الشريط الإعلامي

طفل مثلّج في ساحة الميلاد

آخر تحديث: 2021-11-29، 09:35 am
عيسى قراقع
أخبار البلد - أيها الناس، وانتم تستعدون لاستقبال أعياد الميلاد المجيدة في كل انحاء الكون، تستعدون للحفلات ‏والصلوات والرحلات، تحتشدون قلبا وروحا ومغفرة في الدعاء والرجاء كي يكون العام القادم عام ‏سلام ومحبة وهدوء بال، وأنتم تزينون بيوتكم ونوافذكم وساحات مدنكم وشوارعها بأشجار الميلاد ‏المضيئة ليلا، وانتم تجتمعون كعائلات حولكم الأولاد والاقارب والأصدقاء، تشترون اجمل الملابس ‏والهدايا لأطفالكم الصغار، تنظرون الى السماء وتتمنون ان يهطل الثلج ليلبس العيد لون البياض.‏


أيها الناس، وانتم تشاهدون اطفالكم يرسمون بأقلام التلوين على الثلج اشكالا جميلة ومبهرة، طيورا ‏وفراشات ملونة، جبال وقوارب واسماك ذات الوان بديعة، اجمل اللوحات يرسمها الأطفال فنانو ‏الطقس البارد، لوحات بديعة، تمتزج الألوان المائية بأحلامهم البريئة، يركبون حصان الثلج ‏ويسافرون الى مستقبلهم بسعادة غامرة، يركضون ويمرحون ويلعبون بكرات الثلج تحت الرذاذ، ‏يحررون نبي الحرية من قيوده ويشعلون البرق والرعد والسحاب والنبوءة والخلاص.‏

أيها الناس: في فلسطين وحدها عندنا طفل مثلج، ابداع مختلف ومتميز، نتفوق عليكم في احتفالات ‏أعياد الميلاد هذا العام، ليس طفلا كرتونيا او جسما مصنوعا من ثلج، ليس طفلا مرسوما تذوب ‏الوانه عندما تشرق الشمس، انه طفل من لحم ودم، طفل مثلج في ساحة الميلاد في مدينة بيت لحم ‏مهد اليسوع عليه السلام، طفل ينام تحت قالب الجليد السميك، يحتاج الى وقت ليستيقظ ويظهر ‏وجهه وملامحه وابتسامته الطفولية، عندنا طفل متجمد، محبوس الانفاس، محتقن الدم، مقيد تحت ‏كتلة ثلج، وقد أراد ان يفاجئ العالم في يوم الطفل العالمي، وان يفاجئ المسيح حبيب الأطفال، وان ‏يفاجئ الفنانين والكتاب والمثقفين والحاصلين على جوائز نوبل، العباقرة والفقهاء والعلماء.‏

طفل فلسطيني مثلج اسمه امجد أبو سلطان 14 عاما، انه طفل هذا العام، يسكن في محيط كنيسة ‏المهد، الاقرب الى مغارة الميلاد وصوت الصلاة، الأقرب الى خشوع المؤمنين والعباد، الأقرب الى ‏قرع الاجراس والترانيم والابتهالات، الأقرب الى الايمان، الأقرب الى خطوات الرسل والاجداد ‏والتاريخ الممتد منذ اقدم العصور من جبال القدس الى مدينة بيت لحم، الأقرب الى مدرسته ‏وأصدقائه واقلامه وكتبه وشهادة الميلاد.‏

طفل فلسطيني مثلج في ساحة الميلاد، طفل هذا العام، اسمه امجد أبو سلطان قتلته قوات الاحتلال ‏الإسرائيلي يوم 15-10-2021 في مدينة بيت جالا بدم بارد واصابت زميلا له تم اعتقاله جريحا، ‏القناص الإسرائيلي لم يخطئ في عملية الإعدام، الطفل في الفوهة، رصاصات في الرأس وفي ‏القلب وفي الظهر، عملية عسكرية مكتملة وناجحة تماما انجزها جيش الاحتلال ضد طفل كان على ‏مسافة بعيدة ولم يشكل خطرا عليهم، لكنه طفل فلسطيني، وهي فرصة متاحة لاصطياده وارساله ‏الى الموت سريعا.‏

الإنجاز العسكري الإسرائيلي لم يكتمل بقتل الطفل امجد، وانما اتخذ قرارا ومن اعلى المستويات ‏باحتجاز جثمانه في الثلاجات الباردة، ربما لم يمت تماما، فالثلج القارس سيقتله، ربما لا زال قلبه ‏ينبض، فالثلاجة المحكمة ستخنقه، ربما روحه ترفرف، فجليد الثلاجة سيخمدها ويجمد الاجنحة.‏

الإنجاز العسكري الإسرائيلي بقتل الطفل امجد أبو سلطان لم يكتمل الا بعد ان مر اكثر من شهر ‏على احتجاز جثته في تلك الثلاجة المغلقة، وعندما اطمأنوا ان دمه المشتعل قد انطفأ، وان أحلامه ‏قد ذابت في ماء الثلج، وان عيونه قد اغلقها الثلج، وبعد جهود قضائية تم تسليم جثمانه على معبر ‏الجبعة الى الغرب من مدينة بيت لحم، ولكنه لم يصل، حيث تبين ان الجثمان لا يعود له، انما لشهيد ‏فلسطيني اخر، تأجل التسليم حتى يوم السبت 20-11-2021 فوصل الشهيد امجد في قالب من ‏الثلج وفي يوم الطفل العالمي.‏

في ساحة الميلاد طفل مثلج، طفل قتلوه ثلاث مرات متتالية: التصفية الميدانية، احتجاز الجثمان ‏غير القانوني في ثلاجات باردة، تعذيبه وتعذيب عائلته التي انتظرت وصول ولدها ولم يصل في ‏الساعة المرتقبة تحت حجة خطأ رقمي، فالشهداء ارقام، والأسرى ارقام، يستبدلون ويشطبون من ‏الحياة الدنيا ومن الحياة الآخرة، فأمجد ليس انسانا وليس طفلا انه مجرد هدف خطفت حياته ‏رصاصة قاتلة.‏
في ساحة الميلاد طفل مثلج، كتلة لحمية مثلجة، جاء من سجون الثلاجات الإسرائيلية حيث لا تزال ‏سلطات الاحتلال تحتجز 90 شهيدا في هذه الثلاجات، وبعد ان تتجمد انفاس الشهداء يرسلونهم الى ‏ما يسمى مقابر الأرقام العسكرية لينضموا الى 254 شهيدا محتجزا هناك منذ سنوات طويلة، ممنوع ‏ان يكون لهم أسماء ولا قبورا ولا جنازات لائقة، لا كرامة لميت في دولة تتقن افناء البشر ومحوهم ‏وهدر حياتهم السابقة واللاحقة.‏

في ساحة الميلاد طفل مثلج، لن يضيء معنا شجرة الميلاد هذا العام، لن يأخذ هديته من بابا نويل، ‏لن يشاركنا في الاحتفالات والصلوات، لن يركب دراجته الهوائية التي اشتراها له والده قبل أسبوع ‏من استشهاده، لن يلعب بالثلج ويستحم تحت قطرات المطر، فيا أيها الحالمون بالمعاطف والقبعات ‏والدفء ومواقد السمر بين ضلوعكم يسكن طفل مثلج.‏

في ساحة الميلاد طفل مثلج، هذا ليس مشهد من فيلم (مطاردة الجليد) الذي حصل على العديد من ‏الجوائز الدولية وصور في القطب المتجمد الشمالي، انه طفل هنا على ارض فلسطين لم تصله ‏الكاميرا والمؤلفين والمخرجين، لو رآه المشاهدون سوف يفرون فزعين يبحثون عن مأمن ‏لأطفالهم، فالفاشية الإسرائيلية أصبحت عالمية يصل جليدها الى كل الأطفال الحالمين.‏

ماذا ستقول الكنيسة في صلاة منتصف الليل هذا العام؟ لا يكفي الدعاء، المذود مليء بالدم، المغارة ‏مزدحمة باللاجئين، الأرض المقدسة تفترسها المستوطنات والحواجز والجدران الفاصلة، خبز مدينة ‏بيت لحم لم يعد يكفي للفقراء، هنا غزاة وبرابرة يجتاحون الوهة الكون، هنا تستفحل العنصرية ‏والوحشية والكراهية، هنا الاحتلال الصهيوني الكولونيالي، هنا الإرهاب المسلح والوباء.‏

أيها المجتمع العالمي امنح دولة الاحتلال الإسرائيلي جائزة الابداع والتميز في قتل الأطفال ‏الفلسطينيين، تحولهم الى أشلاء مهشمين ممزقين او كتل ثلجية او هباءً منثورا ورمادا في قاع ‏التراب والنسيان.‏

تستحق إسرائيل ان تحصل على اليوبيل العالمي لعام 2021 لأنها قتلت 63 طفلا في عدوانها ‏الأخير في شهر أيار من هذا العام على قطاع غزة، و16 طفلا في الضفة الغربية والقدس الشرقية، ‏وشردت مئات الأطفال الذين فقدوا مساكنهم ومدارسهم المدمرة.‏

أعطوا اسرائيل جائزة افضل قاتل في التاريخ المعاصر، لانها نجحت من الإفلات من العقاب ‏الدولي والمحاكمة والمحاسبة، دولة منفلتة في المنطقة، لم توضع على قائمة العار في الأمم المتحدة، ‏الدولة الوحيدة التي حولت القتل الى عملية تلذذ ومتعة وابتهاج وعقيدة ومنهج دون خوف او ‏مساءلة، الدولة الوحيدة التي شرعت الجريمة والطغيان ومازالت تسمى الدولة الأكثر أخلاقية ‏وديمقراطية.‏

أعطوا اسرائيل جائزة افضل سجان في التاريخ المعاصر، أطفال ينزعون من اسرتهم بعد منتصف ‏الليل في حملات الاعتقال والمداهمة، الضرب والفزع والتنكيل والتعذيب والدعس وتقويض حياتهم ‏والتسبب لهم بصدمات وامراض نفسية وجسدية، انها اكبر سجان للأطفال، فقد اعتقلت 19 الف ‏طفل فلسطيني منذ عام 2000، لا براءة للأطفال في المحاكم العسكرية الإسرائيلية، احكام قاسية، ‏القضاة لا يرون وجوه أطفال في قاعة المحكمة، الأطفال غير محميين وفق الاتفاقيات الدولية، فكل ‏طفل هو هتلر بالنسبة لهم مصيره الموت او السجن كما كتب احد المستوطنين الصهاينة، الأطفال ‏قنابل موقوتة يجب تفكيكها وتدميرها.‏

أعطوا إسرائيل افضل جائزة في تطبيق العنصرية المتوحشة، احكام تمييزية، تشريعات عنصرية ‏تسمح باعتقال أطفال بعمر 12 سنة، انهم أطفال (عرابيش)، استخدام النيران المميتة، الحرق ‏والخطف، فلا اجمل ولا ابهى من صور عرب اموات، انها صورة مفرحة، وليمت اكبر عدد من ‏الأولاد هذا ما يكتبه الإسرائيليون على مواقع التواصل الاجتماعي، ولهذا حُرِقت عائلة دوابشة عام ‏‏2015، المستوطنون يغنون ويهتفون وهم يرددون: حرقناك يا علي الرضيع شويناك على الشواية.‏

أعطوا جنود الاحتلال النياشين والاوسمة، انهم ابطال قوميون محاربون استعادوا ارض الميعاد من ‏سكانها الأصليين، ركبوا الأسطورة والدبابة وجاءوا من هوامش التاريخ، طهروا المكان والزمان ‏واختلقوا رواية للموت وأخرى للذاكرة.‏

أعطوا دولة إسرائيل جائزة الحصول على الرقم القياسي للعار هذا العام، فقد أرسلت الى مدينة بيت ‏لحم وفي أعياد الميلاد المجيدة طفلا فلسطينيا مذبوحا داخل قالب من ثلج اسمه امجد أبو سلطان، ‏واتصل ضابط المخابرات الإسرائيلي بوالد الشهيد متباهيا ومهددا ليقول له: قتلنا امجد دير بالك ‏على ابنك الثاني إسماعيل، الإسرائيلي من حقه ان يقتل الفلسطيني حتى لو كان طفلا، يجب القضاء ‏على مستقبل الفلسطينيين بالقضاء على نسل فلسطين.‏

في ساحة الميلاد طفل فلسطيني كفنوه بالثلج، خرجت الجنازة من ساحة الميلاد بعد أن مكث ‏الجثمان أسبوعا في المشفى حتى ذاب الثلج، بكى أصدقائه الصغار وهم يودعونه ويقبلونه بحرقة، ‏بكى الكبار، ساحة الميلاد صارت للموت وإنتاج الموت قتلا وابعادا وحصارا، المسيح لا زال ‏مطاردا في التاريخ، الأطفال مطاردون، والكنيسة الملجأ والمعبد تشعل الأرواح البريئة وتوقظ ‏الصيف في عز الشتاء.‏