجودة المرعية؛ يتدخل المذيع النجم في اختيارات القصص وانتخاب المصادر، ويوجه الحوار ويستأثر بالرأي، ويخوض المعارك باعتباره صاحب الحجة والقول الفصل والمنزه عن الشبهات والخطأ.
ولأن التلفزيون الذي يعمل فيه ضعيف ولا يحترم قواعد الصناعة، فإنه يحول حصته الرئيسة إلى برنامج إذاعي يتحدث خلاله المذيع النجم وحده إلى المشاهدين، الذين تحولوا إلى «مستمعين»، بحيث لا تتم الاستفادة من إمكانيات التلفزيون، التي تتضمن المحتوى البصري الأخاذ، ووسائل العرض والإبراز الجذابة، والتقارير الميدانية الشارحة.
لعلاج هذا القصور الواضح في الحالة الإعلامية الراهنة، ينبغي أن نعمل على الفصل بين دور المذيع وبين أدوار أصحاب الرأي والمتخصصين وذوي المصلحة، وأن نغل أيدي بعض مقدمي البرامج عن استخدام منابر الإعلام في معاركهم الخاصة، وفي ترويج مواقفهم السياسية والاجتماعية والرياضية، وأن نتوقف عن دعم تلك الممارسات غير المهنية، لنعيد للتلفزيون العربي المحلي ألقه ومهنيته.