الشريط الإعلامي

الغذاء المسرطن وصناعة أزمات الثقة

آخر تحديث: 2021-10-31، 09:29 am
سامح المحاريق
أخبار البلد - تحدثت الرئيس السابق للمختبرات في المؤسسة العامة للغذاء والدواء عن أبحاث علمية أجرتها أثناء وظيفتها حول وجود مركبات مسرطنة في بعض المواد الغذائية، لتتصدى المؤسسة من خلال مديرها العام لتتحدث عن سلامة الأغذية، ولكن ذلك ليس كافياً، والموضوع ليس مسألة متخصصة تتعلق بواحدة من المؤسسات، وفي دول أخرى كانت الحكومة كلها لتتداعى لمناقشة الأمر، ولتفنيده من أساسه، بل وإجراء الملاحقة القانونية اللازمة.

هل تترصد الحكومة برأي عابر وغير مؤثر من شخص غير متخصص ولا يمتلك المصداقية تحت طائلة قانون الجرائم الإلكترونية، بينما تغضي طرفاً عن قنبلة أطلقت من شخصية كانت في موقع المسؤولية في مقولة تمس واحدة من المؤسسات الخدمية التي تتعلق أعمالها بالحياة اليومية للمواطنين، خاصة أن صاحبة التصريحات تمتلك الخلفية العلمية التي تؤهلها لذلك.


أين الجامعات الأردنية بأقسامها المتخصصة لتدلي برأيها حول الدراسات العلمية التي استندت لها المديرة السابقة، ألا يستحق الأمر تشكيل لجنة من أجل العمل على دراسة الأوضاع والتقدم برأي حاسم حولها؟ أم أن اللجان أصبحت لا تعمل من غير جهات دولية وشركات متخصصة، وفي الحوادث الواضحة التي تشغل الرأي العام؟ أليست العناية بأمر مثل الغذاء أهم من التصدي لقضية انقطاع الكهرباء؟


يبدو أن الحكومة ترتكن إلى فهم قاصر للرأي العام، أي أنها تضع نفسها في موقع رد الفعل بصورة متواصلة، وتتعامل معه بالقطعة، فالحكومة، أي حكومة، تدرك أنها ليست مساءلة في المدى البعيد، وأنها يمكن أن ترحل، وما عليها هو العمل على تخفيف الآثار السلبية للمشكلات التي تظهر في طريقها، وفي النهاية، عاجلاً أم آجلاً، سترحل الحكومة وسيتم تجاوز الملف مهما كان مؤثراً أو صادماً، مثل حادثة البحر الميت وشهدائها من طلبة المدارس، أما العمل على استعادة الثقة بين المواطن والحكومة بوصفها جملة من المؤسسات والأدوات وليست مجرد أشخاص يتداولون المواقع في إدارتها، فأمر لا يبدو أنه يشغل أي حكومة على وجه التعيين أو التحديد.


ملف الأغذية المسرطنة ليس ملفاً يمكن اعتباره طارئاً أو ناتجاً عن خلل ما، فالناس ما يزالون يتذكرون تصريحاً مشابهاً لوزير الصحة السابق عبد الرحيم ملحس- رحمه الله- أطلقه في بداية التسعينيات، أي قبل ثلاثين عاماً، ولذلك لا يمكن للحكومة أن تكتفي برد أو مساجلة يخوضها مدير عام المؤسسة، فالأصل هو تفكيك الملف المطروح الذي ينتقص من الثقة في المؤسسات وقدرتها على أداء أدوارها، ومن هذه الأدوار الرقابة على أدائها من خلال الآليات المختلفة.
في بعض الأحيان لا يمكن أن نتعامل مع التصريحات الصحفية على أساس أنها آراء، ولا أن نغلب حاسة سعة الصدر والتسامح معها، فالتصريحات صدرت من شخصية صاحبة مسؤولية وخبرة، وأخذت صداها في الشارع الأردني، لدرجة يمكن أن تشكل مساساً بالأمن الوطني، وهو ما يتطلب حسماً واضحاً ونهائياً، وفي حال وجدت المشكلات، بناء استراتيجيات لمواجهتها، وإلا فلن نتمكن من استعادة الثقة مستقبلاً، وسنبقى عرضة لإشاعات كثيرة تصدر في إطار الخلافات والمناكفات، وربما يجب أن نفكر في بروتوكول يحول بين المسؤولين السابقين وممارسة التشكيك بأثر رجعي، خاصة أن الشجاعة تتمثل في المواجهة من قلب المشكلة وفي الوقت الذي تحدث فيه، وليس بعد الخروج من المسؤولية.