الشريط الإعلامي

ثغرات اقتصادية اقتحمها علماء للحصول على «نوبل»

آخر تحديث: 2021-10-17، 09:40 am
بيتر كوي
أخبار البلد - لديَّ قميص لم أرتديه من قبل لأنني لا أستحق أن أرتديه بعد، مكتوب على ظهره «سيد القياسات» حصلت عليه في عام 2015 على سبيل الترويج لنسخة من كتاب عن الاقتصاد القياسي بعنوان «إتقان القياسات: المسار من السبب إلى التأثير». قام بتأليف الكتاب غوشوا أنغريست الذي حصل الاثنين الماضي على جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية بالاشتراك مع ديفيد كارد، وغودو أمينز.

لارتداء القميص، يتعين على المرء قراءة الكتاب، ولأنني في الصفحة 85 فقط، فإن القميص لا يزال في الخزانة إلى أن أنتهي من القراءة.

أشعر بسعادة غامرة لمنح الجائزة إلى أنغريست الباحث بـ«معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا»، ولديفيد كارد الباحث بجامعة كاليفورنيا، وغودو إمينز من جامعة ستانفورد. ركزت الكثير من المقالات الرائعة حول جائزة نوبل على كيفية قيام هؤلاء العلماء بمخالفة الحكمة الاقتصادية التقليدية حول موضوعات مثل الحد الأدنى للأجور والهجرة، وأريد التركيز بدلاً من ذلك على الأدوات التي طورها الثلاثة. هذه الأدوات قوية لكن يسهل فهمها.
المشكلة التي يتعامل معها الاقتصاد القياسي هي أن الارتباط لا يعني السببية. فارتداؤك لجوارب غير متطابقة أثناء مقابلة عمل وعدم حصولك على الوظيفة لا يثبت الفرضية القائلة بأن خلل خزانة الملابس هو ما قضى على فرصتك الوظيفية. 
ولا يمكنك اختبار الفرضية بإعادة إجراء المقابلة باستخدام الجوارب المتطابقة.

يطلق خبراء الاقتصاد على هذه الحالة «المشكلة الأساسية للاستدلال السببي». ولحسن الحظ، هناك طريقة للتغلب عليها. فرغم أنه من المستحيل إرجاع الساعة لملاحظة كلا الاحتمالين لفرد واحد (مقابلة بارتداء جوارب متطابقة ومقابلة بجوارب غير متطابقة)، فإنه من الممكن العثور على التأثير المتوسط من خلال إجراء تجارب على عدة أشخاص. لن نعرف على وجه اليقين ما إذا كان تناول الأسبرين هو ما يعالج صداعك، ولكن يمكننا قياس متوسط تأثير الأسبرين على الآلاف من المصابين بالصداع الذين تناولوا أو لم يتناولوا أقراصاً منه.

في بعض الأحيان يمكن لخبراء الاقتصاد إجراء تجارب مناسبة، حيث يتم «معاملة» أشخاص معينين تم اختيارهم عشوائيا (يتم اختبارهم) ويعمل الباقون كمجموعة «ضابطة». ذهبت جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2019 إلى أبهيجيت بانيرجي، وإستر دوفلو، ومايكل كريمر لإجراء مثل هذه التجارب التي تهدف إلى التخفيف من حدة الفقر العالمي. في كثير من الأحيان، رغم ذلك، فإن التجارب المناسبة تبدو مستحيلة، إذ على سبيل المثال، لا يمكنك اختيار عينات بشكل عشوائي تتضمن عن عمد مدخنين أو متسربين من الجامعة. وكبديل، يبحث خبراء الاقتصاد عن «التجارب الطبيعية»: مواقف الحياة الواقعية التي تشبه التجارب المصممة، مثل مواقف تعكس سخرية الحياة، أو سياسة الحكومة، وغيرها.

يتمتع الخبراء الثلاثة سالفي الذكر، كارد، وأنغريست، وأمبينز بذكاء في التعرف على التجارب الطبيعية والتعلم منها. اشتهر كارد وزميله خبير الاقتصاد آلان كروجر باستغلال الاختلاف في الحد الأدنى للأجور في الولاية بين نيوجيرسي وبنسلفانيا لمعرفة ما إذا كان رفع الحد الأدنى للأجور يقتل الوظائف.
 

إليكم مثالاً على أداة بارعة قدمها حائزو جائزة نوبل لهذا العام آخر:
لنفترض أنك تريد معرفة تأثير الخدمة العسكرية أثناء حرب فيتنام على الأرباح في وقت لاحق من الحياة. لا يكفي مقارنة أجور مدى الحياة للأشخاص الذين خدموا والذين لم يخدموا أثناء الحرب هناك، لأنهم قد يكونون مختلفين بشكل منهجي عن بعضهم البعض بطرق أخرى يصعب اكتشافها. على سبيل المثال، ماذا لو كان الأشخاص الذين لم يشاركوا في الخدمة يتحدرون من عائلات أكثر ثراء؟

في ورقة بحثية صدرت عام 1990 نظرت في العلاقة بين الخدمة العسكرية خلال حرب فيتنام ومكاسب الحياة اللاحقة، توصل أنغريست إلى أسلوب للتغلب على المشكلة: فقد ركز على رقم اليانصيب الخاص بشخص ما (استخدام الجيش الأميركي لطريقة اليانصيب لاختيار المجندين الذين سيخدمون أثناء الحرب في فيتنام). كان اختيار رقم يانصيب منخفض يعني زيادة احتمالية الخدمة في الجيش، ولم يكن هناك خطر من أن الأشخاص الذين سحبوا أرقاماً منخفضة كانوا مختلفين بشكل منهجي عن الأشخاص الذين سحبوا أرقاماً مرتفعة، ذلك لأن أرقام اليانصيب تم سحبها عشوائياً.

أدرك أنغريست أن هذا النهج لم يكن مثالياً. فقد كان الكثير من الذين خدموا في الجيش خلال حرب فيتنام من المتطوعين، مما يعني أنهم كانوا سيخدمون حتى لو كان لديهم رقم يانصيب مرتفع. وعلى العكس من ذلك، فإن بعض أصحاب الأعداد اليانصيب المنخفضة لم يخدموا، في بعض الحالات لأنهم رفضوا الخدمة لأن ضميرهم لم يكن مرتاحاً لتلك المهمة.

لكن أنغريست وإيمبنس اكتشفا أنه من الممكن استخلاص استنتاجات مفيدة حول الرجال الذين خدموا بسبب استدعائهم للجيش، لكن من المستحيل استنتاج أي شيء مفيد عن الرجال الذين خدموا لأنهم تطوعوا. ووجد أنه «في أوائل الثمانينات، بعد فترة طويلة من انتهاء خدمتهم في فيتنام، كانت مكاسب قدامى المحاربين البيض أقل بنسبة 15 في المائة تقريباً من مكاسب غير قدامى المحاربين».

يكمن جمال عمل حائزي جائزة نوبل في أنها تدور حول العالم الحقيقي، حيث لا يتطلب العثور على تجارب طبيعية ذكاء فحسب، بل يتطلب فهماً عميقاً للظاهرة قيد الدراسة.
أجريت مؤخراً مقابلة مع بول روم، حائز جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2018 عن عمله في نظرية النمو. وفي ورقة بحثية عام 2015 انتقد بشدة زملاءه خبراء الاقتصاد لما سماه ««Mathiness والتي عرفها بأنها تستخدم لغة الرياضيات، ولكن بطريقة سيئة «تترك مجالاً واسعاً للانزلاق». وذكر لي أن هذه لم تكن مشكلة مع الفائزين العام الجاري الذين استخدموا الرياضيات بشكل مناسب.

بحسب بول روم، «كان هناك رد فعل في المهنة بعيداً عن النظرية ونحو المزيد من الاهتمام بالحقائق. فإذا أخذت الأمر على محمل الجد، فعليك أن تأخذ سؤال المتابعة بجدية: هل يمكنني تفسير هذه الارتباطات على أنها تخبرني بشيء عن العلاقة السببية؟».

حدد رومر هذا النهج بأنه «القلب الحقيقي» لما فعله الفائزون العام الجاري في العمل. وسألت رومر عما إذا كان يعتقد أن انتقاده «للرياضيات» لعام 2015 قد يدفع بالمهنة ولجنة نوبل نحو نوع العمل الذي تم تكريمه هذا العام، ضحك مشيراً إلى أن هذا هو بالضبط نوع السؤال الذي تطرحه المشكلة الأساسية للاستدلال السببي على أنه من المستحيل الإجابة عنه. ومع ذلك، قال إنه يشعر أن المهنة تسير في مسار أفضل.

والآن أنا بحاجة لإنهاء كتاب أنغريست حتى أتمكن من ارتداء هذا القميص.