الشريط الإعلامي

العداء لأميركا جمع الشامي بالمغربي

آخر تحديث: 2021-11-28، 09:15 am
علي العميم
أخبار البلد - حوت مقالتا رجاء النقاش «مصر والثقافة الأميركية»، اللتان تتصدران كتابه الأول «في أزمة الثقافة المصرية» أخطاء عدة سننبه إلى بعضها.

الشوام المتمصرون المشتغلون بالصحافة والنشر حينما وفدوا إلى مصر لم يكونوا تجاراً، فعدد منهم أصبحوا تجاراً بعد اشتغالهم بالصحافة والنشر في مصر.

وسبب هجرتهم إلى مصر ليس كما نعتهم بـ«أن مجتمعاتهم لفظتهم بفلسفتهم ومطامحهم المغلقة»، وليس كما كرر هذا مرة أخرى، قائلاً عنهم: «بعد أن عجزوا عن تحمل تبعاتهم كمواطنين فلفظتهم مجتمعاتهم وضاقت بهم».

لكل واحد من هؤلاء سبب في هجرته إلى مصر، قد يشترك فيه مع آخرين، وقد لا يشترك فيه معهم.

وسأكتفي بذكر قصة واحد منهم نص رجاء النقاش على اسم داره ومطبعته ومجلته، وهي «دار الهلال» التي وصفها بأنها المدرسة الكبرى للتكنيك في مصر.

جرجي زيدان وهو ابن أسرة فقيرة وفد إلى مصر لأول مرة عام 1883، بغرض إكمال دراسته للطب، بعد أن درسه ودرس الصيدلة في الكلية البروتستانتية السورية لمدتين وجيزتين. ولفقره وفقر عائلته الشديدين اقترض من جار له في بيروت ستة جنيهات لتساعده في السفر إلى مصر، وفي إتمام دراسته للطب فيها على أن يردها له حين ميسرة.

وقد اكتشف أن دراسته للطب في القاهرة تستغرق مدة طويلة، فانصرف عنها وراح يبحث عن عمل، فعمل محرراً في جريدة «الزمان» اليومية التي كان يملكها ويديرها أرمني اسمه اكسان صرفيان. هذه الجريدة يقول عنها محمد عبد الغني حسن في كتابه عن جرجي زيدان: كانت الجريدة اليومية الوحيدة في القاهرة بعد أن عطل الاحتلال الإنجليزي صحافة ذلك العهد. وقد عمل فيها ما ينوف على العام.

عمل بعدها مترجماً في مكتب المخابرات البريطانية بالقاهرة عام 1884، وبسبب عمل هذا رافق الحملة الإنجليزية النيلية إلى السودان مترجماً لها. وكانت هذه الحملة لفك حصار المهدي لغوردون.

عاد إلى بيروت عام 1885، وضُم إلى المجمع العلمي الشرقي. ذهب في عام 1886 إلى لندن في رحلة علمية سياحية. وفي شتاء ذلك العام استعان به يعقوب صروف صاحب مجلة «المقتطف» في عمل إداري لا تحريري في إدارة هذه المجلة.

درس لمدة عامين اللغة العربية في المدرسة العبيدية الكبرى في القاهرة ابتداءً من عام 1889، وهي مدرسة أسسها حنانيا وروفائيل عبيد، أو كما يطلقان على نفسيهما اسم «إخوان عبيد». وهما سوريان من طائفة الروم الأرثوذكس.

أنشأ مع نجيب متري عام 1890 «مطبعة التأليف». وقد فضا الشراكة بينهما بعد عام. واحتفظ جرجي زيدان بالمطبعة لنفسه وسماها «مطبعة الهلال». وفي عام 1892 أصدر مجلة «الهلال».

أما نجيب متري، فإنه بعد فض الشراكة أسس مطبعة مستقلة سماها «مطبعة المعارف». وأسس بعدها «مكتبة المعارف»، ثم أسس «دار المعارف» التي ستغدو من دور النشر الكبرى في العالم العربي.

هذه الدار عرّض رجاء النقاش بها من خلال تعريضه بسلسلة كتب تصدر عنها، وهي سلسلة «اقرأ».

فلقد قال: «حسبنا أن نشير مرة أخرى على أن سيطرة مؤسسة فرانكلين قد تعدت حدود السيطرة العامة على دور النشر إلى السيطرة الخاصة على تفاصيل هذه الدور المختلفة، فقد صدر في الشهر الماضي أول كتاب مترجم في سلسلة (اقرأ) التي ظلت أكثر من عشر سنوات تصدر كتباً عربية مؤلفة. وقد صدر هذا الكتاب المترجم تحت إشراف مؤسسة فرانكلين».

يختلف نجيب متري عن جرجي زيدان أنه تعلم فن الطباعة وصف الحروف في بيروت، وأن هجرته إلى مصر سببها أن مهاجراً لبنانياً اسمه عزيز زند استدعاه إلى الإسكندرية ليعمل مديراً لمطبعته التي كان اسمها «المحروسة»، والتي كانت تصدر عنها صحيفة تحمل الاسم نفسه.

الشوام المتمصرون المشتغلون بالصحافة والنشر، ومعهم المثقفون المصريون الذين عاب عليهم تعاونهم مع مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر، كانوا من ذوي الاتجاه الليبرالي، وعقيدتهم الاقتصادية بحكم أنهم ينتمون إلى هذا الاتجاه، هي الرأسمالية. وبالتالي فهم لا يحرِمون رسملة الثقافة والفكر، لأنهم ليسوا من معتنقي الماركسية لا على صعيد الآيديولوجيا ولا على صعيد المنهج.

وبما أنهم كذلك فمن الاتساق مع آيديولوجيتهم أن يتعاملوا مع مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر.
كذلك هم لا يرون في أميركا استعماراً متطوراً أو جديداً حل محل الاستعمار التقليدي القديم.
إن رجاء كان بغنية عن الذهاب إلى أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، واتهام أسماء ثقافية بتهم منوعة بدون وجه حق. وكان من الأحرى أن يوجّه أصبع الاتهام – إن كان ثمة اتهام – لحكومة ثورة 23 يوليو (تموز)، فهي التي أذنت لمؤسسة فرانكلين بالعمل في مصر، وسمحت لبعض جهاتها الحكومية بالتعاون معها.

هو يدرك هذا الأمر، لكنه لم يفعل هذا لفرط ولائه لها.

ما الذي يجعلني متأكداً بأن تلك الواقعة الفريدة حصلت عن طريق رجاء النقاش، وأنه هو الذي دفع بمقال محمد محمد حسين لمجلة «الآداب» في بيروت، لنشره.

من كتاب مصر في مجلة «الآداب» البيروتية، الناقد أنور المعداوي والناقد رجاء النقاش، وهما فوق أنهما من كتابها، كانا متعاونين معها تحريرياً. أي متعاونين معها من حيث وصل بعض كتاب مصر بها، ووصلها هي بهم.

أنور المعداوي لم تكن لديه أي درجة من الميل اليساري. وبالتالي لم يكن ينطوي على عداء سياسي وثقافي وآيديولوجي لمؤسسة أميركية، كمؤسسة فرانكلين في مصر.

تزامن انشغال رجاء النقاش بمؤسسة فرانكلين للكتابة عنها من منطلق نقدي ذي طبيعة قومية عام1956 مع بدء محمد محمد حسين في نشر مقالات متسلسلة في مجلة «الأزهر» يهاجم فيها مؤتمرات وكتباً للمؤسسات الأميركية في المنطقة العربية، منها مؤسسة فرانكلين في ميدان الدراسات النفسية والاجتماعية وفي ميدان الفن والثقافة وفي ميدان التربية والتعليم ابتداء من ذلك العام.

كتاب رجاء النقاش «في أزمة الثقافة المصرية» تضمن مقالاً نقدياً عنوانه «الأزهر والثقافة الجديدة». ومقاله هذا نم عن أنه كتبه بعد متابعة لأحوال الأزهر. 

وكانت من طرق هذه المتابعة قراءاته لمجلتها. فتعرف إلى مقالات محمد حسين فيها.

نقد رجاء النقاش للثقافة الأميركية كان محصوراً بمؤسسة فرانكلين، ومن منطلق تصورات سياسية وثقافية وآيديولوجية متطرفة لا صلة لها بالدين. أما منطلق نقد محمد محمد حسين للثقافة الأميركية وللثقافة الغربية، والذي كان أعم وأشمل، هو من منطلق ديني في غاية التزمت.

ومجلة «الآداب» هي الأخرى لأسباب سياسية وآيديولوجية قومية لا تخلو من نزعة يسارية، كانت معادية لأميركا.

ملخص الموضوع أن الذي جمع رجاء النقاش بمحمد محمد حسين، وجمع مجلة «الآداب» بالأخير، هو العداء لأميركا.

ولأن محمد محمد حسين هو الذي سلم رجاء النقاش نص المقال كاملاً، لنشره في مجلة «الآداب» فإنه لم يستنكر نشره فيها.

وقد فعل هذا اتباعاً للقاعدة التي استنها أبو سفيان بن حرب في قولته الشهيرة: «لم آمر بها، ولم تسؤني».

ينظر المثقفون العرب اليساريون إلى مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر الأميركية، التي فتحت فرعاً لها في بغداد عام 1952، وفرعاً ثانياً لها في القاهرة عام 1953، وفرعاً ثالثاً لها في بيروت – إن لم أكن مخطئاً – في عام 1959، بوصفها من طلائع «الغزو الثقافي». لذلك كانوا يعادونها. وكانوا يهاجمونها بإثارة شبهات سياسية وآيديولوجية حولها.

يقول المؤرخ العراقي إبراهيم العلاف، في ذكريات له عنها في مدونته على الإنترنت، «رجعت إلى أوراقي لأقرأ خبراً نشر سنة 1967، وفحواه أن مجلس الوزراء العراقي أصدر في 22 أيلول سنة 1967 قراراً بإغلاق فرع مؤسسة فرانكلين للطباعة في بغداد. وهذه المؤسسة أميركية كنا نسمع ونقرأ أنها تابعة لوكالة المخابرات الأميركية حتى أن عدداً من الأساتذة فصلوا من جامعة بغداد لأنه كانوا يتعاملون مع هذه المؤسسة. وقد ورد في قرار مجلس الوزراء سبب إغلاق فرع المؤسسة: إنَّ المؤسسة المذكورة طوال فترة عملها في العراق لم تخدم إلا مصالح الاستعماريين البريطاني والأميركي الذي يخدم في الوقت نفسه الصهيونية»!

يختم ذكرياته عنها بذكر معلومة هي: أن ممتلكات وحقوق مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر آلت إلى «الجمعية المصرية لنشر المعرفة والثقافة العالمية EsDuck».

في موقع «الجمعية المصرية لنشر المعرفة والثقافة العالمية» تعريف بمؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر هو كالتالي:

إنها أول جمعية ثقافية لا تستهدف الربح، وتعني بنقل الثقافة والمعرفة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية والعكس، وقد بدأت الجمعية نشاطها الثقافي عام 1952 تحت اسم «مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر»، والتي قدمت مستوى جدياً للكتاب موضوعاً وإخراجاً عن طريق ترجمة ما يزيد على ألف كتاب في مختلف فروع المعرفة، وأعيد طبع حوالي 6 ملايين نسخة منها، ثم تحولت مؤسسة فرانكلين إلى الجمعية المصرية لنشر المعرفة والثقافة العالمية في عام 1978، وآلت إليها كافة حقوق والتزامات مؤسسة فرانكلين غير الربحية.

في ذلك التعريف ذكرت من بين مآثرها في مجال السلاسل أن ما أصدرته من مطبوعات للأطفال بلغ ما يقرب من 300 كتاب وسلسلة تحت إشراف عالم النفس والتربية الدكتور عبد العزيز القوصي.

السلسلة المقصودة هي سلسلة «علم النفس للآباء والمدرسين»، وقد مر بنا في المقال السابق ما قاله عنها رجاء النقاش.

نعلم من محمد محمد حسين أن العدد الأول من تلك السلسلة صدر في مارس (آذار) 1954، وأعيد طبعه في أكتوبر (تشرين الأول) 1955.

وإعادة طبع العدد الأول منها في فترة قصيرة هو عنده «مما يدل على الرواج الذي تلقاه هذه السموم الأميركية»!

بهذا استهل هجومه على هذه السلسلة وعلى صاحبها في أكثر من مقال من مقالاته «الأزهرية» التي جمعت في كتابه المعنون بـ«حصوننا مهددة من داخلها».

تنديد إسلامي أصولي كمحمد محمد حسين، وقومي عربي بميل يساري كرجاء النقاش، بمؤسسة فرانكلين، وتهويلهما من خطرها الثقافي والتربوي في عقد الخمسينات لم يسفر عن شيء في القاهرة في هذا العقد، ولا في العقد الذي تلاه، كالذي حصل لتلك المؤسسة في العراق عام 1967.

هذا وإن كان رجاء النقاش في مقال من مقالات كتابه، وهو مقال «بعد المعركة» أظهر تفاؤلاً كبيراً بقرب ساعة زوالها من مصر، فهو يقول: «ومن هذه الظواهر أن بعض المؤسسات التي كانت تعمل على عرقلة حركتنا الثقافية وتسميمها بعناصر غريبة قاتلة، قد سقطت على التقريب في محيط من تجاهل الجماهير القارئة ورفضها، وعلى رأس هذه المؤسسات مؤسسة فرانكلين. فقد انحسرت موجة هذه المؤسسة بشكل واضح بعد أن قامت بحركة مزعجة ضد ثقافتنا وحياتنا لفترة طويلة»!

المثقفون العرب اليساريون، وإن كانوا ينظرون إلى مؤسسة فرانكلين بوصفها من طلائع «الغزو الثقافي»، إلا أنهم يؤرخون البداية الأولى له على صعيد النشر والمجلات مع صدور الطبعة العربية لمجلة «ريدرز دايجست» الأميركية. وقد صدرت الطبعة العربية منها عام 1943 بعنوان «المختار من ريدرز دايجست».

هذه المجلة صدرت في القاهرة وكان مديرها ورئيس تحريرها فؤاد صروف. وتوقفت عن الصدور عام 1947، واستأنف مصطفى أمين إصدارها مرة أخرى عام 1956، وجعلها من إصدارات دار «أخبار اليوم».

رجاء النقاش في مقاله الثاني عن «مصر والثقافة الأميركية»، قال في هذه المجلة من ضمن ما قال في ذمها: «موجة من أمواج الطوفان الغامر الذي يجتاح الثقافة العصرية اليوم، تصدر هذه المجلة عن دار أخبار اليوم، لتكتب للمصريين المكافحين المرهقين طرائف عن الذرة، وحكايات بوليسية عن الكرملين، ومقالات مفصلة عن الإنسان الآلي...»...

استخدام المثقفين العرب العلمانيين لتعبير «غزو ثقافي» هو لحن ناشز في خطابهم، وهو مستنكر عند كثيرين منهم على مختلف تياراتهم، في حين يبدو هذا التعبير لحناً سلساً في استخدام الإسلاميين له، لأنه متآلف ومنسجم مع الإيقاع واللحن والهارموني والطابع الصوتي في خطابهم، شكلاً وموضوعاً.

وفي استخدام المثقفين العرب اليساريين له إزاء الثقافة الأميركية تقبع مفارقة ساخرة، فهم لم يكونوا عارفين بأنه أصلاً وفصلاً، تعبير أميركي. فالذي سكه هو عدوهم الألد جون فوستردلاس وزير الخارجية الأميركي تحت عنوان «الغزو من الداخل». وهو العنوان الذي حوره محمد محمد حسين إلى «حصوننا مهددة من داخلها».

والمفارقة الأشد سخرية أن الطبعة العربية لمجلة «الشرق» السوفياتية التي صدرت عام 1957 في القاهرة، ورأس تحريرها الناقد محمد مندور، لا يعدونها ضرباً آخر من «الغزو الثقافي»، ولا كذلك منشورات «دار التقدم» بموسكو المترجمة إلى العربية.

والويل لك ثم الويل لك، إن قلت – ولو على سبيل المزاح -: إن «الكي جي بي» يرعاهما.
ففي معتقدهم اليساري الأرثوذكسي: ما يجوز قوله افتراءً في أميركا، لا يجوز قوله في الاتحاد السوفياتي حتى لو كان صدقاً! وللحديث بقية.