اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

جمال عبد الناصر .. غصة وذكرى وضريح

جمال عبد الناصر .. غصة وذكرى وضريح
أخبار البلد -   أخبار البلد-
 

بقلم: جواد بولس

كان أيلول قبل خمسين عامًا شهر البكاء والندم، ففيه دفع الفلسطينيون ثمن دخولهم في إغواءات المغامرة الأولى، وفيه بكت الأمة رحيل من أشعل حلم الوحدة المستحيلة. خمسون عامًا مرت على وفاة جمال عبد الناصر والعرب ما زالوا يعيشون على أنوف رماحهم التي ورثوها من عصور الرمل، وفي فيء عباءاتهم الرثة؛ فما يرضي زيدهم يغضب عمرهم، تماما كما نشهد ونقرأ في هذه الايام وكلما كانت تستحضر ذكرى وفاة جمال "حبيب الملايين".

كنا طلابًا في السنة الاولى في مدرسة "يني الثانوية" عندما شاع نبأ موت جمال عبد الناصر . معظم تفاصيل تلك الايام صارت نثارًا في عالم النسيان؛ لكنني ما زلت أتذكر كيف تحوّل لون السماء فوق قريتي إلى كحلي، أو أقرب إلى دكنة وجه من مات خنقًا. في الجو ساد صمت رهيب، ما زلت أسمع صداه حتى هذه اللحظات. وقفت مع اترابي واذكر كيف أحسست، ولم أعرف وقتها لماذا، بدهشة مَن انشقت ألارض تحت قدميه فصارت هاويته كالقدر المحتوم .

لم أكن مسيّسًا ولا من بيت نشطاء حزبيين؛ فوالديّ كانا معلمين ينتميان لجيل آمن بمهنة التعليم واعتبرها رسالة مقدسة، فمارسوها لينشئوا أجيالًا حصينة ونقية، ولكي ينقذوا الناجين من لعنة النكبة والتهجير ويخلصوهم من مشاعر الذل والهزيمة؛ زرعوا فينا، بحنكة الحكماء والصبورين، بذور الكرامة والشغف الكبير للمعرفة وكنز القناعة والاكتفاء إلا من كل ما يسلب حرياتنا ويجوّف أرواحنا ويعطل عقولنا. علّمونا كيف نكره الظلم والظالمين وكيف نحب الخير والغير والصالحين؛ ففي ذلك الزمن ذي اللونين عشنا في عالمين وحسب: واحد أسود، يلفه ظلام لعين ويحكمه الاشرار والعابثون، وآخر أبيض من نور مبين ويديره الطيبون والخيرون.

لم أكن منظمًا في اي حزب، لكنني كنت أبن والديّ، وفرخًا لجيل احتضنته قرية كانت تزودنا بأشرعة من طيب وريح؛ فكبرنا في حضنها وعلّمتنا، كفر ياسيف الجليلية، كما علّمت من قبلنا مَن جاوروا النسور والقمر، نعمة التمرد على السائد الآسن وعلى طقوس الخنوع؛ ودرّبتنا كما تدرّب الام صغارها على فنون العيش والبقاء، وعلى الفوارق بين علم البيان وفنون الخطابة، وبين تشييد البنيان واصول الزرع والحصاد والحطابة.

انطلقنا من صفوفنا الخشبية نحو ساحة القرية القريبة، وسرنا، طلابًا وكادحين وفلاحين، وراء "كبارنا" في جنازة لم نكن نعرف وقتها أن المشيّع فيها ليس "أناناتنا" الفردية والجمعية الثاكلة وحسب، بل، هكذا تبين بعد انجلاء الغيم والغبار، اننا دفنّا، ومعنا معظم العرب "عنقاءنا"وذلك رغم اقتناع البعض بأن ليس كل ألاساطير محض خيال!

ما زالت الذكرى تثير في نفسي ونفوس الكثيرين حنينًا وطربًا دفينين، فبدونهما تصبح الخيبات قواقع لليأس ويفقد الانسان "نونه" ولا يبقى منه إلّا "الاسا" لعنة. ولكن بين تنفس الذكرى كنسمة في حرير الحنين، وبين محاولات البعض باقناعنا بان الناصرية مشروع حي ونابض ومتقدم على خطى ذلك المارد العربي الذي نمنا على حفاف جفونه الثائرة، يوجد فرق كبير وخلاف يتوجب علينا التوقف عنده، اذا ما اردنا ان نبقى ابناء الحياة ونعبّد من اجلها السبيلا مهما كان عسيرا.

قرأت ما كتبه "الناصريون" وشعرت بجمراتهم المتقدة في صدورهم، وقرأت ايضًا لمن يمضغون الناصرية كالقات، ادعاءً ووهمًا ومزايدات، وأثارني بعض من يهاجمون الرجل وزمانه وكأنهم على ميعاد ثأر معه. لجميع من كتب وسيكتب الحق بابداء رأيه حرًا، ولكن من بين ما قرأت لفت نظري اعتراف النائب أيمن عودة، كما نشره على صفحته وقال: "لم يؤثر بمشاعري أحد مثل جمال عبد الناصر حتى هذا اليوم، فخمسون عامًا على وفاته وما زال الأكثر حياةً". حاولت أن افهم قصده من وراء هذا الاعتراف المثير، لكنني تهت في ثناياه ولم يعفني عبء الالتباس؛ ورغم اقتناعي بان كلام النائب عوده، رغم تأويله المحتمل وابعاده السياسية الكبيرة، يندرج في باب الحنين واستذكار موجع لحلم كان قد وئد، سيتيح، كلامه، فرصًا لمن يعارض طروحاته الواردة في سلسلة مقالاته الاخيرة التي حملت عنوان" نحو منهجية مثابرة لشراكة يهودية عربية مؤثرة" خاصة اذا ذكرّوه باهم ما بقي عالقًا في عقول العامة من موروث ناصري تختزله مقولته المجلجلة "ما اخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة" .

نحن بحاجة الى وضوح في رؤى القيادات المحلية السياسية، خاصة وفضاءاتنا العامة وشاشات حواسيبنا وهواتفنا تعج بما يغرق الناس في متاهات وترهات ومزايدات وترددات من كل الجهات والمنابر؛ فمن يقرأ ما كتب عن جمال عبدالناصر، معه وضده، يستتنج ان هنالك بلبة كبيرة بين المعلقين والمعقبين وهنالك ايضًا قطيعة واضحة بين هذه الاجيال وبين زمن الناصرية الذهبي؛ ويستنتج ايضًا ان معظم من عبّروا عن مواقفهم كانوا قد تلقنوها أو هندسوها بتأثير تنظيماتهم الحزبية وحركاتهم الدينية والسياسية، ومن دون محاولة ربط مواقفهم بواقعنا الحالي، نحن المواطنين العرب في اسرائيل، أو إجابتهم على السؤال الاهم : ما دور "الناصرية" اليوم وعلاقتها ببرامجنا السياسية وبوسائل نضالنا ؟ وكيف يمكن تجنيدها في مواجهة المخططات التي ترسمها حكومة اسرائيل وتنوي تنفيذها بحقنا ؟ جميع هذه الاسئلة بالنسبة لي هي اسئلة استنكارية، اما من يحسبها غير ذلك فعليه رسم الاجابة.

ما زلت اذكر كيف بكيت في أول زيارة لي الى مصر؛ فعندما بدأت مباني القاهرة تضحك امامنا كلما اقترب التاكسي من مشارفها، شعرت انني ادخل الجنة.. اضعت قلبي، كما اضاعه "عزيزها"، وكدت مثله "من بهجة اللقيا ونشوتها ، أرى الدُنا أيكةً والدهر بستانا". واذكر ايضًا أننا طلبنا، قبل الوصول الى الفندق، ان نزور ضريح الزعيم جمال عبد الناصر . تسمّرت في حضن الهيية المدفونة. حضرتني مشاهد الجنازة التي اقمناها في كفر ياسيف والاغاني التي حفظناها في "صاحب الصورة" ورددناها في شبابنا اسوة باغاني العشاق وتباريحهم من حب وجوى؛ وسمعنا صوت نزار قباني يتمتم: "قتلناك يا أخر الانبياء قتلناك" .

أكلتنا الحسرة ونحن امام القبر الذي يشهد على جهل امة وعلى ضياع احلامها، ويبكي على رجل كاد بايمانه وبعزيمته ان يقبض على شرايين القدر، ويقدم دماءه أزاهير لشعوب أحبها حرة، لكنها نخت تحت أوزار جهلها وعطلها الخنوع، حتى باتت لا تفرق بين أطواق تدمي رقابها ومعاصمها وبين أطواق النجاة والنرجس.

أحببنا ناصرنا بعيدًا عن التفاصيل الخاصة في سنوات حكمه والتي بسببها اختلف ويختلف الفرقاء عليه ومعه؛ وسنبقى نحبه كعطر لوردة خالدة، فهو القائد الشجاع الذي اراد ان يصهر المعجزات كي يقهر الاعداء ويزرع في بلده المستقبل الآمن؛ ولأنه ابن الحتة، المؤنس الاسمر، الذي جاء مؤمنًا بالانسان العربي وبعزيمته، ومصممًا على بناء دولة عصرية يحكمها القانون وبأدواته، أو كما قال فيه احمد فؤاد نجم "فلاح قليل الحيا، اذا الكلاب سابت ، ولا يطاطيش للعدا، اذا السهام صابت، عمل حاجات معجزة، وحاجات كتير خابت، وعاش ومات وسطنا، على طبعنا ثابت .."

زرت بعدها مصر عدة مرات ولم اعد لزيارة ضريح عبد الناصر؛ فمصر التي زرناها بعد المرة الاولى لم تعد "تلك التي في خاطري"، والضريح صار معلمًا سياحيًا وشهادة على قساوة القدر الذي اراد ناصر ان يقدمه لابناء شعبه ضمانة لحريتهم ولكرامتهم فرفضوه وبقوا كما كانوا من ايام "مينا لايام عمرو" ومن أيام عمرو الى ايام سلطان ..

وتبقى الناصرية غصة وبرقة وسرابًا ..


شريط الأخبار تطبيق "سند" ضمن أفضل 15 مبادرة حكومية عالميًا الحرس الثوري يسقط مسيّرة أمريكية بهرمز وترمب لا يستبعد استئناف الهجمات نقابة أصحاب مكاتب الاستقدام واستخدام العاملين في المنازل تنعى شقيق عضو الهيئة العامة عبد الرحيم الحوامدة مقال نقدي لليساري المخضرم بسام حدادين حول مؤتمر حزب الأمة الإخواني الشرق الأوسط للتأمين تضيف بُعدًا جديدًا للتأمين البحري عبر أول برنامج مكافآت من نوعه في الأردن العبدلي يرعى ماراثون Amman Road Runners دعمًا للرياضة والمشاركة المجتمعية الملك يلتقي رئيس المجلس الأوروبي على هامش اجتماعات الأمم المتحدة وزارة العمل: أكثر من ألف عاملة منزلية مبلّغ عن هروبها منذ بداية 2026 أربع شبكات أميركية كبرى تعلن وقف التغطيات المشتركة لأخبار ترامب تضامنا مع "سي إن إن" كم من المتوقع أن يبلغ إنتاج زيت الزيتون في الموسم الحالي؟ إدارة السير: 5 آلاف رسالة عبر خدمة "الإبلاغ عن مخالفة" في سند خلال 10 أيام وفاة الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم شقيق حاكم دبي 458 مستوطنا يقتحمون المسجد الأقصى محافظ البنك المركزي يفتتح اعمال المؤتمر العربي الإقليمي حول دعم التنمية والاستثمار في سوريا طرح عطاءات لإنشاء 4 مدارس جديدة بنحو 8.7 مليون دينار وزارة الداخلية: 673 ألف مستفيد من الخدمات الإلكترونية خلال 2026 إعلان أحذية يثير عاصفة غضب في أميركا.. والشركة تسحبه وتعتذر وسائل إعلام إيرانية تؤكد سفر بزشكيان إلى نيويورك الثلاثاء 9 أيام متبقية لتصويب أوضاع العمالة المخالفة.. وغرامة 800 دينار بانتظار المخالفين الضمان الاجتماعي يسمي علاء الدين ديرانية ممثل له في مجلس إدارة الضمان للاستثمار